القدس هي آخر رموز فلسطين.. وخسارتها تعني خسارة ما تبقى من هذه الرموز. صحيح أنه لا فرق بين القدس ورام الله والخليل وبيت لحم ونابلس وطولكرم وحيفا وعكا وصفد، فكلها مدن فلسطينية غالية وعزيزة، تتساوى في القيمة والأهمية.
ولكن القدس بمقدساتها المسيحية والإسلامية تبقى بالنسبة للفلسطينيين، مسلمين ومسيحيين الرمز وزهرة المدائن والعاصمة التاريخية والسياسية والدينية والتجارية والحضارية.. ويفترض أن تكون كذلك للعرب، مسلمين ومسيحيين وللمسلمين عامة، فهي أرض الإسراء والمعراج وأولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين.. وأرض القيامة وطريق الآلام.
ونحن مع القدس ظالمة أو مظلومة، لأنها تمر الآن بأوقات عصيبة وأزمة حقيقية، نأمل ألا تطول.. تتعرض لأشرس حملة صهيونية وحرب دينية.. وكل شيء فيها عرضة للتهويد بالإغراء المالي تارة، وقلما ينجح هذا الأسلوب، وإذا ما نجح فعن طريق التسريب من شخص لآخر حتى تصل إلى أيدي عملاء الاحتلال ومستوطنيه.. وبالعنف والتزوير ووضع اليد، في مجمل الأحيان تارة أخرى.. وها هو الحرم القدسي الشريف يسمى جبل الهيكل والحائط الغربي للأقصى يصبح حائط المبكى وساحة البراق تسمى بساحة المبكى. والحارات تسمى بأسماء يهودية، فحارة المغاربة أصبحت حارة اليهود وأسماء العديد من الشوارع تحمل الآن أسماء عبرية مزيفة. وينسحب ذلك على بقية معالم القدس، والعمل قائم ومستمر لقطع صلاتها بباقي الوطن الفلسطيني وعمقها العربي والإسلامي والمسيحي.
معركة القدس ستكون المعركة الفصل، فمن بعد القدس ومقدساتها ستزيل إسرائيل بكل أحزابها من مدعي اليسار والاعتدال إلى اليمين المتطرف والديني الصهيوني المتعصب، كل الخطوط الحمراء التي يمكن أن تردع غيلان الاستيطان والاحتلال عن أي جزء في فلسطين او بالأحرى بقايا فلسطين. فالسكوت عَلى ما يجري في القدس وبقية الاراضي الفلسطينية المحتلة، لم يعد ممكنا، واللامبالاة أصبحت غير مقبولة، خاصة مع الفوضى العارمة والحروب المصطنعة في بعض الدول الغربية، و»نومة أهل الكهف» بالنسبة للدول الاخرى.. وحالة الصمت غير المسبوق في العالم الإسلامي لأسباب منها ما هو معروف وظاهر ولن ندخل في تفاصيلها، ومنها ما هو غير ظاهر وقد يتكشف مع تواصل حرب القدس.
فلسطينيو الضفة لم يعتادوا قبول الضيم ولن يخذلوا يوما أهلهم في القدس، ولا مساجد القدس وجوهرتها الأقصى المبارك وقبة الصخرة المشرفة، ولا كنائس القدس وتاريخها وحضارتها. الشعب الفلسطيني بجميع فئاته وأطيافه السياسية.. نساء ورجالا وأطفالا.. مسلمين ومسيحيين، لن يطول انتظاره وسينفجر حتما رغم كل القيود والخذلان، بمحتليه ومخططاتهم. ولطالما اختار اللحظة المناسبة لينتفض على جلاديه من المحتلين وأعوانهم في اللحظة المناسبة والحاسمة. وليس صحيحا ما يحاول البعض الترويج له، لاسيما وسائل الإعلام الصهيونية، بأن أهالي الضفة لن يسيروا في طريق الانتفاضة، خوفا من فقدان الامتيازات التي تنعم بها عليهم الدول المانحة.. وانتفاضة 1987 ومن بعدها انتفاضة الأقصى عام 2000 التي تفجرت لمجرد تدنيس السفّاح ارييل شارون للحرم القدسي خير دليل.. فما بالكم والأقصى لا يدنس فحسب، بل يقسم زمانيا استعدادا لتقسيمه مكانيا، كما حصل في الحرم الإبراهيمي قبل حوالي20 عاما، تمهيدا ربما لمنع المسلمين من دخوله إلا بقدر ما يسمح به اليهود.
والبشائر تلوح في الأفق رغم القيود غير المعهودة التي تفرضها سلطات الاحتلال على القدس ومقدساته وحول مقدساتها.. والمعركة بدأت تستعر والشعب الفلسطيني في الضفة والداخل منتفض منذ عشرة أيام، تلبية لنداء القدس وأهل القدس. وتشهد فلسطين كل فلسطين من شمالها وحتى جنوبها حرب السكاكين، تطال مستوطني الاحتلال وجنوده.. بينما يواصل المرابطون والمرابطات في الأقصى الصمود والتصدي لجنود الاحتلال وقطعان المستوطنين. الانتفاضة الثالثة حتما ستنفجر في وجه الاحتلال وفي وجه من يحاول منع هذا الانفجار…
لا يحدو الفلسطينيين الأملُ في أن يسمعوا دعوات للجهاد لتحرير القدس وأهل القدس وأهل فلسطين من براثن الاحتلال.. رغم الدعوات للجهاد في سوريا لمواجهة «الغزو الروسي الاحتلالي» الصادرة عن 52 اكاديميا وداعية في السعودية، ضد «الغزو الروسي»، وهو ما يذكرنا بحقبة ليس بعيدة، عندما تصاعدت الدعوات للجهاد ضد الاحتلال الروسي في أفغانستان، بتنسيق مع وكالة المخابرات المركزية الأمريكية «سي أي أيه» ومخابرات غربية أخرى، أوصلتنا إلى ما نحن فيه الآن. أعان الله سوريا والشعب السوري البطل الذي يقاوم أحد أعتى الأنظمة القاتلة في المنطقة، يضاف إليها الآن الجبروت الروسي، إن نفذت هذه الدعوات وآمل الا تنفذ. بوصلة الجهاد عند هؤلاء مصابة بالحول.. وفلسطين لم تكن يوما على خريطتهم… وهذا بحد ذاته يقول الكثير الكثير عن نواياهم وأهدافهم وداعميهم.
وكأن ذلك لا يكفي حتى يطل علينا شخص يطلق على نفسه لقب قيادي في ما يسمى بالتيار السلفي «الجهادي» في الاْردن يدعو، بل يطالب، النساء الفلسطينيات المرابطات في الحرم القدسي الشريف دفاعا عن شرفه وشرف هذه الأمة وعن أحد أقدس مقدساتها، بالعودة إلى بيوتهن. هذه الدعوة، رغم أنها لا تستحق الرد، إلا أنها بفهم هذا القيادي السلفي، تعني إخراج اكثر من نصف المجتمع الفلسطيني من حلبة النضال والكفاح والجهاد والصراع مع العدو. ويدعو محمد الشلبي الملقب بـ»أبي سياف» القيادي السلفي «الجهادي» والجهاد منه براء، المرابطات في القدس إلى العودة إلى بيوتهن صونا للعرض ومنعا لتعريض أنفسهن إلى الاعتداء على أيدي من وصفهم بـ»أرذل الأمم»… وله نقول القدس عروس عروبتكم.. تقفون وراء الحدود تسترقون السمع لاستغاثات رجالها ونسائها وتطلبون منهم الصمت صونا للعرض والنخوة وإخفاء لعوراتكم وضعفكم ووهنكم. فما أشرفكم اولاد… أنتم.. هل يسكت شعب مغتصب… ومعذرة للشاعر مظفر النواب للاضطرار لتحوير هذا المقطع من قصيدته..
يا أيها القيادي الفاضل.. لم يترك الاحتلال الاسرائيلي حرمات في فلسطين لم ينتهكها.. والاحتلال قائم إن كنت قد نسيت منذ حوالي 67 عاما ولم نسمع يوما منك أو من أمثالك ولا من علماء السعودية ودعاتها، نداءات الجهاد. فجنود الاحتلال وقطعان مستوطنيه يدنسون الحرم القدسي ومن قبله الحرم الإبراهيمي بدون أن تهتز لكم قصبة، يدنسون كل شيء في فلسطين امام مسامعكم وناظريكم.. فلا شرف لامة تفرط بشرف ارضها ومقدساتها.. فما أنتم فاعلون؟
الواقع أن ابو سياف بشّر «حرائر فلسطين» «بان ربيع الاسلام قادم لا محاله، وأن غدا لناظره قريب». واعتبر «أن هدم الأقصى لا قدر الله والكعبة أهون علينا من المساس باعراضكن، ودماؤكن أغلى علينا من هذه الاماكن وأنها من مقدساتنا».
وإذا كان هذا القيادي يخاف على شرف المرابطات في الأقصى.. نذكره بأن الانتهاكات الإسرائيلية لا تقتصر على الأقصى، بل تشمل الحارة والشارع والحاجز والبيت في فلسطين. فهل يفهم من كلامه انه دعوة لنساء فلسطين بمغادرتها في انتظار ربيع الاسلام الذي يعد به لإعادة الحق إلى أهله. خافوا الله.
يجهل هذا القيادي والكثير من أمثاله، التاريخ النضالي للمرأة الفلسطينية. لم يحسب للمرأة في فلسطين انها تقاعست يوما عن دورها الوطني والنضالي، منذ مطلع القرن الماضي. والأمثلة لا تحصى فقد استشهدت مجموعة من النسوة الفلسطينيات في احدى قرى طبريا وهن يتصدين لإحدى العصابات الصهيونية في محاولة لمنعها من إقامة مستعمرة لليهود الأوروبيين. ونحن هنا نتحدث عن قبل نحو 120 سنة. فَهَل يريد أبو سياف وغيره أن تتقاعس المرأة الفلسطينية عن اداء واجبها الوطني ونحن في القرن الواحد والعشرين.
وشاركت المرأة الفلسطينية قبل وبعد النكبة عام 1948 في المجهود الحربي، منهن على سبيل المثال لا الحصر فاطمة غزال التي كانت اول شهيدة شاركت في معركة عسكرية في وادي عزون ضِد الاستعمار البريطاني. وهناك ميمنة عز الدين القسام وطرب عبد الهادي وعقيلة البديري ونزيهة ناصر. ونذكر أيضا الشقيقتين مهيبة وعربية خورشيد اللتين قادتا فصيلا عسكريا باسم زهرة الأقحوان ضد الاستعمار والغزو الصهيوني. ولا ننسى أيضا عادلة فطايري ويسرا طوقان وفاطمة ابو الهدى. وطبعا هناك نجلاء الأسمر وحياة البلبيسي وجوليت زكا اللواتي قدن تنظيما باسم منظمة الأرض.
وبعد عدوان 1967 وقفت المرأة الفلسطينية جنبا إلى جنب ويدا بيد مع الرجال في النضال والكفاح منذ الأيام الاولى للاحتلال. والتاريخ حافل بأسماء المناضلات وفي مقدمتهن فاطمة البرناوي التي اعتقلت بعد وضع قنبلة في سينما في القدس، وشادية ابو غزالة، التي تركت مقاعد الدراسة وعادت لتقود مجموعة في الجبهة الشعبية لتكون اول شهيدة فلسطينية في هذه المرحلة. وطبعا هناك ليلى خالد التي أصبحت بكوفيتها رمزا للنضال على الصعيد العالمي، ولينا النابلسي ورسمية عودة اللتان أدينتا بنسف سوبر ماركت. ودلال المغربي التي قادت مجموعة من الفدائيين في عملية كبيرة أسفرت عن مقتل 50 اسرائيليا وأخيرا وليس آخرا هناك 11 استشهادية خلال انتفاضة الأقصى… وللقدس نقول لك كل نساء فلسطين ورجالها.. والقافلة تسير…
٭ كاتب فلسطيني من أسرة «القدس العربي»
علي الصالح