«شدة القرب حجاب»، يبدو أن العبارة بإمكانها أن تنطبق على قناة «فرانس24» الواقعة في قلب باريس، ولم يكن بإمكانها أن ترى جيداً ما يحدث حولها. كثيرون انتقلوا إلى قنوات عربية بعيدة من أجل رؤية أحسن، فقد ظلت القناة الفرنسية متأخرة عن حدث لا يتحمّل دقيقة تأخير واحدة.
كان على المرء أن يرى الصورة المباشرة والخبر العاجل في مكان آخر، أما المراسلون فقد بدا مشفقاً مشهد الزميل كمال البني في ورطته التاريخية كمراسل حربي من «استاد دو فرانس». هكذا وصف البني المشهد «الجميع خرجوا حاملين الأعلام الفرنسية، وليس هناك حقيقة ملامح خوف أو رعب أو هلع على وجوههم، بالتأكيد يحسون بآلام الآخرين، ولكن هناك حالة سلام مع الآخر، حالة من التعاضد، جو من الحميمية».
اختلط الأمر علينا، لم نعد نعرف إن كان المراسل يصف مشاهد انفجارات أم مشاهد حب «حميمية». حين استدرك المراسل قفز ليصف أن «للملعب مداخل عديدة»، وراح يؤكد «كما تعلمين كوزيت، كما تعلمون جميعاً»، راح الشاب يثرثر أي كلام، كما لو أن أحداً علمه أن يقول أي شيء لينجو، إلى أن ختم «الناس تخرج بشكل اعتيادي من ملعب كرة قدم، ولكن حقيقة يشعرون بأن شيئاً ما قد حدث، شيء خطير بالتأكيد».
هل أنت صاحٍ حقاً عزيزي المراسل؟ أي كلام تقول، أي خبر، أي وصف، وأي تفسير؟
رقابة إلى الأبد
فيلم «الرسالة» لمخرجه الراحل مصطفى العقاد ممنوع من العرض أخيراً في دار سينما بريطانية بطلب من إسلاميين. جاء ذلك بعد طلب وقّعه أقل من مئة اسم موجه لسينما «غروفنر» في غلاسكو، فأذعنت الأخيرة، ولم تذعن لطلب معاكس من «الجمعية الإسلامية» في بريطانيا و»الجمعية العلمانية الوطنية» بإتاحة عرض الفيلم وعدم الإنصياع لآراء متطرفة.
لو أردنا فيلماً نموذجياً تجتمع عنده الرقابات كلها وتتوحد لما وجدنا فيلماً كـ «الرسالة»(إنتاج 1976)، وهي نادراً ما تجتمع على رأي. أول ما اصطدم مخرجه برقابة السعودية حين استنجد بها ظناً أنها ستكون المنقذ، لكنه وجد هناك عوائق أولى لا ترضى بالتصوير من أساسه، وتحرم الموسيقى، فكيف تسمح بتجسيد الخلفاء الراشدين في فيلم. كذلك واجه المغرب ضغوطاً لعدم استضافة تصوير الفيلم فاستعاض المخرج بالصحراء الليبية، هناك حيث سمح القذافي بتصوير الفيلم بالنكاية.
نحن إذاً أمام فيلم أسطوري على مستوى الرقابة، أقام المخرج قبل الآخرين رقابته الخاصة وقرر أن يصنع فيلماً بغياب بطله، فهو يتناول سيرة الرسول مع استحالة تجسيد الصورة والصوت وحتى الظل، ثم ليمنع من تجسيد صور الخلفاء والصحابة، وصولاً إلى انتقادات عديدة جاءت بعد ظهور الفيلم انزعجت من تجسيد حمزة بن عبد المطلب.
في النهاية، ورغم إذعان الفيلم لعدد كبير من الشروط، لم يحظ بالسماح له بدور العرض الجماهيري، مع أن الناس حفظته عن ظهر قلب من فرط ما هو متوفر على أشرطة فيديو خاصة. لا الأزهر سمح به، ولا الرقابات العربية الحكومية.
هذه المجاملة البريطانية للمطالبين بمنع الفيلم ليست من قبيل اللطف، إنها نوع من تعزيز سلطة الظلاميين.
الشماتة بالضحايا
أحلام، المغنية الإماراتية، تقول في تغريدة لها على التويتر، وفي عزف لها على هاشتاغ I #PrayForParis أصلي من أجل باريس: إذا أصلي من أجل باريس، يجب أن أصلي أيضاً من أجل اليابان، ومن أجل بغداد، ومن أجل المكسيك، ومن أجل فلسطين.
قبل ذلك كانت أحلام، وحسب «سي أن أن»، دعمت في تغريدات لها الكاتبة الكويتية فجر السعيد وهي تعلن صراحة شماتتها بما جرى في باريس.
لا جدال في أن الضحايا جميعهم يستحقون الصلاة لأي جنس ينتمون، لكن ما هذه الشطارة على الضحايا؟ كيف يجرؤ المرء وهو يقف حزيناً مذعوراً أمام منظر الدم أن يقيم علاقة شرطية مثل هذه، وما ذنب الضحايا؟ هل علينا أن نجري فحص دم لهم كي نقرر هل نحزن ونتعاطف أم لا؟!
في كل مرة تقوم كارثة في مكان ما، ويجري تعاطف من أي نوع معها، ستقوم أصوات لتقول «ولماذا لم تتعاطفوا مع كارثتنا بهذا القدر؟». إنها أحسن طريقة للتنصل من المسؤولية تجاه الضحايا. الظلم هو الظلم، والدم هو الدم، وتستحق جريمة قتل واحدة في أي مكان أن نصمت قليلاً أمامها، أن نكفّ عن التشاطر.
لبنان أقرب من فرنسا
كذلك الأمر، فإن الفنان عادل إمام، استجابة لتطبيق فيسبوكي أتاح للمشتركين إضافة العلم الفرنسي إلى بروفايلاتهم، اختار أن يضع العلم اللبناني صورة لبروفايله، إلى هنا ليست مشكلة، فقط لو أنه لم يرفقها بتلك العبارة «لبنان أقرب من فرنسا»، وكأن تضامنه مع ضحايا فرنسا، لو حدث، سيكون على حساب ضحايا لبنان، لا ندري ما الشيء الإضافي الذي سيبذله الممثل الشهير لو تضامن مع ضحايا البلدين معاً، أو لو أنه مشى على خطى حكومته حين وضعت الأعلام اللبنانية والفرنسية واللبنانية على الأهرامات.
لكن يأبى الفنان الرسمي، صديق الطغاة الآفلين والمقبلين على الأفول، إلا أن يكون هكذا؛ في عداد الآفلين.
كاتب من أسرة «القدس العربي»
راشد عيسى