لم يأخذ من هم على يمين الديغولية في فرنسا قسطاً وافياً من الرّاحة، بين نوبات الإستماتة الكفاحية من أجل بقاء «الجزائر الفرنسية»، وبين نوبات مطاردة كابوس «فرنسا الجزائرية» بعد ذلك.
«من هم على يمين الديغولية» صيغة لا تعني «اليمين المتطرف» وحده، والأرجح أنّها تعني يمين الديغولية أيضاً.
«الجزائر الفرنسية» هي ما لا يمكن طرحه جانباً في أي نقاش جدي يتناول السياسات الفرنسية بازاء المهاجرين وأبناء المهاجرين. لكن عليك أن تتحمّل، إذا استذكرتها، ثقل دم المتحسّسين من أي تذكير بالتركة الإستعمارية، كما لو ان التجربة الاستيطانية الفرنسية في الجزائر حصلت في العصر الحجري.
هذه الجزائر لم تكن بالنسبة إلى فرنسا مستعمرة عادية. ذروة استعمارها أنّها لم تحتسب فرنسياً كمستعمرة تُسوّغ بالرسالة التحضيرية التحديثية، وانما اعتبرت جزءاً لا يتجزأ من التراب الفرنسي، يفصله البحر مصادفة عن «الإقليم الشمالي». بدورها السياسة الفرنسية تجاه المسلمين على الأرض الفرنسية هي، وبشكل أساسي، الاستمرارية للسياسة الفرنسية تجاه المسلمين على الأرض الجزائرية. هناك مراحل ومنعطفات وانزياحات جغرافية وديموغرافية نعم، لكن هناك «حقلا» يفتتح يوم قرّر الفرنسيون في الجزائر نقل الحجاج مجاناً باتجاه الشرق، في مقابل سلبهم للأوقاف وأموالها، إلى اليوم الذي صارت فيه فرنسا مهتمة بانتاج «إسلام فرنسي» مستبعد كلياً عن الفضاء العام، أيا كان نوع هذا الفضاء العام، إسلام فرنسي «محجوب» عن «العمومية»، «وحجابوفوبي»، في مقابل «إنقادهم وقفاً».
الجزائر الفرنسية واحدة من ثلاث سرديات سوّقت لنفسها في عصر انكفاء الاستعمار أنها باقية (بالاضافة إلى نظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا، واسرائيل) بحجة أنّها ليست استعماراً، وان طابعها الاستيطاني يجبّ طابعها الاستعماري. وهي طبعاً تجربة المجتمع الاستيطاني الذي فكّك بأكمله، وربّما أكثر من اللازم.
أما فرنسا الجزائرية، فيمين اليمين يتعامل معها ككابوس، كنتيجة للتراجع عن الجزائر الفرنسية، ككابوس يعكس، بشكل أو بآخر، تحوّل «الحزام الأحمر» الشيوعي في الضواحي حول باريس، إلى «حزام مهاجرين من أصول شمال أفريقية» من ناحية، و»حزام يمين متطرف متصاعد» من ناحية ثانية.
لكن «فرنسا الجزائرية» هذه هي بشكل أساسي نتيجة «التحرير الوطني» الجزائري التي كابرت على سمة الحرب الأهلية لحرب استقلال الجزائر، وآلت إلى تفجير الحرب الأهلية الجزائرية للاطاحة بنتائج صناديق الاقتراع وبفوز «الجبهة الإسلامية للانقاذ». وقد اندلعت هذه الحرب بنتيجة التقاء منطقين. منطق العسكر والعلمانيين الاستئصاليين في الجزائر الذي تعامل مع الإسلاميين كاستعمار فرنسي جديد ينبغي دحره بالقوة. ومنطق فرنسا، الذي يرى انه ينبغي قمع «التحايل على الديمقراطية»، وانه لا ديمقراطية لغير الديمقراطيين. فرنسا أول دولة غربية في مرحلة ما بعد نهاية الحرب الباردة تفضّل الحؤول دون وصول الحركة الإسلامية للسلطة في بلد مسلم، بأي وسيلة كانت، ولو كانت وسيلة تؤدي إلى تفاقم أعداد المهاجرين اليها.
اذا ما استثنينا الأتراك «المدعوين من أجل العمل» في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، يعكس معدّل الهجرة العربية والإسلامية إلى أوروبا منذ مطلع الثمانينيات جغرافيا الحروب الأهلية في ديار المسلمين. فلا يختصر بالبحث عن عمل، ولا عن كرامة، ولا عن غزو الغرب بزحف البطون ونشر المظاهر الدينية.
الهجرة ليست نتيجة الاستبداد العسكري في بلدان العالم الثالث بقدر ما هي نتيجة أزمته، تفسّخه، و»حيرة» الغرب بين اعادة تبييض صفحات هذا الاستبداد العسكري لقطع الطريق أمام الإسلاميين، وبين الاعتراف به كمشكلة محورية حين تقتضي المصلحة هذا الاعتراف.
أما تصاعد أشكال التحريض ضد المهاجرين، فلا يمكنه ان يختزل إلى «كراهية الأجانب» النمطية، ولا إلى نتيجة أزمة اندماج المهاجرين في مجتمعات الاستقبال. هنا اليمين المتطرف وحده، في مسيرته، يقول «الحقيقة»: محاربة انبثاق «فرنسا الجزائرية» تأتي كتتمة لمحاربة اندثار «الجزائر الفرنسية». يقول الحقيقة بأي معنى؟ بعدم اختزاله لها في مشكلة «قصور في الإندماج» يجري العمل لتجاوزه إلى اندماج أصح.
هذا اليمين يحتفظ بانسجام أساسي، رغم النقلة العجيبة من الدفاع عن «الجزائر الفرنسية» إلى محاربة «فرنسا الجزائرية». انه، في مرجعيته الأيديولوجية، لا يقيم وزناً كبيراً لـ»اعلان حقوق الانسان والمواطن» الذي أخرجته الثورة. انه ابن الثورة المضادة في خاتمة التحليل، تلك التي تواجه «تجريدية» حقوق الانسان بملموسية «حقوق الانكليز» (ادموند بيورك) أو حقوق الفرنسيين. يبقى أن فصل «حقوق الفرنسيين» عن تركة حقوق الانسان والمواطن (بمفهوم الثورة واعلانها، لا بمفهوم الأمم المتحدة وشرعتها) يعيد بالنسبة إلى اليمين طرح سؤال «من هو الفرنسي حقاً وفعلاً؟». لكن اليسار الحكومي سيتطوّع لـ»شيل الحمل».
في الموضوع الجزائري، كان اليسار الفرنسي كولونيالياً ولفترة طويلة. فاذا كان اليمين المتطرف اعتبر ان التصادم بين المجتمع الاستيطاني والجيش الفرنسي السري وبين الحاضرة الفرنسية هو استمرارية للتصادم بين الثورة المضادة وبين الثورة الشريرة، فان اليسار تعامل مع المقاومة الجزائرية على أنها تنويع على الثورة المضادة الرجعية الريفية ضد الجمهورية.
هذا اليسار الحكومي يؤمّن، غيبياً حتى، باعلان حقوق الانسان والمواطن (بيان الثورة)، لكن نتيجة ايمانه الصادق هذا رياء مضاعف في موضوع المهاجرين والمسلمين، وأكثر في موضوع المسلمات وحجابهن وملابسهن المفضلة للسباحة. الإيمان بـ»المجرّد الجمهوريّ» يجعله يساراً رهابياً بازاء السمة الاجتماعية التي لا مهرب منها في أي دين، وهذا يعكس، للمفارقة، تهرّب اليسار من اجتماعيته هو. يريد اليسار الحكومي ان يكون المسيحي والمسلم في فرنسا هكذا فقط في المنزل ودار العبادة أو في قرارة النفس. لكنه يريد أيضاً أن يبقى اليساريّ يساريّاً في المنزل و»دار العبادة» (المدرسة العمومية) وفي قرارة النفس، من دون أي سند اجتماعي ليساريته. «رُهاب الإجتماعي» هو الذي يجعل اليسار الحكومي مصاباً بـ»رُهاب الإسلام».
في أواخر القرن التاسع عشر، أبدع الاشتراكي الألماني العظيم اوغست بيبل جملته المأثورة «اللاسامية هي اشتراكية المغفلين». حيال «البوركيني»، أبدع اليسار الحكومي الفرنسي غفلة من نوع آخر: «الإسلاموفوبيا هي يسار المغفلين» وفي نفس الوقت «العلمانوية هي إسلاموفوبيا المغفلين»!
٭ كاتب لبناني
وسام سعادة