استبق البابا فرنسيس الأوّل بستة أشهر فعاليات مؤتمر «باريس 2015» للأمم المتحدة حول المتغيرات المناخية. وفي وقت تنافرت فيه الانتظارات والتشكيكات لمعرفة نسبة احتواء الاحتباس الحراريّ الذي سينجح المؤتمر في اقرارها، جاءت رسالة البابا ببنودها الـ246 لتقدّم تصوّر الحبر الأعظم عن «الإيكولوجيا المتكاملة»، التي يحذّر فيها ليس فقط من عملية التدمير الجارية على قدم وساق للأنساق البيئية والحيوية والمناخية والجوية، بل أيضاً من كل تسويف وحلول جزئية تفصل بشكل تعسّفي بين قضايا البيئة والمناخ وبين القضايا الاجتماعية، وبالذات كلّ ما يتعلّق بالمظالم التي يكابدها الفقراء، وتعترض حقهم في الحياة.
هذه أول رسالة بابوية في تاريخ الكاثوليكية تتعلّق برمّتها بقضية البيئة. والبابا يعتبر القديس فرنسيس الأسيزي رائد «الايكولوجيا المتكاملة» بحيث قدّم نموذجاً للوئام مع الله، والآخرين، والطبيعة، ومع ذاته، وربط الحميمية حيال الطبيعة بإنصاف الفقراء، والالتزام تجاه المجتمع، والسلام الداخلي لكل شخص. لأجل ذلك اختار فرنسيس الأول عبارة «الحمد لك» التي يفتتح بها فرنسيس الأسيزي كل مقطع من مقاطع «أنشودة المخلوقات» عنواناً للرسالة التي ستشكّل مادة للفرز لأشهر عديدة، بين دعاة مواجهة جدية للاحتباس الحراري، وبين دعاة التمييع والتشكيك بخطورة الموضوع.
في المقطع الذي يتوجه فيه للأرض من «أنشودة المخلوقات» يقول الأسيزي: «الحمد لك يا رب على أختنا الأرض، انها تسندنا وتحكمنا وتغلّ لنا شتى الثمار بأزهارها الملوّنة والعشب». من وحي مقطع الأنشودة هذا، يشدّد البابا الحالي على أنّ مفهومنا للأرض كشيء ينبغي السيطرة عليه واخضاعه واستثماره كيف كان، من دون أن نترك له المجال كي يعطي من نفسه بنفسه هو المسؤول عن كل هذا التخريب الحاصل للبيئة وللمعاش البشريين على حد سواء. بالنسبة للبابا، لم يحصل ان تملّكت البشرية كل هذا السلطان على نفسها من قبل، وليس ما يضمن أنها ستحسن استخدام ذلك بشكل جيد، خصوصاً في ضوء التجربة الراهنة. فالانسان ليس مستقلاً بذاته بشكل مطلق، ومصيبة التفكير الذي يجعل الانسان مركزاً حصرياً لكل شيء أنه يكشف أكثر فأكثر حقيقته كتفكير يهمّش الانسان نفسه قبل أي شيء آخر. يرفض فرنسيس الأول ما يعتبره «أسطورة التقدم» التي تعتبر ان كل تنامي للاقتدار البشري هو تقدّم خيّر بحدّ ذاته. نحن أمام مقاربة كاثوليكية شاملة تذكر إسلامياً بمقولة «الاستخلاف في الأرض» (الأرض كميراث لبني آدم، وليس كدجاجة تبيض فقط ولا كسلة مهملات) إلى حد ما.
ردّات الفعل على رسالة البابا الأخيرة، وعنوانها التحتي «انقاذ البيت المشترك» تراوحت بين اعتباره يؤسس يساراً جديداً، وبين اعتباره يعيد تأهيل الفكر المحافظ لتكون له جدارته على المستوى الكوكبي، الأممي. وطبعاً، جاءت أكثر الردود امتعاضاً من الجمهوريين في الولايات المتحدة، فمنهم من طالب البابا بعدم زجّ الدين في العلم، وترك الطبيعة لعلمائها، وبالتالي للشركات، ومنهم من اعتبر البابا ينزلق إلى تبني «نظرية تطور الأنواع» بشكل ما في بعض ثنايا الرسالة، في حين لا يزال يصر عتاة اليمين المحافظ على نظرية خرافية، «ثبات الأنواع» أو «التصميم الذكي» لها، ووجه المفارقة هنا أن بعض المحافظين يتلطّى بالمواقف البابوية المناوئة للاجهاض وزواج المثليين، ويرفض ان يتدخل الفاتيكان بالعلم حين يتعلّق الأمر بالانقاذ البيئي والحد من الاحتباس الحراري.
فهل يسمح ترحيب فرنسوا أولاند وباراك اوباما بالرسالة، بعدّها مانفيستو ليسار كوكبيّ جديد في المقابل؟ لو قلّبنا في صفحاتها، سنجد أن البابا يرفض المالتوسية المعاصرة التي تعتبر ان تزايد السكان هو سبب التلوّث الأساسي، ويرى ان اتهام التزايد السكاني بدل اتهام الشراهة الاستهلاكية الذي تزاوله أقلية مقتدرة ومبذرة من سكّان الكوكب يحول دون مراجعة عميقة لهذا المنحى الاعتباطي الذي لم يفهم بعد ان الكوكب لا يمكنه أن يستوعب وتيرة انتاجه للنفايات. ليس هناك مقطع من الرسالة الا ويربط فيه البابا بين الدَين تجاه الطبيعة والَدين تجاه الفقراء، وهو يستعيد ربط البابا الراحل يوحنا بولس الثاني الملكية الخاصة بالمآل الكوني للخيرات، ويذكّر بأن التراث المسيحي لم يعتبر يوماً الملكية الخاصة مطلقة أو حرام مسّها.
كذلك يرفض البابا المقترحات المخادعة لتدويل منطقة الأمازون بداعي حمايتها بيئياً، ويقول بصريح العبارة ان وراء هذه الدعوات مصلحة الشركات الكبرى. والبابا، ان كان من ناحية، يتناول الخطوط الكبرى لعملية التدمير اللاحقة بالأنساق البيئية والمناخية، وضرب التعددية الحيوية على الكوكب، وخطورة تحرير كمية كبيرة من غاز الميثان بعد تحلل المادة العضوية المجمّدة اثر ذوبان الثلوج القطبية وثلوج المرتفعات، ومخاطر انبعاث المزيد من ثاني اوكسيد الكاربون والغازات الدفيئة وارتفاع حموضة المحيطات وتحول عجائب البحار إلى مقابر غائصة، واختفاء السواحل وحواضرها، واندثار الغابات المدارية، وهجرة الحيوانات والنباتات ونضوب المصادر الطبيعية، فانه يتوقف عند مسائل حياتية بعينها، مثل مياه الشفة، والأمراض المتفشية بين الفقراء نتيجة صعوبة الحصول على المياه الصالحة للشرب، ويستهجن البابا خصخصة المياه، مؤكداً أن مياه الشفة حق انساني أول وأساسي وكوني، وهو حق شارط لممارسة الحقوق الانسانية الأخرى.
نحن أمام طرح بيئي – اجتماعي متكامل اذاً، ويستمد قوّته من قنوات تعبئة الكاثوليك عبر العالم، لكنه كونيّ يشدّد في الوقت نفسه على أن الأرض هي ميراث مشترك للمؤمنين وغير المؤمنين، ولا يميّز المؤمن عن غير المؤمن الا ادراكه ان الوفاء لأختنا الأرض هي من قبيل الوفاء للخالق.
والسابقة استشهاد البابا رسالياً بالأب اليسوعي تيار دو شاردن الذي كان ينظر اليه بسلبية قبل عقود قليلة من المؤسسة الرسمية، ويتهم بالحلولية ووحدة الوجود بسبب نظريته عن «المسيح الكوني». تماماً مثلما استشهد البابا في احدى حواشي الرسالة بمفخرة الأولياء سيدي علي الخواص، هذا العارف الصوفي القاهري الذي نقل لنا تلميذه عبد الوهاب الشعراني، في القرن السادس عشر الميلادي، أخباره وتعاليمه.
فهل يدلّ كل هذا على أن الوفاء لـ»أختنا الأرض» يجعل من الكنيسة «رفيقتنا الكنيسة»، طليعة ليسار عالمي جديد؟
نعم ولا. في كل ما تقدّم ثمة محاكاة منهجية لما يقوله البيئيون اليساريون اليوم، لكن البابا يقول كل ذلك من موقع الفكر المحافظ كما يذكرنا فردريك سان كلير في صحيفة «الفيغارو»، فكما هناك تراث من نقد الرأسمالية من على يسارها، هناك تراث من نقدها على يمينها، والمحافظون ينقسمون بين متصالح مع الانتاجية والليبرالية الاقتصادية وبين مخاصم، والمحافظة ليست دائماً محافظة على الماضي، بل هي كما شدّد الفيلسوف مايكل اوكشوت «محافظة على الحاضر»، ايثار للمألوف على المجهول، والقائم على الممكن، والمحدود على المبهم، والقريب على البعيد.
لكن هناك أيضاً مقاربة ممكنة من موقع آخر، بالاستفادة من أفكار المفكر جان بيار دوبوي في كتابه «نحو كوارثية مستنيرة». فدوبوي يعتبر ان محدودية ما ظلت تلازم كل تفكير ينقد الرأسمالية والانتاجوية من منطلق نقد العقل الأداتي، أي نقد المنطق الذي يرجع كل شيء إلى غاية نفعية تتجاوزه، والذي نجد أطواره في الماركسية، والنقد الهايديغري للتقانة، ومدرسة فرنكفورت، وما بعد الحداثة، والتيارات البيئية المعاصرة. كل هؤلاء يردّدون بطرق مختلفة بأن مشكلة الانسان المعاصر انه يريد ان يمضي إلى الأمام فيهرب إلى الأمام أكثر، ويستلب بالعقل الأداتي، في حين كان دوبوي، يستند إلى المفكرين جون الستر وايفان ايليتش، ليذكر بأن مشكلة الانسان الحديث ليست في «العقل الأداتي» هذا فقط، وانما في «منطق الإلتفاف»، في منطق افتتحه الفيلسوف الالماني ليبنتز حين اعتبر أنه لأجل القفز بشكل أفضل ينبغي دائماً التراجع بضع خطوات، وبأن الخالق أيضاً كان عليه أن يضع بعض الشرّ في عالمنا كي يكون أفضل عالم ممكن، والا لجاء عالمنا أسوأ وأكثر شرّاً. فالشرّ قرباني على الدوام في منطق الالتفاف هذا. الشرّ كلفة انتاج أو تعديل انتاجية.
المشكلة لن تكون والحال هذه في «أسطورة التقدم» فقط، وانما في نقيض لها أيضاً: منطق الالتفاف. منطق أنه كي تتقدّم عليك أن ترجع إلى الوراء. فما الذي يقوله المناوئون لرسالة البابا اليوم؟ انهم يرّوجون لتفسير علموي يقول بأن الكوكب تتعاقب فيه دائماً موجات تبريد وموجات احتباس، وان مسؤولية التصنيع والتنكولوجيا عن هذا متواضعة وليست مركزية، وانه حتى لو لوثنا الكوكب قليلاً فلن تلبث ان تتكفّل دورة الزمن الكوكبي بتصحيح ذلك من تلقائها في موجة التبريد اللاحقة.
وما الذي يقوله البابا في المقابل؟ في مكان ما نحن أيضاً أمام صيغة أخرى من «منطق الالتفاف»، منطق «لأجل القفز بشكل أفضل ينبغي التراجع قليلاً».
باختصار شديد، لئن كانت رسالة البابا وثبة ممتازة لجمعها البيئي بالاجتماعي بالانساني، فان عدم ذهابها أبعد من نقد «أسطورة التقدّم» إلى حيث نقد التصوّرات القربانية نفسها التي تحكم علاقتنا بالتنكولوجيا كما بالبيئة ومنها «مديونية الانسان تجاه الطبيعة»، لا يمنحها قوة الدفع المطلوبة. البابا استعاد تيار دو شاردان، لكنه أهمل من كان يحتاج اليه نقدياً بشكل أوثق: ايفان ايليتش.
٭ كاتب لبناني
وسام سعادة