صديقي سيد حجاب: روحي تقرئك السلام وبعد، كلماتي جريحة هذا الفجر وأنا أقرأ اسمك في صفحة الموت… فبأي كلمات أودّعك؟ وكيف أودع من كان حيًّا كل هذه الحياة؟
في خاطري الآن طيفك الأصيل تلقي عليّ جديدك الشعري قبل شهور في بيتك الحميم، تحرسنا الصّداقة وسيدة عظيمة اسمها ميرفت. تحضرني للتو حيويتك الشاخصة في عينيك البرّاقتين بريقا ودودا وذكيا وأنت تستقبلني بأبوة تفيض فرحا وخوفا عليّ كابنة وصديقة.. لن أنسى هذا البريق ما حييت.
أشاهد وزير الثقافة المصري وهو يعلن نبأ وفاتك قبل ساعات فأفزع كعادتي من فكرة الفقد، وأي فقد هذا؟ أخبرني يا صديقي.
أكمل ليلتي الطويلة وأنهض من أرق ثقيل، أفتح النّافذة وأتنشق هواء الشتاء القاسي الجميل، وفي عمقي إدراك كم الحياة جميلة.. الحياة الجميلة تخسرك مرارا، مرة في الكتابة ومرة في ذكاء الكلام على الكتابة، مرة في أماسي الشعر، وأخرى في الميدان والشارع، مرات أخرى في التكريمات، وفي مسلسلات الحياة التي تشبه أغنياتك.
يا إلهي كيف أكتب لك رسالتي، أشعر بوهنٍ نفسي ولغوي.
في زيارتي الأخيرة لك في بيتك القاهري في أيار/مايو من السنة الماضية قلت لي :» ما تغيبيش يا وينوووو ح ترجعي مصر إمتى؟ « ووعدتك أن أعود قريبا ولكني انشغلت. أجلت زيارتي لك عدّة مرات وأنت حي، هل أعتذر منك؟ أم أعتب على الأقدار؟ كنت أراك تبتعد وتمضي نحو وجهة بعيدة، وشعرت بأن الوقت يلتف حول عنقي مثل مشنقة، ويقبض على أنفاسي، بلغت مرحلة الاختناق، لكنني اعتقدت أن الموت لن يقترب من قلبك المزهر بالحياة، لا أدري لماذا خطرتَ على بالي كثيرا، هل هو ذلك الرابط الروحاني الذي لا تفسير له هو الذي حرك شوقي إليك؟ هل هو الشعور بالفقدان حاصرني لأن ملاك الموت قابع قربك؟ لم أعرف الجواب، فقط عرفت أنك كنت تريد وداعي عن قرب، وأنا لم أصدق تلك الإشارات.
آخ يا «سيسو» ـ هكذا كنت أحب مناداتك لأعرفك بأصدقائي – آلمني أنك حتى في موتك رشقت بحجارة الحاقدين، انتقدك إعلاميون من منابرهم بمرارة ولفّقوا لك أشياء لا تليق بك لأني عرفتك عن قرب وعرفت طيبتك الباذخة، وتعففك الراقي ورؤيتك الجميلة للأمور، عرفت فيك كل ما ميزك عن كوكبة من شعراء مصر بالعامية، حتى الذين قرأتهم… أنت من قدتني إلى بعضهم مثل أستاذ الشعر العامي المصري فؤاد حدّاد. وعبد الرحمن الأبنودي، وصلاح جاهين وأحمد فؤاد نجم وآخرين… حين استضفتك أول مرة في برنامجي وجوه العام 2002 لم أعرف أن صداقتنا ستتوطد إلى آخر نفس لديك. ولم أعرف أنك ستبهجني وتبهج جمهوري في لقاء ثان في برنامجي «نلتقي مع بروين» وأن علاقتنا ستأخذ مفاهيم عميقة بعيدة كل البعد عن علاقة نجوم التلفزيون ببعضهم بعضا.
ثمة من يعتبرك مثلي أجنحة لفرحه الخاص، لأنه يرى فيك الشاعر الطيب وصاحب التجربة النضالية العصيبة، صديق الصيادين والزجالين والفقراء والوطنيين والمثقفين و»اللي مش مثقفين»، دخلت قلوبهم بصوتك وشعرك، وسكنت غرف الذاكرة الأكثر قداسة، وها أنا أبكيك مثلهم وشعرك يعانقني ويحضنني من كل الجهات، كأنّك لم تغادر.
حبيب الكل أنت يا صديقي.. والإنسان، إنسان جدا يحق له أن يخطئ، ويصيب. إنسان
من لحم ودم له ما له وعليه ما عليه. هرم من أهرامات مصر الثقافية ثلاثي
الأبعاد، عظيم أنت يا صديقي، وأعرف أن كل من طعنك ستسامحه، لطالما قلت لي: «الله يسامحهم» ولأنهم قلة القلة.. فالكل هنا يحبك.. تعيش في وجداننا ضميرا حياً وشاعرا صادقا.. يا عم الجميع، يا سيد البسطاء، يا صديقي..
حين قررت أن أقدم واجب العزاء لشريكة عمرك وصديقتي ميرفت كنت تواقة للقائك
أيضا، وقد فوجئت بدفئك معششا في المكان، بروحك ترفرف في بيتك، وفي مكتبك،
وببصماتك مبثوثة على كل أشيائك وكأنها غبار من ذهب. مكانك حيث تجلس كان لا
يزال دافئا يا للدهشة.
ثم هل تعرف أن الموت لا يأخذ الطيبين؟ إن لم تعرف سأخبرك أني ليلة جلست أكتب
إليك سمعت صوتك في غرفتي يقول: «أنا كويّس الحمد لله» ورأيت النور المشرق من
ابتسامتك يتّسع حتى شمل الغرفة. أنا المأخوذة بالشعر قد أكون لحظتها في هذيان
نفسي، قد أكون منغمسة في خشوع استحضارك، لكني مليئة باليقين الذي لا يشوبه
الشك أني كنت في قمة وعيي، وأنك كنت هناك.
بالنسبة لي لم تكن شاعرا والسّلام، لقد تجاوزت لغة الشعر حين أصبحت عرّاب
قلوب الغلابة. ومن تجرّأ وقال عكس ذلك فإنه يضرب في الخواء. لقد عرفت دوما
أن تعارض وتسخر وتوالي، لا شيء أفسد شعرك النابع من ينابيع عواطفك
الصافية، أقول لا شيء لأني فهمتك حتى أعمق الأعماق.
ميرفت زوجتك الرائعة وأنا والأقربون من أصدقائك وجمهور عريض من الخليج إلى
المحيط نعرف أنك شاعر الجمال بامتياز. واسمحلي أن أسميك «آخر قلاع الجمال»
في العالم العربي، وبعدك لا أعرف كيف سيكون شكل الأغنيات. لكنني أتوقّع أن
دائرة الشعر العامي تقلّصت وستزداد تقلُّصًا، وأغنيات الدراما التلفزيونية حاصرتها شركات الإنتاج بشروط قاسية، وقد لا تأتي أغنيات تحفر الحب على جدران ذاكرتنا الجماعية كما أغنياتك، وهذا موضوع آخر يحتاج لبعض التمحيص والتحليل بعيدا عن كلامي إليك اليوم.
أنا حزينة يا صديقي
وحتما تعرف أن الحزن يرتبط بالفقدان، وترتبط دموع الفقدان برسالة يفهمها البعض ولا تفهمها الغالبية، وها أنا مبللة بدموعي وأحتاج لحضن مثل حضن ميرفت مع أني وهي وكل من أحبك نعرف ألا شيء يعوّضُ فقدانك، لأنك لا تعوض.
لكنّ غيابك موجع ويفتح نوافذ على مواجع قديمة، وأبوابا كنت قد أغلقتها وستائر كنت قد أسدلتها. قلبك المليء بالحب يحرضني اليوم على مسامحة كل الذين أخطأوا في حقي، فقد أحدث موتك جرحا كبيرا في داخلي، وها أنا أمضي مثلك نحو أفق أجهل ما ينتظرني فيه، أبتعد بكل وعيي وإدراكي عن مواطن النكسات، وأنوي أن أبتعد أكثر عن حقول الشوك التي غزت مشاهدنا الأدبية.
أتوق للوقوف على الهضبة المطلّة على أغنياتك وشعرك وأطيل المكوث هناك. أراك
في بؤبؤي عينيّ وفي روحي وأرى كل الرّائعين الذين عاشوا حالة الحب مكتملة قبل أن يتركوا لنا نتاجهم الجميل.
حان الوقت لأوقف نزيف روحي مع أناس أفسدوا الصفاء الذي ولدت وجبلت عليه، مرددة كلماتك الخالدة «ليه يا زمان ما سبتيناش أبرياء؟» وأعرف الإجابة وحدي حين أعود إلى عرين براءتي في صمت.
جئتك طائرة بكل قواي باحثة عنك وعن الناس الطيبين الذين لم يطعنوا تلك البراءة. ارتميت في أحضان القاهرة كما فعلت ذات يوم وأنا طالبة علم. وكما الطيور التي تسافر في رحلتها صيفا وفي أخرى شتاءً، ها أنا أمام عش علاقاتي الأول، وصندوق كنزي الثمين أزيل عنه الغبار والأتربة وأكتشف غلاء محتوياته.
صدّقني، لحظة تلقييَّ خبر وفاتك رأيتك مسافرا بخفة دمك وروحك إلى عالم أفضل من الذي نعيش فيه. إلى جنّات تجري من تحتها الأنهار، في ملكوت الله الواسع، حيث لا ضغينة ولا طعنات في الظهر. ورغم غيابك ذكرتني بكل الذين أحبهم ومنحتني فرصة لأراهم وأرى كل الغوالي في هذا البلد الجميل. أليست مجالس العزاء لقاء للأحبة في حضرة غياب الحبيب؟ أليس الرّاحل يجمع رفاق الحياة في لقاء أخير، تماما كما جمعهم ذات يوم حين ولد وأسعد والديه وعائلته؟ أليس كم الحب الذي زرعه بين الناس في حياته هو الذي يجعلهم يجتمعون مرة أخيرة لتوديعه؟ وإن كانت طقوس الوداع تختلف من شخص لآخر، فقد ودعت أحبتي بالصلاة والدعاء حين لم أتمكن من السفر إليهم .
رحمك الله يا صديقي، وشكرا على كل لحظة جمال أضأت بها أزقة نفسي، وكل حكمة
علّقتها في جعبة الخُلاصاتِ خاصّتي، وكل لحظة محبة كنت تكنها لي أشعرتني أنك أب ثان لي.
شكرا لأنك قلت ذات يوم «بندق ندق بوّابة الحياة بالإيدين قومي، قومي قومي افتحي لاولادك الطيبين (أيام بوابة الحلواني) صدقتك واعتبرت كلامك موجها لي وعشت كل حالاتي العشقية دون خوف فاتحة قلبي للحياة وللناس الطيبين وتجاوزت أسلاك الأحقاد إلى الضفاف السليمة بأشعارك وأغانيك.
أمامي أنت تهمس ببحتك الفخمة: «بتحبني يا بحر؟ قال إنت إبني…وصاحبني وشاربني وجنونك عاجبني…طبْ ليه تاعبني؟ …لسّه ح اسأل، لقيت موجُه قالبني…غالبني …إيه ح تحاسبني؟ «
إلى الملتقى يا صديقي وإلى أن يحين الميعاد لا تلمني لأني ما زلت أبكيك.
٭ شاعرة وإعلامية من البحرين
بروين حبيب