■ ندرك اليوم أنّ فلسطين تعرّضت لأكبر عملية نصب واحتيال في تاريخ البشرية، نتيجة تخطيط مُمنهج للقوى الامبريالية ذات الطموحات الاستعمارية بمختلف أشكالها المادية والمعنوية المباشرة أو الموكولة. والموقف الأكثر احراجا الذي تحياه أغلب الجماهير العربية والمسلمة هو عجزها عن فعل أي شيء أمام الظلم والجريمة التي تقترفها الأيادي الآثمة والمجرمة للكيان الصهيوني، يقابلها صمت مريب من الحكومات العربية، التي صدّعت رؤوسنا كذبا وبهتانا بأنّ فلسطين قضيتها الأولى.
ولكن الواقع والتاريخ يوثّقان القول المنمّق الذي يقف عند حدود التنديد، ويغيّبان أي بادرة للفعل وتغيير الواقع، أو بالأحرى تصحيح التاريخ.
وهو عجز مفضوح وفي أكمل صوره وأظهرها، ولا تجد الحكومات العربية من مبرّر سوى انغماسها في قضاياها الداخلية، وهو تبرير طالما تردّد في الأعوام الأخيرة، خاصة بعد التحوّلات الثورية التي شهدتها المنطقة، وانطلقت ذات شتاء تونسي سنة 2011، وكأنّها بذلك حكومات ديمقراطية تبحث عن حلول لقضايا شعوبها وسرعان ما ستتفرّغ للقضية الفلسطينية. لقد تنبّأ نجيب عازوري في مطلع القرن العشرين بطبيعة الصراع المقبل بين المشروع العربي والمشروع الصهيوني، الذي سيمتدّ طويلا إلى أن يحسم لصالح أحدهما، عندما كتب سنة 1905 عن يقظة الأمّة العربية، وكان كتابه بمثابة الفهم الدقيق الذي حمل في طيّاته بعدا استشرافيا لا مثيل له، استوعب صاحبه معطيات تنظير مؤسّسي الكيان الصهيوني وأهمّهم ثيودورهرتزل، الذي سطّر مشروع الدولة اليهودية سنة 1897 في سياق مؤتمر بازل في سويسرا آنذاك، وهو المؤتمر المشؤوم الذي تآمر فيه المشروع المسيهودي ضدّ الإسلام والمسلمين، وخُطّط فيه عمليّا لتقسيم المنطقة وافتكاك فلسطين قبل سنوات من اتّفاق الماكرين سايكس وبيكو.
وها هو أردوغان يشرعن وجود الكيان الصهيوني، ويطبّع علاقات دولته مع اسرائيل، تلك التي لا تعترف بحدود الدول وتأبى احترامها وتواصل تعدّيها السّافر منذ زرعت كيانا وظيفيّا في أرض ليست لها، افتكّت غصبا تحت شعار كاذب «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض».
وإلى الآن مازال قادتها يتمثّلون قول بن غوريون، عندما سئل عن حدود اسرائيل التي لم تحدّد فأجاب قائلا، إن الجيش الاسرائيلي هو أفضل مفسّر للتوراة، فحيثما توقّف الجيش الاسرائيلي فثمّة حدود اسرائيل.
يسقط القناع حينئذ على من صدّع رؤوسنا بسفينة «مرمرة» ويظهر الوجه الحقيقي لمشروع الإسلام السياسي الذي التفّ حوله من التفّ، وأتساءل فعلا هذه الأيام أين هم أصحاب أردوغان الذين اعتبروه ملهما وقياديّا محنّكا ونموذجا يقتدى.
تلك طبيعة المصالح ولا مكان فيها للقضايا الإنسانية، فهؤلاء ليسوا تشي غيفارا أو سيمون بوليفار أو تشافيز، تلك الشخصيات الثورية الحقيقية التي تنتصر لقضايا الشعوب المضطهدة ولا تساوم أو تناور نفاقا من بعد ضجيج حمائي دعائي. إنّما هذه خصال الذين تسمع لهم قعقعة وكلاما حماسيا يهدف للتعبئة الانتخابية، وسرعان ما تنفكّ أنساج مناوراتهم أمام الرأي العام الدولي.
تتمظهر كلّ التحوّلات الجيوسياسية اليوم في الوقت الذي أصبحت فيه بلاغة الجامعة العربية بمثابة النكتة السّمجة والمزعجة، وهي التي اكتفت بالفرجة أثناء الغزو الاسرائيلي لغزة لثلاث مرّات متتالية، خلال خمس سنوات. ولعلّ منح أردوغان صكوك الغفران لإسرائيل، وتطبيعه العلني لعلاقات بلده مع الكيان الصهيوني فيه من الجرأة ما فيه مقارنة ببعض الدول العربية التي تتعامل مع اسرائيل في الخفاء بشكل جدّي وكامل مخافة أن يمشي عارها عاريا أمام شعوبها.
وندرك اليوم أنّه لا يمكن لأمّة منقسمة ومتصارعة، انتعش فيها التطرّف السياسي والعقدي، وتضاعف لديها مزيج المشاكل الداخلية والتحدّيات الخارجية على المستويين الاقليمي والدولي، أن تحمل لشعوبها آمالا بمستقبل أفضل، أو أن تقدّم شيئا يذكر للقضية الفلسطينية، التي كانت ستصفّى نهائيّا، شعبا وأرضا وتاريخا، لولا مشروع المقاومة الذي واجه اسرائيل بقوّة ومازال يعدُّ العدّة لها في كل حين.
تبقى فلسطين في المخيال الجمعي للجماهير العربية قضية الأمّة والبوصلة الحقيقية ومعركة الحق، وهي تنتظر من الأمة العربية والاسلامية دورا قويا يتجاوز الموقف المخجل أو المؤجل وتتخلّى فيه عن منطق الاستنكار والتنديد والشّجب، خاصة بعد عبث نتنياهو بمبادرة السلام العربية التي تجاهل بنودها تماما وأملى فوق ذلك شروطه الخاصة التي تقضي بتطبيع الدول العربية علاقاتها مع اسرائيل وانهاء فكرة اعتبارها عدوّا .
وتواصل اسرائيل في الأثناء ارتكاب الانتهاكات الجسيمة المنافية لقيم الأديان السماوية والوضعية في التعايش والتسامح والمناقضة للمواثيق والقوانين الدولية، في الوقت الذي يتوقّع فيه المواطن العربي القرار الصّادر عن جامعة الدول العربية قبل إعلانه في الجلسة الختامية نتيجة اكتفاء أعضائها باستنكار الجرائم الصهيونية طوال السنوات الماضية. ويزداد الموقف تخاذلا عندما تكتفي منظمة التعاون الاسلامي بجعل القدس عنوانا لمؤتمرها بحثا عن قاسم مشترك بين المسلمين لا غير .
إنّ الرهان الحقيقي اليوم يكمن في قدرة الدول العربية والمسلمة أن تتخلّى عن وظيفتها المقتصرة على التبليغ بالانتهاكات التي تتعرّض لها فلسطين أرضا وشعبا ومقدّسات، إلى المنظمة الأممية أو لمنظمات حقوق الإنسان التي لا تفعل شيئا حيال ذلك، وأن تدرك أنّ مثل هذه المنظمات الدولية هي التي أمّنت تاريخيّا غطاء من الشرعية الدولية للمشروع الصهيوني.
وعلى كل فهذا بلاغ للناس ولينذروا به حتى يُولوا هذه المسألة حقّها من الانتباه والجدّية في القول والكتابة فكرا وسياسة، فمثل هذه الممارسات التي تُترجم جيوسياسيا لا يمكن مواجهتها بالضجيج وحده.
٭ كاتب تونسي
لطفي العبيدي