فلسطين بعيون مصرية… من الأمن القومي إلى أزقة الإعلام

■ تعرضت صورة الفرد الفلسطيني إلى تشويه ممنهج في وسائل الإعلام المصرية، وكان من الحلول السهلة أن تضاف فلسطين ضمن ترسانة المبررات التي تفسر تراجع الوضع الاقتصادي والأمني.
وجرت شيطنة حركة حماس بصورة متواصلة، مع إن إمكانية حماس متواضعة للغاية، بحيث لا تصلح لموقع خصومة دولة إقليمية كبرى ومؤثرة مثل مصر، ولم يكن جملة من الإعلاميين يدركون أنهم يتواضعون بمكانة بلادهم بدرجة غير مسبوقة، وأن من علائم السقم والإفلاس في المخيلة أن توضع حماس المحاصرة، التي لا يتفق عليها الفلسطينيون أصلاً، ضمن قائمة أعداء مصر، والفلسطينيون أنفسهم، بمن فيهم قادة حماس لا يسرهم أن تكون القاهرة منشغلة بغزة والمخاطر المتوهمة منهم، بعد أن كانت على امتداد نصف قرن من الزمان العاصمة الأكثر أهمية وتأثيراً في المنطقة، وعلى ضفاف نيلها كان تطبخ القرارات الكبرى في القضايا العربية والإسلامية والأفريقية، وتدشن المنظمات وتعمد التحالفات مثل الأوبك ونادي السفاري.
استغلال قضية فلسطين بشكل عام كان أحد الحلول السياسية للهروب من الأسئلة الكبيرة والحرجة لدى بعض الأنظمة العربية، فالبعثيون في سوريا والعراق أدخلا فلسطين ومعركتها بوصفها الأولوية التي يمكن أن تغفر لهذه الأنظمة تقاعساً هنا وإهمالاً هناك، وفوق ذلك، أعطتهم سلطة لتكميم الأفواه التي تعلو مطالبة بالحرية والمساواة والكرامة في الوطن، بوصفها تشوش على صوت المعركة، ومصر لم تكن بعيدة عن ذلك، فالنظام الناصري أنتج القضية الفلسطينية لمصلحته، واتخذ قراراته بخصوصها وفق ما يلبي احتياجاته التي أتت متغيرة، فبينما وقفت مصر ضد منظمة التحرير الفلسطينية في انطلاقتها الأولى، فإنها أخذت توظفها بعد هزيمة يونيو 1967 لتكون ضمن أدواتها، وبعد أن كان ياسر عرفات حاضراً في مجلس الشعب المصري، بينما كان السادات يلقي خطابه الشهير مبدياً استعداده زيارة القدس، فإنه تحول في فترة قصيرة إلى إرهابي ومجرم، لتستعيده مصر من جديد بعد انفتاح أفق الحل السلمي وتلقطه بعد أوسلو لتكرس مركزية مصر في مسيرة السلام التي بدت مفتوحة في تلك المرحلة.
تحولات جذرية حدثت في المزاج المصري تجاه فلسطين، والأخطر تجاه الشعب الفلسطيني، وبدأت جولات من التراشقات الكلامية والتنابز بين الشعبين العربيين، تحمل صدمة كبيرة من قبل الفلسطينيين مقابل التجنيات التي أخذت تشيع بين الشباب المصري، خاصــة أن الذي جرى إفهامه أن فلسطين وتكلفتها على مصر سياسياً وعسكرياً أحد أســـباب الأوضاع السيئة التي عانت منها مصر وما زالت، ومجرد ترتيب الأحداث تاريخياً سيبدي جانباً كبيراً من الخطأ في هذه الأفكار والدعاوى التي تحمل الإنسان الفلسطيني ما لا يطيقه من التباس وسوء فهم.
العداء بين مصر وإسرائيل لا علاقة جذرية لفلسطين به، هو عداء يضرب بعيداً في التاريخ ويلتحف بالأضاليل التوراتية، ومشروع الوطن القومي اليهودي في فلسطين من منظور بلفور الاستعماري، كان يتقصد قطع الطريق على احتمالات إزاحة المسألة اليهودية لبريطانيا، وبجانب ذلك إبقاء دولة صديقة أو وكيلة في منطقة استراتيجية من العالم، وبما يعوق تكرار تجربة محمد علي، ويجهض أي تحرك قومي في سوريا أو العراق، ولذلك كانت اسرائيل على مرمى حجر من قناة السويس، وبطريقة تهدد الأمن القومي المصري الذي أخذ يستشعر التهديد الإسرائيلي بوصفه موجهاً إلى حد بعيد لمركزية مصر، وبالطبع لم يكن لفلسطين في حد ذاته أي دور في ترتيب مسرح المنطقة على هذه الشاكلة، ودخول مصر في حرب 1948 لم يكن قراراً من أجل فلسطين في حد ذاتها، ولكنه كان قراراً مصرياً خالصاً، يضع في اعتباره، فوق وقبل أي شيء، مصلحة مصر وشعبها.
يدلل على ذلك التدخل الإسرائيلي في حرب السويس، وهو الذي قضى عملياً على المحاولات التي كان يقودها موشيه شاريت للتقارب مع مصر وعبد الناصر شخصياً، ومع العدوان الثلاثي أصبحت اسرائيل تمارس دوراً وظيفياً صريحاً ضمن منظومة الإمبريالية العالمية، بعد أن حاولت في بداياتها أن تطرح نموذج الدولة التقدمية في المنطقة، التي لم تكن نفضت عن نفسها غبار المرحلة العثمانية بكل ما حملته من نفس إقطاعي وعنصري وتهالك إداري وتشتت سياسي، ولذلك فأصل العداء لم يكن مجرد احتلال اسرائيل لفلسطين، ولكنه الدور الذي مارسته اسرائيل لتقدم نفسها وكيلاً عن الاستعمار المباشر ونسخة متطورة عنه، وبالطبع كانت مصر في موقع المواجهة المباشرة مع اسرائيل بوصفها تزعمت في مرحلة معينة حركة التحرر العالمية، وأصبحت نموذجاً ملهماً يتواضع أمامه النموذج الثوري الكوبي أو الفيتنامي، ففي 1965 كان جيفارا يقف باهتاً بجانب الكاريزما الناصرية، التي أثارت في تلك المرحلة غضب وغيرة وحنق الصديق قبل العدو، فكان عبد الناصر يتجاوز بظله العالي كل قامات زعماء التحرر مثل، نهرو وسوكارنو، وكانت حيويته واتقاده يحرجان عرش بريجينيف في موسكو الباردة، ويمكن القول بأن ذلك كان حال القاهرة العاصمة العنيدة والمتمردة التي فرضت نفسها على خريطة التحرر العالمي، على الرغم من حمى المد الثوري في هافانا وهانوي.
أتى صيف 1967 ليشهد انهياراً كارثياً لمشروع عبد الناصر، وهي الحرب التي اندفع لها عبد الناصر، من دون أن يلتفت إلى الرمال المتحركة التي كانت تحوطه في الداخل والخارج، وعلى ذلك، فإن ضياع ما تبقى من فلسطين في حرب الأيام الستة يبقى مسؤولية مصرية تعطي طابعاً عاماً لأي سلوك يفترض أن مصر اتخذته بعد هزيمة يونيو، وحرب الاستئناف كانت التماس الأول من نوعه بين مصر وفلسطين بالمعنى الذي أصبحت فلسطين تستحوذ عليه في الذهنية النخبوية أو المخيلة الشعبية، وكان طبيعياً لرجل مثل السادات أن يخلط الحقائق ويضع العربة أمام الحصان كعادته، فأصبح السلام مع اسرائيل ممكناً، لأن الحرب كانت من أجل فلسطين، وبما أن الفلسطينيين لم يحضروا في مؤتمره الأولي بالمينا هاوس فإنه أعفى مصر من مسؤوليتها الأخلاقية تجاههم، مع أن القضية لم تكن صراعاً فلسطينياً ـ اسرائيلياً تدخلت فيه مصر، ولكنه أتى في الأساس صراعاً بين معسكرين ومشروعين كانت مصر فيه تقف دائماً على طرف النقيض مع اسرائيل، وكانت أرض الصراع هي فلسطين.
السادات أطلق منهجاً لفصل القضية الفلسطينية ومنحها هوية خاصة بعيداً عن الأمن القومي المصري، مع أن استقالة وزير خارجيته اسماعيل فهمي، بعد قراره زيارة القدس، كانت تحمل خلاصة مهمة في طبيعة العلاقة بين اسرائيل ومصر، فالسلام الذي انعقد في عجالة وبكثير من التنازلات التي أدهشت حتى الاسرائيليين أنفسهم، كان بالفعل يضر بالأمن القومي المصري، ويضر بعلاقة مصر مع الدول العربية الأخرى، ويدمر قيادتها للعالم العربي، كما تنبأ فهمي صراحة في استقالته.
تحامل الإعلام المصري على فلسطين والفلسطينيين بالتالي، يجب أن يتوقف، فلا مصر يبدأ تاريخها من يناير 2011 أو حتى يوليو 1952، ولا يمكن أن تختزل فلسطين وشعبها في فتح أو حماس، وسلوك زوارق النجاة لن يسهم في إنقاذ أحد، فالجميع برسم الغرق.

٭ كاتب أردني

سامح المحاريق

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية