إنّ محاولات الغرب جعل الإسلام غريبا عن المسيحية واليهودية تاريخيا ووثائقيا، وجعله غريبا عن الحضارة الاغريقية والرومانية قديما إنّما هو نموذج على النصب والاحتيال التاريخي، وهي المصادرة المفضوحة ضمن صراع الحضارات دفعا نحو جعل الجدل الديني طاغيا على القضايا السياسية الوطنية والقومية ومثالها القضية الفلسطينية.
وتنكشف محاولات المسيحية استرضاء اليهودية بتشكيل جبهة مناهضة للإسلام تكفيرا عن أخطاء النازية والهولوكوست، ولذلك بحثت عن صياغة جديدة للتحالف الهجين المسيهودي وأوجدت لذلك عددا من المفكّرين والكُتّاب من اليمين المسيحي الأمريكي واليمين اليهودي الإسرائيلي لتوفير غطاء نظري تضليلي يُقدّم الإسلام كعدوّ للمسيهودية التاريخية. وهو ما زاد من تعقيد حال الفلسطينيين والقضية الفلسطينية عموما، وتتالت محاولات استهداف الأقصى، وهي أفعال متكرّرة تاريخيا للمساس بمقدّس من أبرز المقدسات الإسلامية وبالتالي المساس بالعقيدة الدينية الإسلامية، وهي خطوات تمهيدية لمعتقد قديم وفق منطق العهدين القديم والجديد يقضي بهدم الأقصى ثمّ إقامة هيكل سليمان المزعوم كمقدّمة ضرورية لظهور السيد المسيح عليه السلام لتبدأ بعد ذلك ما تسمّى لديهم بالألفية السعيدة التي يخوض فيها معركة «هرمجدون» ضد الأشرار وهم المسلمون حسب هذه العقيدة الصهيونية المسيحية.
يحدث ذلك في الوقت الذي تحتلّ فيه الوثنية والجاهلية موقعا سلبيا في ضميرنا الدّيني، والمتأمّل في طبيعة الوقائع يدرك أنّ الاختلاف والافتراق إلى الملل والنحل يزيد من تأزيم الحال العربية والإسلامية، فالجميع ينسب إلى نفسه الحق والحقيقة وهو المُدرك الوحيد لفلسفة النجاة.
إنّها حالة البؤس الحقيقية التي عليها الفكر الإسلامي المعاصر الذي ابتعد كثيرا عن حيوية الحقبة الكلاسيكية واستمداداتها الجدلية العقلية عندما انفتح المسلمون على الفكر الأوروبي في العصر العباسي تحديدا وكانوا على مستوى من العافية الفكرية والعقدية والمنهجية بحيث تقبّلوا تلك المعارف الوافدة وتمثّلوها جيدا ثمّ ميّزوا ما ينفعهم منها ممّا لا ينسجم مع فكرهم، ولم يُسلّموا للوافد الغربي بل حاولوا من طريق الفهم الذي امتلكوه في النظر إلى الموجودات ورتبها وأسبابها في عالم الوجود المزاوجة بين ما هو شرعي وما هو حكمي وفي حدود نطاق البيّنة الدينية ومضمون الوحي الإلهي.
وهو توجّه معرفي اُخضعت فيه المعارف الوافدة لمعايير إسلامية، وتلك بداية الوعي باختلاف أنظمة الثقافة الموروثة عن الأمم السابقة في دار الإسلام عن نظام الثقافة العربية الإسلامية. وهو ضرب من وعي المفكّر المسلم قديما بوظيفته في إصلاح حياة الإنسان في دنياه وآخرته بالتّمييز بين مطالبها وشروط بقائها المادية والمعنوية وبالسعي إلى تخليصها من مواطن الانحراف عن سبل الحق، وهو ضرب من المصالحة بين الإنسان وبين نفسه صونا لمعاني إنسانيته وبينه وبين خالقه المطلق وعيا من الإنسان بحدوده، وبينه وبين بيئته اعترافا منه بنسبيته في المكان والزمان.
يغيب مثل هذا الفهم والنظر في الفضاء العربي والإسلامي المعاصر نتيجة غياب التفكير المنهجي وتغييب معطى الحوار العقلاني التواصلي الذي حلّت محلّه لغة العنف والتناحر المذهبي والاقتتال الطائفي الذي غذّته عوامل داخلية وأخرى خارجية. وهو الفهم المساعد حينئذ على أنّ مضار مشروع الهيمنة السياسية والاقتصادية والثقافية قد مسّت بنية الفكر العربي والإسلامي وجعلته نسيجا مهزوما لا يدرك طبيعة المرحلة وحقيقة الصراع الحضاري وطموح السيطرة واستعباد الشعوب وجعلها غريبة عن أوطانها كارهة لها وصولا إلى اضعاف انتسابها لحضارتها وتمسّكها بلغتها ومن ثمّة اضطراب معطى الهوية الحضارية لديها نتيجة سياسة التنميط وضروب الاحتواء المباشر أو غير المباشر.
وهي دعوة للخروج من حالة العطالة الفكرية والتعطّب الثقافي والسياسي من موقع المراجعة والنقد والتجديد، ما يفترض حينها أن يعيد الخطاب العربي النظر في ذاته ضمن رؤية جديدة ومغايرة، لأنّ مضامين الخطابات القديمة تآكلت بفعل التغيرات الكبرى التي تدفع باتّجاه موقف نقدي مختلف يعيد صياغة المفاهيم والقيم سواء التاريخية منها أو الحديثة ضمن عالم اليوم الذي تراكمت فيه التناقضات والصدمات وتسارعت فيه مفاهيم التقدّم والتغيير.
إنّها الأحادية والتنميط، ذاك ما يبحث عنه الغرب الاستعماري في رحاب النظام العالمي الجديد بعد انهيار جدار برلين وتفكّك الاتّحاد السوفييتي إلى خمس عشرة دولة مستقلّة في كانون الأول/ديسمبر 1991، وهي حقبة تاريخية اتّسمت بعالمية التفكير وصنع الحدث، وعالمية القضايا وحقوق الإنسان وعالمية الانجازات والنجاحات والاخفاقات. وانكشفت فيها وحشية الإستعمار الجديد اقتصاديا وسياسيا وثقافيا مع تربّع الدول الصناعية الكبرى على عرش الاقتصاد العالمي مُبشّرة بعصر العولمة أحد أشكال الهيمنة الغربية المعاصرة وهو المسكوت عنه المصرّح به ضمنيا في «صدام الحضارات» لصموئيل هنتنغتون وفي «نهاية التاريخ» لفوكوياما تكرارا لمقولة الاستعمار التقليدية عند كبلنغ : «الغرب غرب والشرق شرق ولن يلتقيا». وهو اقرار استعماري إقصائي وجد امتداداته في السياق المعاصر من خلال النمذجة الليبرالية الثقافية ومساعي التنميط وسلب الهويات، وبات واضحا ضمن فضاءات العولمة الشاملة بجميع أشكالها وصيغها الاقتصادية والسياسية والإعلامية سعي السياسة الأمريكية والغربية عموما تفتيت الدول العربية والإسلامية إلى قوميات عرقية متناحرة ومتصارعة فيما بينها، ومنع العالم الإسلامي من امتلاك أيّة قوة عسكرية غير تقليدية أو إقامة تكتّلات كبرى قادرة على مواجهة خطر العولمة.
تلك سياسة واضحة الملامح في المنطقة ترى العالم من خلال مفاهيم الصراع والقوة والكتل العالمية المتنافسة، وبمعنى أدق من خلال نافذة صراع الحضارات لا حوار الحضارات أو تبادل الثقافات. وقد عبّرت عنها محاولات تجزئة المجزّأ بتفتيت العالم العربي وتقسيمه إلى دويلات وكانتونات صغيرة ومتناحرة وشرذمته بين سنة وشيعة، عرب وأكراد وبرابرة، ومسلمين وأقباط مستغلّة في ذلك الأصولية الدينية الراديكالية وصولا إلى صناعة الإرهاب وتوجيهه للقتل والتدمير والتخريب الممنهج خدمة لإسرائيل حتى تبقى الدولة الوحيدة المتماسكة والقوية في المنطقة يدعم موقعها عالم إسلامي مجزّء في باكستان والهند وماليزيا وأندونيسيا وتركيا ومصر، ومن طنجة إلى جاكرتا عموما وكلّ ذلك في سبيل مشروع الشرق الأوسط الجديد.
٭ كاتب تونسي
لطفي العبيدي