فنانو النظام السوري دعاة حرب ورقابة «الأمن اللبناني» تطال الفن

حجم الخط
2

أثار تقرير تلفزيوني بثته قناة «الغد العربي» عن ابنة الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات انتقادات شديدة وسخرية طالت خصوصاً اللهجة الفلسطينية لزهوة عرفات. لم يشفع لها أن تنطق العربية كما ينطقها أجنبي يتعلم العربية، وهي ابنة أحد أيقونات الفلسطينيين، وأنها أتقنت لغات ثلاث، وتدرس «العلوم السياسية والفلسفة»، كي تحسن الدفاع عن فلسطين، كما تعزف البيانو، اشتياقا لأبيها كما تقول، لم يشفع لها، هي الأقرب إلى سيماء الطفولة، ولا يبدو أنها استطاعت أن تختار تماماً الظروف التي عاشت في ظلها. ثم أليس هذا الشتات اللغوي جزءاً من الشتات الفلسطيني الكبير؟ إنه جزء من مأساة الفلسطينيين، ولا بد أنه يستحق التعاطف أكثر مما يستحق التهكم. لقد تسامح الفلسطينيون طويلاً مع الأب نفسه، عربيته الفصحى، إلى أخطاء سياسية كبيرة، فما بالهم لا يتسامحون مع طفلته.
لكن لا بد من القول أيضاً إن التقرير التلفزيوني جاء ضحلاً وقليل الخبرة ومليئاً بلغة أدبية إنشائية. لم يستطع حقاً أن يسلط الضوء على أكثر من عبارتين للآنسة عرفات. سمعنا صوت المراسل أكثر مما سمعنا عرفات، البنت، أو الأم. لا شك في نوايا التقرير التلفزيوني الطيبة، لكن الشك كبير بكفاءة صناعه، الجهل الذي قد يقلب التعاطف والتضامن إلى سخرية.

خديعة تستلهم الواقع

إن لم تكن الشكوك قد دارت بالفعل حول نوايا الفيلم النرويجي «طفل سوري بطل»، فلا بدّ لها أن تحوم. لماذا يريد منتجو الفيلم أن يزيّفوا شريطاً يجري بثه على الـ»يوتيوب» وقنوات التواصل الاجتماعي من دون الإشارة إلى المنتج كي يبدو فيلماً حقيقياً؟ بينما يمكن أن نجد مئات الأفلام الواقعية المبثوثة في كل مكان عن مأساة السوريين أطفالاً ونساء وعجائز، يمكنها أن تعبّر أصدق تعبير عن حال السوريين!
«طفل سوري بطل» هو فيديو يصور ولداً يتعرض لرصاص القناص، فيسقط أرضاً ليظن المشاهد أنه قد قضى، ليفاجئنا بالنهوض مرة بعد مرة كي ينقذ طفلة كانت مختفية عن الأنظار، وهو ما ينجح به بالفعل. يحظى الفيلم بملايين المشاهدات على «يوتيوب»، قبل أن يكشف عن أنه فيلم مزيف، وقبل أن يعترف فريق العمل بأنهم تقصّدوا تزييفه، كما تقصّدوا أن يبدو واقعياً تعاطفاً مع مأساة الأطفال السوريين.
مستشار حقوق الأطفال في منظمة «هيومان رايتس ووتش» قال «إذا حقق هذا الفيديو أية أهداف على المدى القصير من خلال تسليط الضوء على محنة الأطفال في الحرب، فإن هذه الأهداف قضى عليها تقويض الثقة في التقارير المحترفة، وبنشره الفيديو غير الحقيقي فإن كليفبيرغ (مخرج الفيلم) جعل من الأسهل على مجرمي الحرب أن يطعنوا في أي صور حقيقية للإساءات».
هذا التزييف يذكّر بمسرحية انشقاق سفيرة النظام السوري في باريس في وقت مبكر من الثورة، حين كانت الانشقاقات عن النظام في عزّها، وجاءت خدعة لمياء شكور عبر «فرانس24»، حيث أعلن انشقاقها، ليجري تكذيب للنبأ بعد ساعات قليلة، الأمر الذي من شأنه إلقاء الشك على الأخبار المتعلقة بالشأن السوري كلها.
المأساة السورية لا تنقصها البهارات، ما فيها من الفظائع والبطولات لا يستنفد، لنتذكر أن الثورة في سوريا بدأت بسبب اعتقال أطفال درعا، هؤلاء الذين «سوّلت» لهم أنفسهم كتابة شعارات معارضة على الحيطان، لنتذكر حمزة الخطيب، وحكاية اعتقاله وتسليمه إلى ذويه مقطّع الأوصال، إلى ضحايا مجازر الكيماوي في غوطة دمشق الغربية وفي سواها. والأهم من كل ذلك، هل كان ملايين المشاهدين حول العالم ليصدقوا الفيديو النرويجي/ الخديعة، لولا أنه مبني على أساس واقعي يتكرر منذ حوالى أربعة أعوام في سوريا؟

لبنان لم يعد بلد الحريات

منعت رقابة «الأمن العام اللبناني» الفيلم التسجيلي الإيراني «الأكثرية الصامتة تتكلم» (94 دقيقة، للمخرجة الإيرانية باني خوشندي) من العرض في مهرجان «الثقافة تقاوم» الذي ختم عروضه أمس في بيروت. الفيلم يتناول الحركة الاحتجاجية الواسعة التي تلت «انتخاب» الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد لولاية ثانية العام 2009. هذه هي صورة لبنان المشتهى لدى «الأمن العام اللبناني»، وهو غالباً ما يتعرض لمحظورات دينية أو جنسية دون السياسية، إلا حين يتعلق الأمر بإيران، وهذه بالطبع ليست المرة الأولى التي يمنع الجهاز، ومعروف أنه يقع تحت سيطرة «حزب الله»، عملاً يمس بمشاعر طهران.
«لبنان بلد الحريات» هذه ليست سوى شائعة. إنه، على حدّ تعبير مثقفين لبنانيين، تقاطع لعدد لا يحصى من المحظورات الرقابية، رقابة الطوائف والأحزاب والمصالح. إيران ليس وحدها المحظور الرقابي، من باب أولى أن يكون كل ما يمس بـ «دولة حزب الله» محظوراً أيضاً، لنتذكر «انتفاضتهم» على أحد البرامج الساخرة على «أل بي سي» حين حاولت الاقتراب والسخرية من أمينهم العام.
رقابة «حزب الله» طموحة أيضاً، إنها تحلم بالعمل خارج الحدود. كان ذلك قبل اندلاع الثورة السورية، حين راحت نشاطات الحزب الفنية والإعلامية تتمدد بقوة، وتنتج أعمالاً تلفزيونية بطواقم سورية وإشراف من «حزب الله». أنظروا مسلسلات المخرج الفلسطيني السوري باسل الخطيب، التي وفّرت كرسياً إضافياً قبالة شاشة «المونيتور»، تماماً إلى جانب المخرج، لرقيب كي يضبط ما فلت من الثياب، ومن الألسنة كذلك. هذه ما رأيته بأمّ العين في مسلسل «عائد إلى حيفا»، ما يعني أن الأمر سرى على العديد غيره.
أن ينتصر هؤلاء في حربهم الراهنة يعني أن تنتصر رقابة «الأمن العام»، هذا يقومون به في وقت شدّتهم، فماذا هم فاعلون وقت الرخاء؟!

فنانون حملة سلاح

حين يسأل المخرج السينمائي السوري جود سعيد، إثر انتهائه من تصوير فيلم الجديد «مطر حمص»، مستفيداً من مشهد الدمار في المدينة التي هجّر معظم سكانها، «هل تجد ضرورة بأن يتبنى الفنان موقفاً سياسياً؟» سيقول بوضوح «دعني أفرّق بين الفنان وبائعة الهوى، فمن يرد أن يكون الفنانون عبارة عن بائعي هوى، ويقومون بتسلية أصحاب الأموال أو المنسحبين من الحياة والقابعين في بيوتهم بعد وجبات الإفطار في رمضان، فهؤلاء بالنسبة لي لا يبنون مجتمعاً بل هم الأداة الأولى لهدم المجتمع».
هذا جزء من حديث شنّ فيه جود سعيد حرباً حتى على الفنانين المحايدين، معتبراً أن عليهم الخروج من حيادهم. هكذا تكتمل جوقة الفنانين الموالين للنظام بنداء حربي واحد، وهكذا يحسم الفنان أمره، حيث لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، ولا مكان إلا لموقف سياسي داعم للنظام. حتى تلك الصناعة الدرامية التي طالما تغنى بها السوريون يتبرأ منها سعيد بالقول «نحن نتحمل جزءاً من المسؤولية، لأن الفن الذي روّجنا له في السنوات الأخيرة كان ممولاً من الذين يموّلون الحرب على سورية، وأعتقد أن هناك كثيرا من الأمور الواضحة والمفهومة من هذا الفن، فالمال الوطني انسحب وأصبح الخارج يدفع لينشئ جيلاً لا يحمل ثقافة وطنية بل ثقافة الجهة الممولة».
إنهم يتحدثون بصوت واحد، واضح وصدّاح، منذ بيان «سينمائيي الداخل» إلى بيان نقيب الفنانين. دعاة حرب على زملائهم الفنانين والمثقفين، قبل حملة السلاح.

٭ كاتب من أسرة «القدس العربي»

راشد عيسى

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية