فيلم «أخضر يابس»: عزلة المرأة الشرقية ومحنة غياب الرجل!

حجم الخط
0

أن يكون هناك مزج بين الحالة التسجيلية والحالة الروائية الواقعية في فيلم واحد فهذا جائز فنيا، طالما سمح الموضوع المطروح بذلك، شريطة ألا تطغى الحالة التسجيلية تماما، فيفقد الفيلم جزءا من الجو الفني الخيالي الذي يميزه، ويصبح التأثير الدرامي كله قائما على الشق التسجيلي وحسب، ومن ثم يصبح هناك قصور في العملية الإبداعية يؤدي إلى عدم الانسجام، وبالتالي يخصم ذلك من القيمة الكلية على مستويات كثيرة.
في واحدة من التجارب السينمائية المتميزة، حمل فيلم «أخضر، يابس» كثيرا من سمات التداخل الفني بين الإبداع الخيالي والبعد التسجيلي للأحداث، التي صاغها السيناريست والمخرج محمد حماد من إحداثيات واقعية لشقيقتين تعيشان ظروفا اجتماعية شديدة الصعوبة، في ظل فقدان الأب والأم وانقطاع صلتهما بالأقارب، حيث تواجه الشقيقتان بمفرديهما صلف الحياة القاسية فتفقدان الثقة بكل من حولهما ويظل رهانهما على الزواج الذي تأملان في أن يخرجهما من العزلة التي باتت عنوانا لحياتهما الكئيبة، وهو رهان على الغيب يمثل أملا بعيدا ويشكل في الوقت نفسه حالة من النفور بين الشقيقة الصغرى التي باتت قاب قوسين أو أدنى من عبور الأزمة النفسية، فهي بصدد إعلان خطبتها، بينما الشقيقة الكبرى لا تزال قيد الانتظار، فهي تواجه مصيرا مجهولا وتمر سنوات عمرها في تسارع، بدون حسم لقضية مستقبلها الذي يكتنفه الغموض وتحيطه الأخطار.
مأزق إنساني وضعت فيه الحياة، الشقيقتان البائستان فهما يتوسلان العطف والدعم المعنوي من أقاربهما بدون جدوى، وليس من سبيل للخروج من أزمة العنوسة القهرية إلا بالمزيد من التحمل والقبض على جمر الاحتياج الإنساني الطبيعي لكل منهما، فأمام الأمد الطويل للانتظار يستبد اليأس بالفتاتين الفقيرتين، وتتسع الهوة بينهما، ويعطي الكاتب والمخرج دلالات كثيرة عبر حوار مقتضب وصور متكررة وإضاءة كابية وأماكن مقبضة وجدران قديمة للإنباء بالحالة التراجيدية الصعبة، فنرى محاولات كسر الحصار اليائسة من الشقيقة الكبرى بذهابها المتكرر لبعض أقاربها في التماس العون والسند منهم، ولو من الناحية الشكلية فقط لإتمام خطوبة الشقيقة الصغرى، وبالتداعي يتكرر ركوبها القطار كوسيلة انتقال مختارة للربط بين قطار السفر وقطار العمر، ووقع ذلك على البطلة التي وصلت إلى حد الانتحار بقدومها على فض بكارتها بيدها للتخلص من عذريتها كرد فعل انتقامي تعكسه الشخصية على نفسها، وهو ما يمكن أخذه على السيناريست والمخرج، كونه عمد إلى تضبيب الحياة وغالى في تصوير قتامة الواقع بشكل مجاف للمنطق، الذي يحتم أن يكون هناك بصيص أمل لدى الشقيقة الكبرى، خاصة أن المنطقة اليابسة في واقع الفتاة مجاورة للمنطقة الخضراء، التي يمثلها ابن عمها المنفصل عن زوجته والذي يرغب في الزواج منها.
لقد ساعد الأسلوب الإخراجي لمحمد حماد على التعامل مع فيلمه «أخضر يابس» بوصفة حالة سينمائية خاصة، هي أقرب إلى الفيلم التسجيلي منها إلى الفيلم الروائي الطويل، لاسيما أن الأجواء والإيقاع وطريقة أداء الممثلين تشي في مجملها بتسجيلية الحالة الدرامية، وربما دعم هذا الإحساس وجود ممثلين جدد غير محترفين، هبه علي ـ تامر أبدول ـ أسماء فوزي ـ جون إكرام، يقفون لأول مره أمام الكاميرا، غلب على أدائهم الطابع التلقيني، فبدوا كأنهم يعرضون مأساة شخصية بدون مهارات تمثيلية، تشد الخيط الرفيع بين الواقعي الفني والتسجيلي المباشر وهو ما وضح في بعض المشاهد التي سببت ارتباكا وحرجا للمتلقي، كمشهد الحمام والتركيز على نفايات الأدوات الصحية الخاصة بالفتيات بمبالغة لم يكن لها سياق موضوعي وضروري في الأحداث، اللهم غير ادعاء الجرأة للفت النظر، كذلك مشهد السلحفاة الذي تكرر أكثر من مرة، وكان يمكن اختصار معناه في ظهور عابر كإسقاط على بطء ورتابة حياة البطلتين، بدون ذلك التركيز المقزز الذي جاء زائدا عن الحد!
ومع كل التحفظات يبقى شيء مهم في الفيلم الإنساني، الذي يلفت النظر إلى واحدة من قضايا المرأة المهمة، وهي قضية العنوسة التي باتت خطرا يتهدد الأنثى فيحولها من غصن أخضر يانع إلى حطب يابس لا روح فيه ولا حياة.

٭ كاتب وناقد مصري

فيلم «أخضر يابس»: عزلة المرأة الشرقية ومحنة غياب الرجل!

كمال القاضي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية