أن يحكي الولد عن أبيه، هو تماما كأن تروي الأمم تاريخها، وهو تماما كأن يظهر التاريخ في ثوب الأسطورة أو أن تتحول الأسطورة نفسها إلى تاريخ. عند هذه النقطة وفي ختام هذه السنة أو على مشارفه يلوح لنا نمط شفيف من خلال استقراء سريع لأهم أفلام هوليوود التي عرضت، وتتبدى لنا أهمية دراسة استقرائية لأفلام هذه السنة في انتظار فيلمين من أقوى الأفلام المرتقبة، يمثلان في نظرنا تتويجا لأهم رسالتين حملتهما لنا هوليوود هذه السنة، أحدهما سرد تاريخي ينتظم في سلك الأفلام التي سبقته مثل فيلم «Noah» و»Son OF God» وفيلمي «Hercules» وتتمة حكاية جند ليونايديس الثلاثمئة وحربهم مع داريوس على شواطئ أثينا، هو فيلم المخرج «ريدلي سكوت» Exodus ، وفيلم آخر يمثل في ما يمثل خطة ترويج بديعة لنظريات العلم الحديثة وأهمها نظرية التطور وينتظم في سلك ما سبقه من أفلام مثل Lucy و Noah و Divergent، هو فيلم «كريستوفر نولان» Interstellar.
وكما نرى فان هذين الفيلمين المرتقبين لمخرجين كل منهما من أشهر وأقوى من عرفت السينما المعاصرة، كل في مجاله الذي يبرع فيه إن كان تاريخيا مع مخرج Gladiator أو علميا فلسفيا مع مخرجinception . ولهذا النمط قصة أخرى لعلنا نفرد لها مقالا في القريب.
وما يهمنا هنا واحد من الأفلام الكثيرة في هذه السنة التي تهدف إلى توظيف الشخصيات الأسطورية وتعيد سرد قصتها ومعالجتها وتحميلها بشحنات دلالية على المستوى السياسي والتاريخي هو فيلم Dracula، وهذا التوجه يمكن فهمه بالنظر إلى الثورة الغرافيكية الهائلة في مجال المحاكاة التي ظهرت بوضوح في أفلام الأبطال الخارقين الجديدة، وهو في نظرنا كما قلنا في مقالات سابقة إعادة توظيف للرموز كحاملات أفكار أو كنماذج نسقية مشبعة برسائل تناسب اللحظة الراهنة التي تتحالف فيها قوة الصورة مع قوة الدبابة. وعلى الرغم من النقد اللاذع الذي مني به هذا الفيلم من حيث إخراجه لشخصية دراكولا الشرير مصاص الدماء، من ثوبه الشرير ليلبسه ثوب الخيرية والنزاهة وإن في صورة وحش، إلا أنه وحش ذو أهداف نبيلة، وشيطان مضطر، ومصاص دماء يحقن الدماء، على الرغم من هذه الاعتراضات إلا أننا نلمح هذا التغيير كتوجه عام أو مسعى حثيث سبقه إليه فيلم Frankenstein و فيلم Godzilla، فكأن الحاجة تستدعي الربط بين النبل الذي يتسم به الأبطال الخيرون ذوو الأهداف النبيلة بالتوحش والدموية، وكأنه تقديم لشرهم على أنه أهون الشرين أو أخف الضررين، ولعل هذه الرسالة واضحة وضوحا تاما في قول الولد راويا عن أبيه: «نحن نحتاج في بعض الأحيان إلى وحش لا إلى بطل» أو ما قاله «فلاد» مبررا تحالفه مع الشيطان: «الناس لا يخافون السيوف بل يخافون الوحوش». وكأننا نسمع من بعيد صوت برتراند راسل داعية السلام والفيلسوف الشهير وهو يحث أمريكا على ضرب الاتحاد السوفييتي بالقنبلة النووية لئلا يمتلكها.
ولا نبالغ إن قلنا ان هوليوود في صورتها التي ذكرناها سابقا تمثل «نبوة العالم الجديدة» فالمعجزات لا شك تتحقق في فضائها ببراعتها الغرافيكية الهائلة، فطوفان نوح وسفينته وانشقاق البحر وبركان بومباي كلها أمام الأعين حقائق لا تفرق بينها وبين الوقائع الحقيقية، ويعاد بالمثل سرد قصص الأمم السابقة على النحو الذي يريده صانعوها، بل وتستشرف هذه النبوة الجديدة ما سيحصل في المستقبل بسلاح القصة وبسحر الغرافيك.
يروي التاريخ قصة «فلاد دراكولا» وهي قصة حقيقية لوريث عرش «ولاشيا» (رومانيا حاليا) في ما بين 1458-1477 والعدو اللدود للعثمانيين المشهور بوحشيته ودمويته الذي تربى في جزء من حياته في بلاط الدولة العلية رهينة هو وأخوه، وقد عاصر هذا الرجل المتوحش محمد الفاتح، ودوخ أوروبا وبلاد البلقان سائرا من قرية إلى قرية يتتبع الأتراك وحلفاءهم ليقتل ما يقارب مئة ألف أغلبهم على الخوازيق، ويذكر التاريخ مدى فظاعة أساليبه في التعذيب والقتل، لأجل هذا استحق هذا الرجل أن يلبس لبوس الوحوش الأسطورية واستحق اسمه أن يتحول إلى رمز لزعيم مصاصي الدماء بكل ما تعني هذه الكلمة من سادية ودموية. و من موقعه كمدافع عن حصون المسيحية في البلقان عد البابوات هذا المتوحش بطلا مدافعا عن أوروبا ضد الزحف الإسلامي العثماني، لكن صورته السادية المرعبة طغت على مآثره وموقعه التاريخي هذا.
وسنجد نحن أن هذا الفيلم الأخير هو محاولة لإعادة سرد القصة ولترجيح كفة البطولة على السادية، ولتبرير قبح الوسائل بصحة المقاصد، ولذا فسنجد حقول الخوازيق التي أعدها دراكولا من جثث الأتراك مرفوعة على الخشب، وسنجده نفسه يخوزق رجلا لكن هذه المرة هي خوزقة البطل لأعدائه لا خوزقة الوحش الكاسر لضحاياه مدفوعا بدمويته وساديته.
وسيتحول ما قيل عنه في التاريخ بل وما ذكره هو نفسه متفاخرا في وثائق تاريخية يصف فيها ما يفعله بضحاياه من أنه يقتل الأطفال ويطعمهم لأمهاتهم، ويتغذى هو على لحوم أعدائه بعد أن يشويها، سيتحول كل هذا إلى هراء ليقدم لنا صورة أب حان على ولده رافض لأخذ العثمانيين ألفا من الصبية مجندين في جيش الانكشارية. وستنقلب حادثة «خوزقته» لحمزة باي القائد التركي وسط حقل من آلاف الخوازيق حوله إلى مشهد دفاعي يقتل فيه القائد التركي بسيف البطل المدافع عن عائلته وقومه.
هذا القلب للتاريخ وتحويل التاريخ إلى أسطورة لا وجود لها وتقديمها على أنها تاريخ، له هدف واضح ومحدد وفكرة محورية تدور حولها عناصر الفيلم كلها، إنها محاولة لتبرير كل الممارسات الوحشية والدموية وحروب الإبادات في العالم القديم والجديد وتحويلها إلى قصص تضحية ووفاء وبطولة، محاولة لتبرير تحالف الغرب في مرحلة من حياته مع الشيطان في سبيل القضاء على أعدائه، فليس خافيا على أحد أن عهد الكشوف الجغرافية وما تلاه من إبادات للهنود الحمر واستعباد للأفارقة كان في وجه من وجوهه محاولة لكسر الهيمنة العثمانية على العالم القديم، وإعدادا لحرب طاحنة يستولي فيها الغرب على العالم ويمتص خيراته كما يمتص دراكولا دماء ضحاياه. فكان الحلف مع الشيطان إذن حركة اضطرارية ألجئ إليها الغرب لصد توسع الشرق وتوغله.
ولا يفوتنا في الفيلم إيحاء بكون دراكولا عابرا للعصور في المشهد الختامي له في أمريكا «العالم الجديد» بعد قرون، وإذن فهو ظاهرة تتجدد كلما لاحت ضرورة لوجودها، فخلود دراكولا عبر العصور سببه امتصاصه لدماء ضحاياه (وهو كما نرى رمزية للاستعمار في معناه الحقيقي من امتصاص خيرات الشعوب)، وهو متأهب ليبدأ اللعبة مرة أخرى بعد أن قضى على العثمانيين (القتل الرمزي لهم كان في قتله لمحمد الفاتح في الفيلم) أن يقضي على امتداداتهم عبر العصور، لتبدأ اللعبة مرة أخرى وليحصل الحلف مع الشيطان في كل عصر وفي كل زمان.
يبقى سؤال أخير يحق لنا نحن ان نسأله، ونحن نرى الغرب نفسه يتزعم حملة إعلامية واسعة يتبعها، كما نرى تحالفه الدولي على المنطقة ضد تنظيم الدولة، مبررا كل ذلك بوحشية هذا التنظيم ودمويته مخوفا منه داعيا إلى حربه.. سؤالنا بحسب ما جاء به الفيلم: هل أظلنا زمان دراكولا.. وهل ستبدأ اللعبة من جديد؟
٭ ناقد مغربي
سعيد أبو زينة