فيلم «فوتو كوبي»… الفقد والاغتراب في المجتمع المصري

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي» من كمال القاضي: في دوامة الحياة وغمرة الانشغال اليومي بالتفاصيل الكثيرة المرهقة، تتباعد المسافة بين الإنسان والإنسان، وتزداد الهوة بين الأجيال ويغترب المسنون في الأجواء الصاخبة، بعد أن يتجاوزهم الإيقاع العام للمجتمعات المستحدثة، وطفرات التطور الشكلي والموضوعي، فتفرض عليهم العزلة ويفقدون القدرة على التكيف، حيث لا يمكنهم مواكبة ما يطرأ من تغير واضح في السلوك والفكر والنمط الاجتماعي البراغماتي القاسي.
هذه الإشكالية ناقشتها السينما المصرية في كثير من الأفلام، فهي ليست ثيمه جديدة تماماً، ولكن يطرحها الكاتب والسيناريست هيثم دبور، بشكل مختلف في فيلم «فوتو كوبي» للمخرج تامر العشري، إذ تقوم المعالجة على البساطة المتناهية في رصد المتناقضات والعلاقة الضدية بين المجتمع الراهن والبطلين الرئيسيين، محمود حميدة وشيرين رضا، وهما نموذجان لحالات كثيرة تعاني الوحدة والفقد والمرض، فالأول رجل وحيد أحيل إلى التقاعد بعد انتهاء مدة خدمته في إحدى المؤسسات الصحافية الحكومية الكبرى، كمسؤول عن جمع المادة الصحافية على الكمبيوتر، بعد قيام المحررين بكتابتها على الورق، في وقت سابق لعصر التكنولوجيا وتعاطي الصحافيين معها. أما الثانية فهي امرأة مسنة تعيش محنة مزدوجة، ما بين مقاومة المرض والعلاج الكيميائي، والوحدة القاسية التي سجنت فيها بعد سفر أبنائها للخارج واستقلالهم عنها، وهنا يبرز الكاتب الارتباط الشرطي بين الطرفين فيجعل الوحدة عاملاً مشتركاً بينهما، وعلى أثر ذلك يحدث التقارب التدريجي بفعل المتشابهات والظروف، ولأن المعاناة ترقق القلوب عادة، فقد اتسمت الشخصيتان بالسماحة فكان طبيعياً أن يحدث الانسجام بعد اللقاءات المتكررة، التي لعبت فيه ظروف الجوار دوراً رئيساً، إضافة إلى أن كلا الطرفين لديه استعداد للتجاوب ويرغب في الاحتماء بالآخر.
ويتعمد كاتب السيناريو أن يقلل من تأثير السن كمعوق لنشوء علاقة حميمة بين «عم محمود» صاحب محل تصوير الأوراق، و«مدام صفية» السيدة المريضة، مرتكناً إلى المفهوم الإنساني البحت الذي يجمع شتات الشخصيتين بدون مبررات تقليدية، كالشكل والرغبة والثروة وغيرها، فهو يحاول التأكيد على البعد الأكثر ضماناً في المرحلة العمرية المتقدمة، متمثلاً في العمق الإنساني، ولهذا رأى الكاتب أن يجرد الشخصيتين من النوازع المادية، كي يصبح التلاقي منطقياً، إذ لا حاجة لكل منهما غير الدفء وهو ما ركز علية المخرج تامر العشري، وعبّر عنه في مشاهد كانت غنية عن أي تفسير، مثل احتفاء البطلة بالقطة التي اقتحمت عليها عزلتها وخففت من وطأة وحدتها وقسوتها، وأيضاً ارتباطها الشديد بالطبيبة الصيدلانية «عايدة الكاشف» التي اعتادت أن تعطيها حقنة السكر وتتابع صحتها وتؤنس وحدتها، وكذلك ارتبط البطل بالشاب النيجيري الأسمر فتحول من زبون للمحل إلى شبة صديق، ولم يفت المخرج أن يفعّل من دور الوجه الجديد أحمد داش على نحو كوميدي، لكسر رتابة الأحداث والتخفيف من الميلودراما المفروضة بحكم الجو العام للفيلم، وهي مساحة وفيرة استغلها الممثل الشاب استغلالاً حسناً وأدى من خلالها دورة كولد شقي يعمل بائعاً لأنابيب البوتاجاز بشكل غاية في التمكن.
وفي محاولة لتمييز المعاني بضدها، جاء دور الممثل بيومي فؤاد، الذي جسد شخصية صاحب العمارة والمالك الفعلي لمحل التصوير داعماً للأحداث، ومدللاً على مادية المجتمع وقسوته على الضعفاء وأصحاب الحاجة، وهو المعنى الكلي المستخلص من كافة التفاصيل التي كتبت بعناية واستخدمها المخرج لتكون مواطن تأثير قوية في الحالة الدرامية الاجتماعية والإنسانية، التي بدت في أولها كأنها مرثية شديدة الوقع، وانتهت نهاية سعيدة بزواج البطلين في تحد لكل أشكال العجز والقعود والتلاشي، ليبقى المعنى الأهم للحياة مقروناً بالإصرار والتفاؤل والرغبة في أن نعيش شبابنا وشيخوختنا مدعومين بالأمل والحيوية.

فيلم «فوتو كوبي»… الفقد والاغتراب في المجتمع المصري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية