في أحكام القيمة وتفاوتها

جاء في مقال صديقنا الكاتب المرموق أمير تاج السر «نصف نجمة لموراكامي»، المنشور في «القدس العربي» (28 يناير/كانون الثاني 2017) تعقيبا على رأي قارئة، أنّ هناك تناقضا تقييميّا للكتب، ليس هو الأوّل الذي صادفه، في سعيه لتقييم الكتب أو معرفة تقييمها، من قرّاء طالعوها أو لم يطالعوها.
والحقّ أنّ هذا التناقض ممّا يستوقف غير واحد منّا، سواء تعلّق بالشعر أو بالرواية. على أنّي تخيّرت في هذه الفسحة أن أبحث ولو بإيجاز مخلّ، في هذا التناقض، من منظور أحكام القيمة، كلّما تعلّق الأمر بشعرنا الحديث، وربّما عدت إلى الرواية، في مقال آخر. يتكشّف النّصّ الشّعري عند المعاصرين من شعراء العربيّة ـــ ولعلّ هذا هو القاسم المشترك بين أكثرهم ـــ عن منزعين يتحكّمان في انتحاء الذّات إلى الكلام (الشفوي) وإلى الكلمة (الكتابي) معا. وهو أمر ليس بالمستغرب في هذا النصّ الحديث الذي لم يقطع صلته بالعربيّة الفصحى، كما تدلّ على ذلك لغة هؤلاء، منذ أن برح الشعر العربي مداراته المألوفة في الثلث الأوّل من القرن الماضي، على الرغم من التّطوّر اللاّفت في العربيّة معجما وسجلاّ. و»شفهيّة» الشعر القديم، لم تكن خالصة، ولا هو كان يجري على السّجيّة المحض أو على الطّبع المبرّأ من مراسم الصّنعة والكتابة، بل ربّما كان على شفا النّقيض من ذلك، إذ يستعير، بحكم إنشاده في جمهرة من الناس حِيَلَهُ (بالمعنى الأسلوبيّ واللّعبي للكلمة) من سنن ومراسم ثقافيّة وخطابيّة، وينهض على خطّة محكمة في بناء القصيدة وأفانين التّخلّص فيها من مقدّمة إلى غرض أو من موضوع إلى موضوع. وللعقل الواعي أثر مذكور واضح في خلقه، وهو النّص الذي يعتمد إلى حدّ كبير على تخيّر لغته وتدبّرها وإحكام تنسيقها.
إذا كان النّصّ الشعري الحديث يراوح بين الكلام حينا والكلمة آنا، فمرّد ذلك في تقديرنا إلى ظاهرتين تتحكّمان فيه : ظاهرة الشفهيّة الرّاجعة في جانب منها إلى النّصّ القديم وإلى الإيقاع الوزنيّ والإنشاد تحديدا من جهة، وظاهرة الكتابة من حيث هي أداء نوعيّ محكوم بقوانينه الخاصّة، من جهة أخرى. ولا يخفى أن أكثر شعرائنا يكتبون وينشدون. والإنشاد ظاهرة لم تنقطع في تاريخ الشعر. وهي منشدّة إلى فضاء يتعزّز بهذه الوسائط (الأجهزة الصوتيّة والفضائيّات والإنترنت والفيديوهات) وعلى الرغم من أنّ المصطلح الأدقّ هو «الإنشاد»، فإنّ أكثرنا يستخدم مصطلح «الإلقاء»، وهو في ثقافة اليوم، أوفر حياة؛ ولكنّه ليس أوفَى دلالة. والإلقاء لا يعني أكثر من إبلاغ القول أو إملائه، أو الإصغاء. فليس بالمستغرب أن يجد الشعراء ضالّتهم في حوامل صوتيّة إيقاعيّة تتيح للكلمة أن تستعيد أجراسها وأصواتها التي طوت عليها الكتابة؛ وكأنّ الكلمة مكتوبة محاكاة للكلمة منطوقة. وهذه طريقة من بين طرائق أخرى تجريها الكتابة لـ»تشفيه» خطابها، وجعله قابلا للإنشاد أو لأداء تخاطب أبعد أثرا في المتقبّل وأشّد تأثيرا.
وإذا كان النّصّ القديم «قابلا للكتابة» ـ حتّى لو كان صاحبه جاهلا بالكتابة والخطّ؛ فإنّ النصّ الحديث «قابل للمشافهة» على معرفة صاحبه بهما، وليس أدلّ على ذلك من هذه الحوامل الصّوتيّة المكثّفة فيه (محمود درويش خاصّة). ومن المفارقة أن تكون أمارة على شفهيّته على قدر ما هي أمارة على «كتابيّته». وفي هذا المستوى يمكن القول إنّ الخطاب «ذاتانيّ» أساسه خبرة ذاتيّة باللّغة أو معرفة تصدر عن عارف منفعل بالمعروف انفعالا ذاتيّا. وقد ينمّ هذا الخطاب على وعي بقصور»المكتوب» أو بعدم كفايته، فينزع صاحبه إلى استجلاب خصائص الشّفهيّ أو إلى محاكاتها. ومن ثمّ يتأدّى الخطاب في سجلاّت لغويّة مختلفة أو متباينة.
هذا المزيح من المكتوب والشّفهيّ ومن «اللّغة العليا» و»اللّغة المحكية» أو من «الفصيح» و»العامّي» ومن «المأنوس» و»الغريب» يفضي إلى لغة «نوعيّة «ذات إيقاع خاصّ قادحه تفاعل بين كلمات مختلفة أصلا وطبيعة وعلائق حواريّة بين خطابين متجاذبين متدافعين، ولكن يغني كلّ منهما الآخر. ولعلّ هذا التّجميع وهو أقرب ما يكون إلى «تهجين» لغويّ هو الذي يجعل الخطاب الشّعريّ مثار جدل وخلاف، خاصّة أنّه سمة مفارقة فيه وأمارة على تفاوت إنشائيّته؛ بسبب من مؤثّرات شتّى، قد تكون أجنبيّة (إنكليزيّة وفرنسيّة خاصّة). ولكن من اللاّفت أنّ هذا «التّهجين» هو الذي ينتج تفاوت الإنشائيّة في النّص الواحد، ويصطنع له إيقاعه الخاصّ في آن. ومن ثمّ «يسهّل» استخراج خصائص الخطاب لغة وإيقاعا. ولعلّ في هذا ما يسوّغ القول بأنّ الخطاب الشّعريّ الحديث، خطاب قلق لا يكاد يجري على وتيرة حتّى يحرفها إلى أخرى. ومردّ قلقه إلى هذه الكتابة التي تتناءى عن «المشترك» اللـّغويّ أو «العاميّ على قدر ما تتدانى منه، وتلحقه بالنصّ وتدمجه فيه وهي تجترّه دونما انقطاع، وتضعه في مواضع متنوّعة جدّا، إذ لا يختصّ به موضوع دون موضوع. ولكنّها «تطعّمه» في الآن نفسه بالغريب اللـّغوي أو الفصيح المهجور أو المصطلح العلميّ أو الرّوسم المستعار من الشّفوي (المثل السّائر أو القول المأثور). بل لعلـّها أن تصطنع رواسمها الخاصّة كلّما تعلّق الأمر بإعادة استعمال كلمات وصيغ وتراكيب بعينها أو بإطلاقها «رواسم» في فضاء الذاكرة النصيّة، حتّى تبتعثها وتحمّلها ثانية سلطة جديدة.
شعرنا اليوم وهو مجْلى ثقافتنا في جوانب غير يسيرة منها، منشدّ إلى علائق لغويّة تضاديّة لا يمكن إلاّ أن يكون لها أثرها في بناء القصيدة وإيقاعها وصورها، وفي اختلاف مواقف القرّاء منها. فمن السّائغ أن تذهب طائفة إلى أنّ استجلاب الكلام المحكـيّ أو العاميّ المبتذل، ينتزع من الخطاب المكتوب مزاياه الفنيّة، بسبب ما استقرّ في الأذهان من «شرافة» العربيّة أو «قدسيّتها» وما يمكن أن يدلّ عليه ذلك من جماليّة مخصوصة هي جماليّة الكلمة المفردة التي ينبغي أن تقع من الكلام موقعها، فلا تنبو ولا تشوبها شائبة من لحن أو عُجْمة حتّى لا يمجّها السّمع ولا يلفظها اللـّسان.
شعرنا اليوم لا يستثني بعضه ألفاظ العوامّ «المبتذلة» في صناعة الشّعر عادة، بما فيها الألفاظ التي تختصّ بها بعض المهن والعلوم، أو تلك المستجلبة من معجم كلاميّ أو فلسفيّ أو علميّ، المخصوصة بمعان موضوعة لها؛ فهي عند المعاصرين من الشعراء المتمكّنين بموادّ شعرهم، لا تفقد دلالتها ولا تخلّ بالانسجام اللـّغويّ، إذ تُنقل إلى سياق الشّعر. ولعلّ في هذا ما يؤكّد أنّ اللغة الشّعريّة، تقع في أفق أعمّ ممّا يأخذ به أنصار التقليد منّا. يتعلّق الأمر إذن باستبدال السّياق، وهو ضرب من المسخ، ينسخ تأثير الكلمة ويسلبها قوّتها الإيحائيّة ودلالتها الوجدانيّة أو الانفعاليّة، مثلما يمكن أن يغنيها؛ إذ تزيح كلمة ما كلمة أخرى، أو هي تعود عليها، فيكون لوقع كليهما في السّياق أثر متبادل. والأمر أشبه ما يكون بنوع من «عدوى» الكلمات، أو «عدوى» الآخر أي هذا الشعر الأجنبي الذي يلابس تجارب غير قليلة من مدوّنتنا الشعريّة. هذه العلائق اللـّغويّة التّضاديّة في شعرنا، هي التي تجعل أحكام القيمة تتفاوت من قارئ إلى آخر، وتضطرب وتتناقض. وربّما لا مسوّغ لذلك إلاّ الكتابة الحديثة، فهي التي جعلت الكلمة تنتقل إلى فعل تعبيريّ وتندمج برغبة الإنسان وانفعالاته؛ وتتحوّل من ذاكرة إلى كتابة، ومن متخيّل تصوّريّ إلى متخيّل إبداعي؛ أو بعبارة أدقّ من كتابة «غير مرئيّة» متحرّرة من كلّ جسمانيّة كما هو الشّأن في الشّعر الجاهليّ وفي نصّ الوحي (لا المصحف)، إلى كتابة مرئيّة قد يكون أساسها تصوّرا مختلفا للنّظر جعل من العين شبه معدّل خطيّ للمرئيّ يجسّ الأشياء ويضبط قياسها. والكتابة، من هذا المنظور، أعمق من أن تختزل في التعبير عن اللـّغة أو في محاكاتها، وهي التي خلقت فضاء مرئيّا هو غير فضاء الكلام الشّفويّ، وزاوجت بين عالم الكلمة وعالم النّظر، على الرغم من أنّهما غريبان الواحد عن الآخر، ولكنّهما متواطئان كأشدّ ما يكون التّواطؤ.
وعلى أساس من هذا التحوّل، أخذت الصّورة الشّعريّة في شعرنا، على نحو ما كان الأمر عند المحدثين، منعطفا خاصّا تقوّضت فيه الحدود والفواصل بين الأشياء وماهياتها، وتصرّمت العلاقة بين الشّيء والاسم، وصارت، وهي المأسورة في النّـظر، عمل العقل وضربا من اليقين الذاتيّ لا رابط له بالواقع المحسوس الماثل للعيان. ولعلّ استعمال الصّورة على هذا النّحو أن يبين حقـّا عن معنى التّسمية في الشّعر الذي نحن به: فهي تدخّل الذّات اللـّغويّ في العالم وطريقتها الخاصّة في إدراكه. ولعلّها بذلك أن تجعل من العلاقة بين نظريّة اللـّغة ونظريّة الدّلالة علاقة أوضح وأجلى، وتجعل أحكام القيمة تختلف وتضطرب.

٭ كاتب تونسي

في أحكام القيمة وتفاوتها

منصف الوهايبي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية