في أدب الاستشراف: الأصولي في الرواية العربيّة

يعرف المشتغلون بالأدب ونظريّاته، أنّه وقع التخلّي منذ الأربعينيات من القرن الماضي عن تاريخ الأدب؛ لأنّ كتابة هذا التاريخ والبحث في ما هو مشترك بين النصوص، من شأنها أن تفضي إلى طمس التفرّد الذي يفترض أن يكون سمة العمل الأدبي، بل التخلّي عن النصّ نفسه.
ولرولان بارت مقالة معروفة «تاريخ أم أدب» (1963) تبيّن أنّ الأدب استثناء، فيما النصّ «لانهائيّ»، وأنّ العالم والأدب غير قابلين لأيّ مقايسة؛ فالعالم يتميّز بتداخل أحداثه وتشابكها، سياسة واقتصادا واجتماعا وأيديولوجيا، في حين يتّسم الأدب بالازدواجيّة، بحكم أنّه مشرع أبدا على تعدّد التأويلات في الوقت نفسه. وربّما كانت هناك إشارات متبادلة بين هذين العالمين أو «القارّتين» بعبارة بارت، إلاّ أنّ جغرافيّتهما لا تتطابقان. والعقبة كما يقول جغرافيّة مردّها إلى الزمن في عالم الأدب، حيث الأشكال لا تتغيّر بالإيقاع نفسه؛ إذ لها زمن آخر أو خاصّ يتعذّر ضبطه وقياسه. هناك إذًن زمن أدبيّ أو عالم يُبنى على مقتضى قوانين تاريخ وجغرافيا تخصّه وحده. وهو منفصل عن العالم العادي المرئي أو مستقلّ عنه نسبيّا؛ أو أنّه من الممكن المواءمة بينهما ـ وهما المتباعدان على الخريطة ـ على نحو ما أعاد فيجنر لصق أفريقيا بأمريكا.
في هذا السياق يمكن أن نقرأ كتاب المصري عبد السلام حيدر المترجم عن الألمانيّة «الأصولي في الرواية» (منشورات المجلس الأعلى للثقافة). وهو موزّع على أربعة أبواب: أوّلها الظاهرة الأصوليّة مفهوما وتاريخا، وقد رصد فيه الباحث؛ وإن باختزال مخلّ أحيانا مصطلحات الظاهرة عند حسن البنّا والإخوان وسيّد قطب ومفهومه للجاهليّة والجماعات والتنظيمات الإسلاميّة في السبعينيات، ثم موقف دعاة المجتمع المدني من الأصوليّة أمثال، فؤاد زكريّا وفرج فودة ونصر حامد أبو زيد وجابر عصفور. وثانيها يتعلّق بالمثاليّة الوطنيّة والتطرّف الديني، حيث يعالج صورة التيّار الأصولي عند نجيب محفوظ في «القاهرة الجديدة» و»السكّريّة» و»المرايا» و»الباقي من الزمن ساعة» و»يوم قتل الزعيم». ويخلص من دراسته إلى أنّ التطرّف الذي صوّره محفوظ يرجع إلى سببين: اعوجاج فكريّ ـ والعبارة له ـ وتعذيب تعرّضت له الجماعات الأصوليّة في سجون عبد الناصر، فضلا عن حالة الغلاء والفساد والتضخّم التي عانى منها المصريّون في السبعينات خاصّة. وواضح أنّ محفوظ ينتصر للتيّار العلماني الليبرالي، وإن بصبغة اشتراكيّة فابية. أمّا الباب الثالث الموسوم بـ»رؤى متصارعة»، فيعالج صورة التيّار الأصولي عند نجيب الكيلاني (1931/ 1995) حيث نقف على «الإسلاميّة» باعتبارها أيديولوجيا مقهورة، وعلى نشأة التيّار الأصولي الأدبي ومحنة الإخوان في سجون مصر. وقد صاغها الكيلاني بتقنية «الراوي العارف» ومن منطلق أيديولوجي دفاعي يعبّر من دون لبس عن التيّار الإسلامي؛ أي من منظومة من المعاني والأفكار، تسوّغ وجودها كما يقول بعض منظّري الأيديولوجيا، على أساس عقلانيّ، ولكنّها ـ وهذه هي المفارقة ـ تعوق كلّ خطاب عقلاني حقيقي؛ لأنّه يمكن أن ينقضها أو يضعها موضع التساؤل. وهذا نتبيّنه في روايات الكيلاني التاريخيّة التي ترصد أبرز الأحداث في تاريخ الدعوة الإسلاميّة، مثل «نور الله» (1972) و»قاتل حمزة» (1971) و»طلائع الفجر» (1960)، وفي رواياته ذات المنحى الاجتماعي، حيث يصوّر عالم السجن، وهو الذي سجن مرّتين. ومن هذه الروايات «قضيّة أبو الفتوح الشرقاوي»، وهي في تقديري الشخصي أهمّ ما كتب. وفي الباب الثالث أيضا نقف على موضوع صناعة العنف في السبعينيات، عند فتحي غانم (1924/ 1999) في «الأفيال» و»ستّ الحسن والجمال». وعلى تباين الموقف عند هذين الكاتبين، فإنّ المقارنة بينهما مغرية حقّا. ففيما يركّز الكيلاني على تعذيب الإخوان في سجون الثورة، ويتجاهل اغتيال السادات الذي سمح بعودة الإخوان إلى النشاط، فإنّ غانم لا يصوّر إلاّ ما حدث لليساريّين وحدهم، بل هو يجرّم السادات ونظامه الأمني، ويركّز على أصحاب «شركات توظيف الأموال» الذين يسرقون مصر، ويطمسون جمالها.
أمّا الباب الرابع الموسوم بـ«رؤية قبطيّة» فموضوعه التيّار الأصولي عند الكتّاب الأقباط من جيل الستينيات، أمثال جميل عطيّة في»ثلاثيّة الثورة» ورؤوف مسعد في «بيضة النعامة» أو «مزاج التماسيح». وهي روايات تتمثّل إجمالا عالم الأقباط الداخلي وهمومهم ومشاغلهم، سواء ما يتعلّق منها بالدين والميثولوجيا، أو الخوف من تصاعد الخطر الأصولي «الإسلامي».
ويعنينا في سياق هذه «الكتابة الروائيّة» أن نشير إلى مزايا فنّية أخرى فيها، هي من مظاهر إنشائيّة الخطاب الروائي عند هؤلاء، تتجلّى أساسا في الوظيفة التنبيهيّة التي يأخذ بها. وهذه الوظيفة تتمرّس، في تقدير المعاصرين، بالشّفهيّ أكثر منها بالكتابيّ، بحكم أنّها وظيفة اتّصال أو تماسّ أساسا. وقد استثمرها نوع من الخطاب الأدبيّ يحاكي «الهذر» او «الكلام الفارغ» وهذا مثال من بين أمثلة أخرى غير قليلة، على أنّ اللّغة يمكن أن تستعمل استعمالا غير مباشر؛ وأنّ الخطاب يمكن أن يعني شيئا غير الذي يقوله. على أنّ ما يدفعنا إلى أخذها بالاعتبار، وإن على حذر واحتراز، أمور من أظهرها أنّ هذه الوظيفة تكاد تكون الأشدّ تعلقا بالفرد، لأنّها هي التي تثبّت الاتّصال، خاصّة في الخطاب الروائي «الكنائي». والرواية «حواريّة» أو هي «النصّ الحفل» بعبارتنا المقتبسة من ابن رشيق في كلامه عن قصيدة المدح. والحفل مثله مثل الإيقاع طقس جماعيّ حميم ذو طابع زمنيّ خاصّ، حيث ينطوي المكان وينتشر الزّمان وكأنّه الأبد. و»النصّ الحفل» إنّما يبني لنفسها حضورا كلّيا، فيتعارض زمنه الخاصّ والزّمن «الموضوعيّ» الذي يمكن ضبطه وقياسه. وهذا ما يجعله على تعاقب العصور يتخطّى الانقلابات الحاصلة في هيئة الأدب زمانا ومكانا؛ ليبني هذا الحضور الزّمنيّ الكلّيّ، فيثبّت زائلا ويحوّل عَابرا أو غَابِرا إلى «حال» أو «ديمومة». وكلّما كان هناك «حفل» كان هناك تواصل ومشاركة وكان «لعب» وكان «رمز».
أمّا «اللّعب» بالمعنى الجادّ للكلمة؛ فيجري على قواعد يضعها واضعها بكامل حرّيته، ويمتثل لها بكامل إرادته، من دون أن يسوق ذلك إلى القول إنّها حرّية مطلقة أو إرادة مرسلة مبرّأة من كلّ إكراه أو من أيّ شرط خارجيّ. وهذا من شأنه أن يستدعي ما يسمّى الوظيفة المؤسطرة للأدب. على أن ننظر إلى الأسطرة ها هنا، لا من جهة صلتها بالجانب العقدي من الأسطورة، وإنّما من جانب «التجسيد» أو «الإحيائيّة» أي إضفاء خصائص الكائن الحيّ المريد والمالك لقصديّة ما، على كائن أو شيء لا يتوفّر على هذه الخصائص أو هو لا يستجيب لها. وبعبارة أخرى فإنّ ما يجري داخل النص الأدبي، حوار بين ذاتيّة المبدع وذوات أخرى؛ قد تكون كائنات بشريّة أو حيوانات أو أشياء خرساء، أو حتّى علامات لغويّة، وهذا التذاوت هو الذي يضاعف العالم، ويفتح باستمرار أفق المعنى. غير أنّ هناك ناحيةً في هذا الأدب الروائي المصري، هي الرؤية الاستشرافيّة التي تميّز بعض هذه النصوص. فهي تكشف عن تيّارات أصوليّة أو سلفيّة عجيبة، كما هو في «القاهرة الجديدة» و«السكّريّة» و«المرايا» و«يوم قُتل الزعيم»، و«الأفيال» و«ستّ الحسن والجمال» و«قضيّة أبو الفتوح الشرقاوي» و«ثلاثيّة الثورة» و«بيضة النعامة»… والرواية تعبير كنائي، ينزع أكثر إلى الإيهام بالواقع؛ ومن ثمّة يظلّ بإمكانها استشراف المستقبل. والأمر يتعلّق هنا بـ«الاستقباليّة» من حيث هي أدب يتمثّل في الظاهر الأسباب السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة، التي يمكن أن تتحكّم في تطوّر العالم، أو هي استشراف أساسه تهيئة الحاضر أو «الحال»، كما كان يسمّيه أسلافنا، للمستقبل. هي ليست تنبّوءا كما قد يقع في الظن للوهلة الأولى. ربّما هي مسعى أو سيرورة أو طريقة ما في إعداد مختلف الإمكانات القابلة للتحقّق. ولهذا يفترض فيها أن تكون من المكرور المعاد، إذ هي تنهض على إحكامات وتراتيب وإصلاحات تجري في الزمن على نحو ما تجري مختلف مفارقات الوجود البشري.
وثمّة موقفان ومقاربتان، كلّما تعلّق الأمر بالاستقباليّة في هذا النوع من الأدب حيث ترتسم صورة مصر الماضي، وكأنّها في جانب لافت منها صورة مصر اليوم: موقف محكوم بسيناريوهات أو احتمالات وموقف أساسه الحدس أو المعرفة الحدسيّة. ولعلّ في هذين الموقفين ما يؤكّد أنّ الاستقباليّة رؤية مستقبليّة أو مشروع نبدأ في تحقيقه في الحاضر، أو هي تمثّلٌ للعالم وقدرة على السياحة في المستقبل المتعدّد، لاختبار ما يمكن أن نفعله: هنا/الآن.
إنّ البعيد زمانا يخدم القريب زمانا، ويمنحه أفقا ويضفي عليه معنى. وكلّ فعاليّة مستقبليّة تعني أنّ المستقبل ليس مكتوبا ولا هو نتاج القدر، إنّما هو صنيعنا نحن البشر مثلما هو صانعنا. وهذه الروايات على اختلافها يمكن أن ننفذ إليها من كوّتين في شبكة القراءة: استكشافيّة تروم أو تسبر أفقا، وتضيق وتتسع بحسب الموضوع الذي تعالجه. ومعياريّة أو براغماتيّة «تداوليّة» ذات غايات، لعلّ من أظهرها تخطّي الواقع الراهن إلى مستقبل منشود.

كاتب تونسي

في أدب الاستشراف: الأصولي في الرواية العربيّة

منصف الوهايبي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية