«الحيوان في الكون مثل الماء في الماء»
ج. باتاي
«أدب الحيوان» موضوع أعود إليه فاتحة هذا الصيف التونسي القائظ الذي نسمع فيه نشيش نخاعنا الشوكي يغلي، لدوافع بعضها ذاتيّ إذ سبق أن نشرت كتابا شعريّا «فهرست الحيوان» منذ أكثر من ثماني سنوات، وقسما منه قبل ذلك في مجلّة محمود درويش «الكرمل»؛ وأتهيّأ لإعادة طبعه، وبعضها موضوعيّ إذ كلّفني أستاذ الفلسفة المعز الوهيبي، بمراجعة كتاب له في هذا الموضوع الشيّق؛ وسَمه بـ: «لسان الحيوان بقلم الإنسان»؛ واستأنس فيه بمدوّنة الأدب العربي القديم.
وهي مدوّنة غنيّة إمتاعا ومؤانسة. ولعلّ أهمّ قضيّة تطرحها هي «تجنيس» هذا النمط من الكتابة «أدب الحيوان» الذي يُدرج الحيوان ضمن «ضمائر الكلام» حينا، ويكتفي بمجرّد الإخبار عنه حينا. والقصّة أو الحكاية الحيوانيّة ـ وهو المصطلح المناسب كما أشير في ثنايا هذا المقال ـ موضوع أدبيّ أو شعريّ مثلما هو موضوع دينيّ مخصوص يتميّز بالإعلان الصّريح عن حلول «كائن لا عاقل» محلّ الإنسان على صعيد الفعل أو أدوار الشّخصيّات أو «الفواعل». وقد يكون من الجائز أن نميّز هذا الجنس من خلال التّنويه بما تنطوي عليه الحكايات المنسوبة إليه، من غايات أخلاقيّة ومقاصد تربويّة ومضامين اجتماعيّة وسياسيّة؛ على نحو ما تفعل كثير من الدّراسات والمقاربات التي تتناول هذا الأدب. وهو على أيّ حال تمييز ينبغي الاستئناس به، في فهم هذا الأدب، وفهم خصائصه الأسلوبيّة، ومميّزاته البلاغيّة. ومصطلح الأدب في أعراف القدماء كان يشمل كلّ هذا النمط من الكتابة، على نحو ما نجد في «أدب الكاتب» لابن قتيبة، بشرح الجواليقي، وتقديم مصطفى صادق الرافعي. وهو في تقديرنا أدب بمعنى أدب الفكر وفنّه وجماله وفلسفته، ومعنى أدب النفس وتثقيفها وتربيتها في الآن. وكثير من أدبنا القديم يهدم الجسور بين الأجناس، وهو يأخذ من كلّ شيء بطرف أي على طريقة العرب في الاستطراد والمزاوجة بين الحسن والنافع: جمْع من اللغة والخبر وشعر الشواهد والقرآن والحديث والأمثال والحكم، والتبسّط في الوجوه والعلل النحويّة والصرفيّة.
على أنّ حضور الحيوان في النّصّ الأدبيّ أو الديني لم يكن مقطوعا عن جذور أنثروبولوجيّة تشدّ وجود الإنسان إلى وجود الحيوان. فلقد تعلّم الإنسانُ من الحيوانِ كيفيّة الادّخار، وساعده ذلك على الاستقرار في المكان والانصراف إلى أعمال أخرى كجمع القوت؛ فالكلب الذي يدفن العظم، والسّنجاب الذي يجمع الجوز كي يستمتع في مستقبل أيّامه، والنّحل الذي يملأ الأقراص بالشّهد، والنّمل الذي يخزن الطّعام لليوم المطير، إنّما هي حيوانات يعود إليها بعض الفضل في إبداع الحضارة نفسها.
ولئن كان «كليلة ودمنة» لابن المقفّع مركز الاهتمام الذي يعود إليه جلّ الدّراسات التي تتناول هذا القصّ لدى العرب؛ فإنّ ذلك لا يعني بالضّرورة كون العرب لم يعرفوا الحكاية على لسان الحيوان إلاّ في الكتب التي تدور في فلك القرآن، أو في القرن الثاني. وإنّما عرف العرب هذا النمط، منذ العصر الجاهليّ، كما تشهد بذلك قصص الحِكَم والأمثال الواردة بتفاوت في أمثال المفضّل الضّبي (ت 170 هـ)، وفي «جمهرة الأمثال» لأبي هلال العسكري (ت 395 هـ)، وفي «مجمع الأمثال» للميداني (ت 518 هـ). ومع ذلك تبقى لكتاب»كليلة ودمنة» مكانته، خاصّة عند فلاسفة المسلمين؛ مثل ابن رشد وابن سينا اللذين فصلا بين الشعر والقَصَص (يستخدم المعاصرون القصّ أو الحكي ولا وجود لهما في لسان العرب بهذا المعنى). وعمدة الشعر عند هذين العَلمين، إنّما هو التخييل، أي الاستعمال المخصوص للغة الذي من شأنه أن يفعل فعل السحر في المتلقّي، على أساس «الاختلاق الإمكاني» أو ما هو ممكن الوجود أو محتمل الوجود. وأمّا القَصص [المصدر من قصّ] فله شأن آخر. يقول ابن رشد: «وظاهر أيضا ممّا قيل من مقصد الأقاويل الشعريّة أنّ المحاكاة التي تكون بالأمور المخترعة الكاذبة، ليست من فعل الشاعر؛ وهي التي تُسمّى أمثالا وقِصصا، مثل ما في كتاب «كليلة ودمنة»، ولكنّ الشاعر إنّما يتكلّم في الأمور الموجودة أو الممكنة الوجود…» ويقول ابن سينا: «الشعر المراد فيه التخييل، لا إفادة الآراء؛ فإن فات الوزن نقص التخييل. وأمّا الآخر [كليلة ودمنة] فالغرض فيه إفادة نتيجة التجربة، وذلك قليل الحاجة إلى الوزن. فأحد هذين يتكلّم في ما وُجد ويوجد، والآخر يتكلّم في ما وجوده في القول فقط. ولهذا صار الشعر أكثر مشابهة للفلسفة من الكلام الآخر…». أمّا إذا صرفنا عنايتنا إلى الأدباء والكتّاب، فالأمر جدّ مختلف. من ذلك أنّ الجاحظ (ت.255) في «الحيوان» تعامل مع «كليلة ودمنة» من حيث هو وثيقة تفيد في فهم طبائع الحيوان. ورأى فيه ابن وهب الكاتب مجرّد حيل بلاغيّة، ولكنّه رفع من شأن هذا الكتاب، وقارنه بالنصّ القرآني. ووقف الكلاعي فيه وفي «القائف» للمعرّي، على أهميّة الخيال بمعنى الكذب أو الاختلاق أو تزوير الواقع أو تجاوزه. وكانت نظرة ابن الخشّاب وهو من شرّاح مقامات الحريري، أعمق، ورأى في «كليلة ودمنة» أنّه موضوع موضع الأمثال، «إذ كان في خروجه عن المألوف ومباينته المعروف ظاهرا لكلّ واحد؛ لأنّ الأسد لا يخاطب الثعلب على الحقيقة… إذا أخبر به مخبر لم يلتبس بصدق. والإخبار عن الحارث والسروجي [في المقامات] ممكن أن يكون مثله؛ وإن لم يكن ذلك فهو كذب لا محالة، يلتبس مثله بالصدق؛ إذ غير مستحيل في العرف والعادة، أن يوجد في الناس داهية يُكنّى أبازيد، ويكون من سروج، ويكون من البلاغة والخلاص في التصرّف في أبواب الحيل في المتعارف؛ ما حكى الحارث بن همام عنه…».
وأمّا الحيوان في الديانات الوثنيّة أو في التوراة أو في القرآن، فيقتضي إفاضة في القول، لا يتّسع لها هذا المقال. والمسوّغ لذلك جملة أمور، نسوقها بإيجاز؛ فقد حظيت الحيوانات الأهليّة الأليفة والوحشيّة المخيفة، بمكانة مقدّسة، في كلّ عبادات الشرق القديم. وكان لهذا أثره في الديانات التوحيديّة مثل أساطير الحيوان التوراتي، وحيوانيّة الإله أو ألوهيّة الحيوان لوياثان، وعبادة الثور، والثور المجنّح (الكيروب/ البراق)… وما إلى ذلك ممّا ينبغي أن يفيه أيّ دارس حقّه من البحث والاستقصاء. وكذلك الشأن في حيوان القرآن، فالأمر يتعدّى سرد معلومات عمّا جاء فيه عن الحيوان لبيان منافعه، أو لبيان السّيرة فيه وتحصيل العبرة، أو لضرب المثل، أو لأحكام تتعلّق بالحيوان، أو لإبطال عادات ومعتقدات قديمة لا يقرّها الإسلام، أو لبيان معجزات بعض الرّسل. والواقع أنّ بعض ما اعتمد عليه القرآن من القصص فسح مجالا متفاوتا لنصوص مصاحبة في كتب التفسير خاصّة. وفيها يستأنف المفسّرون القصّة ويفصّلون مجملها.
ويضاف إلى ذلك ما تقدّمه بعض كتب الأخبار عن سيرة النّبيّ أو عن آل بيته، كما في سنن ابن ماجة عن عائشة، أنّه كان في بيتها رمح موضوع،» فقيل: ما تصنعين بهذا؟، فقالت: أقتل به الوزغ، فإنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أخبرنا أنّ إبراهيم عليه الصّلاة والسّلام لمّا ألقي في النّار لم يكن في الأرض دابّة إلاّ أطفأت عنه غير الوزغ؛ فإنّه كان ينفخ عليه النّار…» وهذا الخبر ـ على غرابته ـ لا يندرج ضمن باب القصّ الحيوانيّ؛ لكن النّزعة الإحيائيّة للحيوان، تفتح فيه منفذا إلى بناء «الشّخصيّة الحيوانيّة».
لابدّ إذن من تقصّى الكتب المخصّصة لدراسة علم الحيوان، وتبويب أسماء الحيوان في المعاجم اللّغويّة على أنّها أبواب من اللّغة وليس على أنّها أوجه من العلم الطّبيعيّ. وكتاب الحيوان للجاحظ موسوعة زوولوجيّة أنثروبولوجيّة، لارتباطها بالثّراء المعجميّ الكبير لدى البدو في شبه الجزيرة؛ وذلك لكون البادية هي أوطد علاقة من المدينة بالحاضنة الطّبيعيّة للحيوان.
وكذلك سار الدّميري على منهج رتّب فيه أسماء الحيوان حسب حروف الهجاء فجمع في أبحاثه بين العلم والأدب والحقائق والأوهام والقصص والتّاريخ والفقه الإسلاميّ.
ومفاد ذلك، في ما يعنينا، هو أنّه لا ينبغي التّقيّد حصرا بالمصنّفات التي تعلن صراحة كونها قصصا حيوانيّة؛ وإنّما يتعيّن أن نطارد ـ إذا جازت الاستعارة- قصص الحيوانات في بطون مؤلّفات تتناول الحيوان لأغراض معرفيّة غير غرض السّرد الأدبيّ، لكنّها تتوسّل به؛ إذ تتحرّى عن أسرار حياة الحيوان. ولذلك ينبغي أن تتلفّت الدّراسات التي تنكبّ على القصص الحيوانيّ إلى النّصّ الدّينيّ، وإلى النّصّ العلميّ «كتاب الحيوان والحياة الكبرى» ونصوص ابن الهبارية وابن عربشاه والمعرّي، وإلى النّص الفلسفيّ رسالة تداعي الحيوانات على الإنسان، وحيّ بن يقظان لابن طفيل، بل حتّى النّصّ الصّوفي كما هو الشّأن في منطق الطّير لفريد الدّين العطّار النّيسابوري،
فبين هؤلاء والنصوص الدينيّة صلات رحم وشوابك قرابة، على نحو ما بيننا نحن البشر والحيوان.
كاتب تونسي
منصف الوهايبي