في الحاجة إلى إعادة تحقيب التّاريخ الثّقافي العربي الإسلامي

يلوح لنا أن التقدم في تنظيم أطر إنتاج المعرفة موصول وصلا عضويا في تطوّر ملكات الأداء والكفاءات الفكرية والمهارات المعرفية.
فقد بات واضحا أن أغلب الدراسات العربية المعاصرة تستخدم تاريخ تحقيب الثقافة الغربية ذات الأصول الأغريقية قديما واللاتينية حديثا، ذاك التقسيم الرباعي إلى تاريخ قديم ووسيط وحديث ومعاصر، وهو تقسيم استشراقي لا يمثّل طبيعة حركتنا الثّقافية، ولا يكشف جوانبها الأصليّة وخصائصها الحقيقيّة ومناحيها المركزيّة المختلفة، وهو أبعد عن تاريخيّة التئام صرح الثقافة العربية الإسلامية. وهو أيضا تقسيم يغيّب مراحل البناء الثّقافي العربي الاسلامي وخصائصه الشكليّة ومحدّداته المضمونيّة من داخل مركزيّة الثقافة العربية الاسلامية بمكوّناتها الداخلية والخارجيّة؛ الأمر الذي أفضى إلى الخلط بين حدود التّصنيف والتّحقيب، ما يفسّر نزوع الكثيرين إلى الحديث عن عصور انحطاط وعن عصور نهضة وعصور حداثة، ثمّ عصور ما بعد الحداثة، والحال أنّ الإشارة الى ما يسمّى بعصور الانحطاط الثّقافي لا أساس له من الصحّة، لأنّ تلك الفترة من التّاريخ الحضاري العربي الاسلامي إنّما شهدت إثمار العلم العربي الإسلامي في الطبّ والكيمياء والجبر والهندسة والفيزياء والهيئة والميكانيكا والعمارة وتنظيم الإدارة وصناعة الأسلحة، وكذلك في الفلسفة والأدب والتاريخ والاجتماع والشريعة.
فمنذ القرون الهجرية الأولى وإلى حدود القرن السّابع والثّامن للهجرة أبدع المسلمون في العلم والإنتاج المعرفي، ونذكر مثالا على ذلك ما أنتجه ابن النفيس في الطبّ، خاصّة اكتشافه للدورة الدموية. وما أبدع فيه جابر بن حيان في الكيمياء، والحسن بن الهيثم في البصريات، ووضع نصير الدين الطوسي لعلم المثلّثات، وعرض لسان الدين بن الخطيب لقضيّة العدوى، زد على ذلك اسهامات شرف الدين الطّوسي في المعادلات من الدّرجة الرابعة، وإبداع غياث الدّين الكاشي في علم الرياضيات، إضافة إلى الإسهام الكبير في البحث في علم الفلك منذ الكندي وصولا الى اضافات قطب الدين الشيرازي وابن الشّاطر، ليشكّل وضع فلسفة التّاريخ وعلم الاجتماع في القرن الثامن للهجرة إبداعا خالصا للفيلسوف والعالم ابن خلدون.
ولعلّ اللاّفت في كلّ ذلك أنّ الحضارات الإنسانية وإن تفاعلت في ما بينها وأخذت عن بعضها بعضا فإنّها تباينت من جهة الاعتراف بهذا الاستمداد المعرفي، فالمسلمون وإن أخذوا عن اليونان في الفلسفة والعلوم واستوعبوها، ومن ثمّة أصبحت لهم اسهاماتهم الخاصّة في هذه المجالات، فإنّهم لم يخفوا ذاك التفاعل الإنساني، بل كانت الأمانة والوضوح فعلا بيّنا تاريخيّا ووثائقيّا، في حين ينكر الغرب ما أخذه عن العرب والمسلمين، وينسى ذاك الإرث العلمي والفلسفي الاسلامي الذي لولاه لما خرجت أوروبا من ظلمات القرون الوسطى ورجعيّة واقعها المعيش تحت غطرسة الاكليروس ومحاكم التفتيش للكنيسة الكاثوليكية.
تلك اذن مغالطات في مستوى المنهجيّ والسلوكيّ والمعرفيّ، تلحّ علينا اليوم بأن ننظر عند دراسة إنتاج الثقافة العربية الاسلامية وأدواتها المعرفية، إلى مؤسساتها الفاعلة تاريخيّا من داخل أنظمتها الذّاتية، التي ميّزتها كثقافة انسانية عالميّة تتفاعل ولا تقصي وتقبل حضور الآخر الثّقافي والحضاري، وليس أدلّ على ذلك من طبيعة تكوينيّتها التي تفاعلت فيها مركزيّتان ثقافيّتان؛ مركزيّة الثّقافة العربيّة الإسلامية ونواتها الأساسية النصّ الديني والشّعر والأدب وغير ذلك، ومركزيّة الثقافة الأعجميّة بروافدها المتعدّدة والمختلفة.
وإنّنا إذ نروم تثبيت أركان هذه الثّقافة وترسيم معالمها، فإنّنا في حاجة إلى البحث في عناصر الثّبات في الثّقافة العربيّة الإسلاميّة، وإلى التخلّي عن التّحقيب الغربي الذي يقصي فترة الازدهار العلمي لحضارتنا العربية الاسلامية ويحجُبها بما يسمّيه «فترة الانحطاط»، وما هي في الحقيقة إلّا حركة تاريخيّة يسُودها التعطّب والتعطّل أحيانا، وتعود إلى الفاعليّة التاريخيّة في مجرى العطاء الإنساني والإبداع الفكري البشري. ذاك شيء من فهم يقتضي العمل على بناء الصّرح الثقافي العربي الإسلامي على غرار ما هو معمول به في الثّقافة الغربية، خاصّة أنّ ثقافتنا العربية الاسلامية أنتجت تنظيما معرفيّا قام على مفهومي الاسترسال والتراكم على عكس الثقافة الغربية التي كثيرا ما تعتمد على القطيعة المعرفيّة والنّقد التقويضيّ، ويتجلّى ذلك خاصّة مع جاك دريدا وميشال فوكو وفرنسوا ليوتار في تجلّيات ما بعد حداثيّة. ويمكن استثمار إمكانات جديدة خاصّة مع علمنا بأنّ من مواطن قوّة الثقافة العربيّة الاسلامية أنّها حوّلت العلم من علم جداليّ حجاجيّ – خاصّة في القرن الثالث، وذاك التفاعل بين الفلسفة والشريعة – إلى علم تطبيقيّ وعمليّ يفسّره الإنتاج العلمي في أوجُهه المختلفة.
ولكن الأهمّ في سياقاتنا المعاصرة وبالنظر إلى واقعنا الحضاري اليوم ونحن الفاعلون بالأمس القريب أن نتساءل عن إشكالية استمرار أطُر إنتاجنا المعرفيّة القديمة، ذلك أنّ وسائل الاتّصال المعاصرة قد خلقت مأزقا حقيقيّا أمام تواصل الأطر القديمة في إنتاج المعرفة، فقد تنامت ثقافات الحُدود، وأصبحت المنعرج الجدلي اليوم وهو ما يفرض ضرورة تغيير المناويل والآليات المُنتجة والباحثة والمجدّدة. فالمنوال المعرفيّ المنهجيّ والشكليّ والمضمونيّ يُفترض أن يُجدّد، ومن لا يعمل على ذلك تُصيبه العطالة في الإنتاج، وقد يكون ذلك هو ما استمدّته الثقافة الغربية من مخزوننا الحضاري التّراثي، وهو الفرق بيننا وبينها في راهننا التّاريخي بلحظاته الآنية.

٭ كاتب تونسي

لطفي العبيدي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية