عقد في مقر الأمم المتحدة منتدى مهم يومي التاسع والعشرين والثلاثين من شهر يونيو الماضي، في الذكرى الخمسين للاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والعربية، جمع عددا كبيرا من الرسميين وناشطي المجتمع المدني والأكاديميين والمسؤولين الدوليين. وكان موضوع المنتدى بحث السبل في كيفية إنهاء الاحتلال غير الشرعي وغير القانوني، الذي بدأ صبيحة الخامس من يونيو عام 1967. وقد خصص اليوم الأول لموضوع إنهاء الاحتلال والطريق إلى الاستقلال والعدالة والسلام لفلسطين، وخصص اليوم الثاني لموضوع دور المجتمع المدني في إنهاء الاحتلال وتحقيق السلام العادل.
ونظرا لأهمية بعض الأفكار والمبادرات لإنهاء الاحتلال، التي طرحت في المنتدى رأيت من الضرورة أن أشارك القراء في بعض ما تبلور في اللقاء وأبدأها بملاحظتين: أولا أن الحضور العربي الرسمي كان شبه غائب، ولم يشارك في جلسة الافتتاح على مستوى السفراء المعتمدين بالأمم المتحدة إلا سفير لبنان وسفيرة الأردن ولفترة قصيرة. أما بقية الدول العربية فكانت المشاركة إما معدومة تماما أو على مستوى منخفض، وهذه إشارة إلى التراجع العربي الجمعي بالاهتمام بالقضية الفلسطينية في الأمم المتحدة، خاصة بعد مجئ صاحبة الكعب العالي التي تهدد بركل كل من يتعرض لإسرائيل بالنقد. والملاحظة الثانية أن التغطية الإعلامية أيضا كانت شبه غائبة، وهذا يرجع لتقصير من بعثة المراقبة الدائمة لفلسطين، التي لم تتقن لغاية الآن فن العلاقات العامة، وتوسيع شبكة التواصل مع الصحافة المعتمدة الواسعة في الأمم المتحدة.
البعثة الإسرائيلة لدى الأمم المتحدة أصيبت بالهلع لهذا الحشد المهم من أنصار القضية الفلسطينية، حيث دعا المندوب الإسرائيلي داني دانون، للقاء صحافي أمام مجلس الأمن حضره صحفيان إثنان لا ثالث لهما، وبعث برسالتي احتجاج للأمين العام أنطونيو غوتيريش، واحدة ضد مشاركة مركز الحق لحقوق الإنسان ومركز الميزان الفلسطينيين، وطالبه بالتدخل لمنع مشاركتهما في المنتدى، لأنهما يقيمان علاقات مع منظمات مثل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وحركة حماس. والأخرى رسالة احتجاج ضد مشاركة النائبة العربية بالكنيست الإسرائيلي عايدة توما، متهما إياها بأنها تجاوزت الخطوط الحمر، لأنها تشارك في مؤتمر يهدف إلى إلحاق الأذى بإسرائيل.
وأتـناول هنا مجموعة منتقاة من الأفكار والدعوات والمبادرات التي عرضت في المنتدى لطرحها أمام القراء والمعنيين بالأمر لعل بعضها يتبلور في برامج عمل جاد، لأولئك الذين ما زالوا يؤمنون بإمكانية إنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية حقيقية، لا وهمية، مستقلة ومترابطة وقابلة للحياة وعاصمتها القدس الشريف، ولكن عن طريق النضال والمقاومة المشروعة والعمل الجماهيري المتواصل والمتراكم والمتصاعد، لا عن طريق المفاوضات العبثية التي تدور حول نفسها فلا مسافة تقطع ولا إنجازات تحرز ولا هدف تحقق بل وتعطي للاحتلال كل الفرص وكل الوقت لابتلاع المزيد من الأرض وطرد المزيد من السكان.
الفكرة الأولى: دور المجتمع المدني
في العمل على إنهاء الاحتلال
«إن كسر عقود من الشلل الدبلوماسي يتطلب مشاركة أكبر من المجتمع المدني، في دفع الحكومات إلى اتخاذ إجراءات لإنهاء احتلال إسرائيل للأرض الفلسطينية»، هذا ما طرحته الأمريكية جودي وليامز الحائزة جائزة نوبل للسلام عام 1997 بسبب جهودها في منع إنتاج وبيع الألغام الأرضية، التي أثمرت التوصل إلى اتفاقية دولية لمنع إنتاج وبيع واستخدام جميع أنواع الألغام المضادة للأفراد عام 1998. لا أحد يتنازل عن السلطة بدون ضغوط. وإذا لم تتخذ الحكومات إجراءات سيعمل المجتمع المدني على مساعدتها. واقترحت وليامز إنشاء قائمة عار للدول التي لا تلتزم بإجراءات قانونية أقرتها الأمم المتحدة لإنهاء الاحتلال، كما نص على ذلك مثلا القرار 2334 الذي اعتمد في نهاية ديسمبر 2016. قائمة العار هذه ستجبر الحكومات الركض بسرعة لحذف اسمها حفاظا على سمعتها. الدبلوماسية أعطيت فرصة لعقود طويلة وفشلت، كيف يمكن للدبلوماسية أن تستمر في الوقت الذي تسرق فيه دولة الاحتلال الأرض والماء. لا تماثل بين سلطة الاحتلال والشعب الواقع تحت الاحتلال، والعمل لإنهاء الاحتلال عمل قانوني لا علاقة له بمعاداة السامية. ودعت السيدة وليامزإلى نشر الرواية الفلسطينية، لأن إسرائيل عملت على طمسها، ما سمح للاحتلال بأن يستمر في غياب الرواية البديلة لتلك التي قدمتها إسرائيل. والمطلوب الآن تعميم الرواية الفلسطينية ودخول المجتمع المدني ميدان النضال لإنهاء الاحتلال.
الفكرة الثانية- إسرائيل لا دولة ولا دولتان
لماذا تنسحب وهي عضو في التحالف السني
إسرائيل لا تريد حل الدولة الواحدة ولا تتخذ خطوات للحل القائم على الدوليتن، فكرة ركز عليها شلومو بن عامي، وزير خارجية إسرائيل الأسبق. إسرائيل تعيش الآن أزهى عصورها، فاقتصادها مزدهر وعلاقاتها الدولية في أفضل ما يمكن، بل إن شركاءها التجاريين الأهم اليابان والهند والصين قبل الولايات المتحدة. كما أن هناك إدارة صديقة لها في الولايات المتحدة، بل أصبحت عضوا ضمنيا في تحالف الدول السنية في الشرق الأوسط. وفكرة المقاطعة وسحب الاستثمارات والعقوبات هامشي الأثر على حياة الناس اليومية. فلماذ تنسحب إسرائيل إلى حدود الرابع من يونيو؟ إن هناك صنفين من الإسرائيلين: فئة تعبر عنها « تل أبيب» والأخرى «القدس». «إسرائيل تل أبيب» تؤمن بالقانون الدولي وتؤمن باتفاق السلام، وتريد أن تكون جزءا من القرية العالمية. هذه الطبقة هي النخبة، هي إسرائيل الحديثة. وهناك «إسرائيل القدس» وتعني «اليهودية التقليدية» و«الخوف اليهودي». التيار الآن يتجه لصالح إسرائيل ذات القيم اليهودية التقليدية لدرجة أن أنصار هذا التيار مستعدون للشجار حتى مع يهود الشتات، حول من الذي يسمح له بالصلاة على «حائط المبكى»، فكيف سيتصرفون مع أعدائهم الفلسطينيين؟ مسار السلام بعيد المنال بانتظار ظهور زعيم على الجانب الإسرائيلي يعترف بالمأساة الفلسطينية، ويعترف بحصة إسرائيل في خلق تلك المأساة، وسيكون لهذا الاعتراف تأثير هائل. كما يتطلب من الجانب الفلسطيني بروز زعيم يكون مستعدا ليقول لشعبه أيضا بعض الحقائق الصعبة فيما يتعلق باللاجئين مثلا.
الفكرة الثالثة- شرعية المقاومة
ليكون الاحتلال مكلفا
الحديث عن مقاومة الاحتلال أصبح من لغة الماضي، وكأنه أمر محرم لأنه في العرف الأمريكي – الإسرائيلي صنو للإرهاب، غير أن هذا الموقف النادر تبنته النائبة بالكنيست الإسرائيلي عن القائمة العربية المشتركة، عايدة توما سليمان. قالت إن الحقيقة أن هناك دولة تحتل شعبا وتحرمه من ممارسه حقه في تقرير المصير. «كل شعوب الأرض من حقها مقاومة الاحتلال». الاحتلال لن ينتهي لوحده لأنه مشروع مربح لإسرائيل، ينتهي عندما يصبح مشروعا مكلفا تدفع إسرائيل ثمنا باهظا له، وهي مسؤولية المجتمع الدولي كله ليس الفلسطينيين فقط. وهذا يتطلب الكثير من العمل المنظم والمتواصل من الشعب الفلسطيني والمجتمع الدولي، كي تدفع إسرائيل الثمن. إسرائيل أدارت ظهرها لحل الدولتين وما يجري على الأرض هو دولة الفصل العنصري (الأبرتايد). «تكاد نافذة حل الدولتين تغلق نهائيا مرة وإلى الأبد، ربما خلال سنة أو سنتين. على الفلسطينيين أن يتحدوا للاستمرار في نضالهم من أجل الحرية، وعلى قوى السلام في إسرائيل أن تتحمل مسؤولية العمل على تثبيت دور لها في المستقبل، إذ إن المجتمع المدني يتعرض الآن للهجوم من قبل القوى اليمينية في إسرائيل.
الدكتور مصطفى البرغوثي اختتم المنتدى بتقديم استراتيجية مكونة من خمس نقاط تختصر العديد من الأفكار الواردة في المنتدى لإنهاء الاحتلال: المقاومة الشعبية الفلسطينية للاحتلال، توسيع برنامج المقاطعة وسحب الاستثمارات والعقوبات، استعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية، تعزيز التضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني وإدماج فلسطينيي الشتات في النضال من أجل إنهاء الاحتلال. ملاحظة أخيرة لا بد من ذكرها، هي أن الخطاب الرسمي للسلطة الرسمية كان محبطا ومعلبا ومكررا مئات المرات، ولم يعد أحد يعيره أي اهتمام، إلا أن الشيء الذي يبعث على التفاؤل في مثل هذه المنتديات هو هذا العدد الكبير من الأجيال الشابة التي حضرت للتعبير عن تضامنها مع الشعب الفلسطيني ونضاله المشروع من تشيلي إلى كوبا، ومن الولايات المتحدة إلى أستراليا، ومن العديد من الدول الأوروبية والافريقية إلى الدول الإسلامية، رغم الغياب العربي الذي لا شك كان متعمدا.
٭ محاضر في مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة رتغرز بنيوجرسي
د. عبد الحميد صيام