في السياسة البريطانية جونسون والدبلوماسية خطان لا يلتقيان

حجم الخط
1

للأسبوع الرابع على التوالي يحظى الموضوع البريطاني بالاهتمام، فسلسلة الأحداث والتطورات والمفاجآت التي شهدتها الجزر البريطانية، لم يكن لها نظير منذ عقود عديدة.
فخلال هذه الاسابيع صوتت بريطانيا باكثرية بسيطة لصالح الانفصال عن الاتحاد الاوروبي، بعد ان حفيت لندن من اجل الانضمام اليه (السوق الاوروبية المشتركة) في مطلع سبعينيات القرن الماضي، ولم تفز بالانضمام الا بعد رحيل الرئيس الفرنسي الجنرال ديغول الذي وقف حجرة عثرة في طريقها.
ولم تتوقف المفاجآت عند الفوز غير المتوقع للانفصاليين، فتبعته احداث ومفاجآت متسارعة… فاستقال رئيس الوزراء ديفيد كاميرون في الحال وتحمل مسؤولية الهزيمة وذاك بدوره أحدث مفاجآت، تمثلت بالصراعات على خلافته في زعامة الحزب ورئاسة الحكومة.
ونزع 172 نائبا في حزب العمال المعارض، الثقة من زعيم الحزب جيريمي كوربين، والازمة لا تزال قائمة، وترشح اثنان من نواب الحزب لمنافسته، واستقالت إحدهما بعد تقدم المنافس الثاني بعدد النواب المرشحين له، ويفترض أن يحسم اعضاء الحزب الامر في سبتمبر المقبل. ولا يعرف بعد ان كان حزب العمال سيبقى حزبا واحدا، أم أنه سيواجه الانقسام لتعمق الخلافات بين اليمين واليسار؟ كما حصل عام 1981، إذ انشق عدد من كبار قادة الحزب منهم شارلي وليامز وديفيد اوين وروي جينكيز. وشكلوا حزبا اطلقوا عليه «الاشتراكي الديمقراطي» أو «الاجتماعي الديمقراطي»، قبل توحيد صفوفهم مع حزب الاحرار باسم « الديمقراطيون الأحرار». ما ان بدأ البريطانيون يتأقلمون، وإن ببطء شديد، مع النتائج الصادمة جدا للاستفتاء على عضوية الاتحاد الاوروبي واستقالة كاميرون السريعة التي اربكت المحافظين، وكشفت الصراعات الخفية داخلهم وخيانات الصديق لصديقه والطعن الخنجري (السياسي) في الظهر، وخروج بوريس جونسون نجم الانفصاليين والابن المدلل للمحافظين، والمرشح لخلافة كاميرون، من حلبة المنافسة بعد الضربة القاصمة التي وجهها إليه رفيقه في الانفصال وزير العدل السابق مايكل غوف.. وما أن بدأت الامور تستقر ولو مؤقتا، بنجاح المحافظين بلملمة اطرافهم المتصارعة تحت جناح خليفة كاميرون، تيريزا مي، حتى أتت «أم المفاجآت» التي لم تكن تخطر على بال أحد.. مفاجأة اختيار جونسون وزيرا للخارجية في مثل هذه الظروف الحرجة.
خالفت تيريزا مي التي حاولت ضمن تشكيلها الحكومة ارضاء طرفي الصراع في الحزب.. الانفصاليين والاتحاديين والحفاظ على التوازنات، باختيار جونسون لهذا المنصب، فقد عرف عن جونسون على مدى سنوات شهرته الثمانية الاخيرة التي شغل فيها منصب عمدة لندن (2008 – 2016) بأنه السياسي الاقل دبلوماسية على الاطلاق، وهو شخصية تفتقر للياقة الدبلوماسية كما تفتقر للجدية، ورغم ذكائه الشديد وصعوده السريع في سلم الحياة السياسية البريطانية.. شخصيته هزلية شعبوية بامتياز ولا تتماشى مع شخصية الدبلوماسي الرزين.. فلسانه سليط ولاذع ولا يتردد في قول ما يجول في رأسه في اي شخص او بلد او قضية بصراحة ومن دون حساب، وبعيدا عن الدبلوماسية التي هو الان في منصبه الجديد أشد الناس حاجة إليها.
بريطانيا تعول كثيرا على الدبلوماسية بعد ان فقدت هيمنتها العسكرية، ويعرف وزراء خارجيتها ودبلوماسيوها بالدهاء وتصريحاتهم تحمل معاني عديدة يفسرها المستمع لها بالطريقة التي تلائمه. وهكذا نجحت هذه الجزر الصغيرة المعزولة بفرض هيمنتها على العالم لقرون. والشواهد كثيرة على الاقل تمتد من شبه القارة الهندية والصين شرقا الى امريكا غربا ومن شمال افريقيا وحتى جنوبها، لاتفاق سايكس- بيكو البريطاني الفرنسي حتى نكبة فلسطين التي كانت السبب الرئيسي فيها بسبب وعد بلفور، ولكنها لم تكن الاولى التي تعترف بإسرائيل، وحتى بعد العدوان الاسرائيلي عام 1967 تقدم مندوبها الدائم في الامم المتحدة اللورد كارادون بمشروع قرار يقضي بانسحاب اسرائيل من اراض محتلة وليست الاراضي المحتلة، التي كان ينص عليها مشروع قرار فرنسي، وهو القرار الذي أصبح يعرف بالقرار 242.
وقع جونسون بطول لسانه في كثير من المطبات السياسية، ولا أحد يدري بعد كيف يمكن أن يخرج منها؟ وكيف سيتعامل مع تداعياتها؟ وأورد لكم بعضا منها بقدر ما تسمح به مساحة المقال.. فمنها المضحك ومنها المحرج، ونورد لكم بعض ردود الافعال الدولية على تعيينه، التي جاءت مزيجا من الاستغراب والرعب.
فقال مسؤول في الاتحاد الأوروبي لدى سماعه خبر التعيين.. من الممكن أن يكون البريطانيون يداعبوننا. أما رالف ستيغنر الشريك في الائتلاف الحاكم في ألمانيا فقال، إن تريزا مي تبدو أضعف بعد هذا التعيين.. لم يظهر جونسون يوما أنه دبلوماسي خارق… وهو الان مسؤول عن مفاوضات الانفصال.. فليتمتع بها.
وقال زعيم حزب الخضر في ألمانيا انتون هوفريتير إن تعيين جونسو مؤشر سيئ لعملية الانفصال ويثير الشكوك حول كفاءة رئيسة الوزراء الجديدة.
وفي الولايات المتحدة لم يتمالك المتحدث باسم الخارحية مارك تونر، نفسه من الضحك عندما علم بتعيين جونسون واحتاج لبعض الوقت لاخفاء ابتسامته قبل ان يقول إن الولايات المتحدة تتطلع للتعاون معه. ولم يكن تونر الوحيد امريكيا فعبر ايان بريمر الخبير في الشؤون السياسية المختص بالسياسات الامريكية الخارجية عند سماعه النبأ، عن أمله في أن يكون الخبر مجرد نكتة مارقة.
ولنبدأ مطباته أو بالأحرى وقاحاته، بما قاله خلال زيارته في نوفمبر الماضي لاسرائيل، وقبل ذلك لا بد من التأكيد على أنه من أشد المتحمسين لإسرائيل من بين السياسيين البريطانيين، ولهذا تبنى فكرة السفير الاسرائيلي في لندن وقت كان عمدتها، في اقامة مهرجان ثقافي اسرائيلي في لندن عام 2017، قال عن مؤيدي حركة مقاطعة اسرائيل «BDS» أنهم مجموعة من الاكاديميين اليساريين من ذوي السراويل القصيرة». وأضاف «لا استطيع أن افكر في شيء يمكن ان يكون أكثر غباء من مقاطعة اسرائيل.. الديمقراطية الوحيدة في المنطقة.. والمكان الوحيد الذي يوجد فيه مجتمع منفتح ومتعدد الاعراق والديانات.
ـ الملكة اليزابيث: من اسباب حب الملكة اليزابيث للكومنويلث، أنها تزودها بانتظام بجمهور من الاطفال السود «بيكانينيز» (مصطلح عنصري تحقيري للسود) يلوحون باعلام ترحيبا بها. (وقد اضطر للاعتذار).
ـ حتى المدن البريطانية لم تسلم من لسانه فوصف مدينة بورتسموث الجنوبية بانها مدينة مليئة بالمخدرات ويعاني اهلها من السمنة وتنتخب مرشحي حزب عمال لتمثيلها في مجلس العموم.
ـ كتب شعرا بذيئا عن أردوغان، وكان ذلك في مايو 2016 ردا على محاولات الرئيس التركي لمحاكمة شاعر الماني كتب فيه شعرا بذيئا.
ـ اتهم الرئيس الامريكي بازالة تمثال نصفي لتشرتشل من البيت الابيض، ربما يعود ذلك الى جزئية اوباما الكينية، التي تضمر في داخلها كرها متأصلا للبريطانيين.
ـ قال إنه يتجنب زيارة بعض أحياء نيويورك حتى لا يلتقي ترمب.. وقال ايضا ان ترمب تعني باللغة الانكليزية الرائحة الكريهة.
ـ ووصف هيلاري كلينتون بأنها كممرضة سادية في مستشفى للامراض العقلية، بشعر اشقر مصبوغ وشفتين منتفختين.
ـ جورج بوش الابن: انه ابن تكساس المولع بالحرب، وغير منتخب ويعجز عن التعبير عن نفسه ويعكس عنجهية السياسة الخارجية الامريكية.
ـ الرئيس الروسي بوتين: قزم من اقزام رواية هاري بوتر المشهورة ورغم ذلك فانه طاغية.
ـ الصين مقارنة بالامبراطورية البريطانية والامبرياليين الامريكيين، نفوذها لا يزيد عن الصفر وغير متوقع ان يرتفع.. فلا حاجة لان نخافها ولا حاجة لتعليم اطفالنا لغة الماندرين.
ـ الاتحاد الاوروبي: مشروع فاشل حاول تحقيقه نابليون وهتلر وآخرون من قبل ولم يتحقق مرادهم.
واختم بأن من مهام جونسون، بل مهمته الأساسية والوحيدة هي تحسين صورة بريطانيا وتعزيز علاقاتها بدول العالم، خاصة دول الاتحاد الاوروبي التي ستتأثر بقرار الانفصال عنها. لكن سجله في التعامل مع الثقافات الاخرى اقل ما يقال عنه انه ملطخ وفيه الكثير من الثقوب، وكما وصفه أحد الصحافيين فانه والدبلوماسية غير متجانسين، وخطان مستقيمان لا يلتقيان. لهذه الاسباب اثار قرار تريزا مي اختياره لهذا المنصب الكثير من الاستغراب وعلامات الاستفهام والتساؤلات عن الاسباب التي دفعتها الى ذلك؟

٭ كاتب فلسطيني من أسرة «القدس العربي»

في السياسة البريطانية جونسون والدبلوماسية خطان لا يلتقيان

علي الصالح

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية