خرج سمك القرش يعلّم صغيرَه كيف يصطاد، فما زالا يضربان في الماء، والفصل صيف، حتّى أطلاّ على شاطئ مزدحم بنسائه ورجاله وصبيانه وصباياه؛ والقرش الأكبر يقول: «انظر يا ولدي إلى هؤلاء المصطافين! قد يكون ذاك البَدين صيدك، وقد يكون تلك الصبيّة، أو ذاك العجوز! كلّ يوم وقَسْمه! لا تهتمّ لذلك كثيرا! ركّز فقط على الذين يغامرون فيذهبون في اليمّ بعيدا، ولا تتعجّل.. دَعْهُم يسبحون مزهوين، فإذا بات أحدهم في عزلة فلا تتعجّل.. ادنُ واضربْ بذيلك في الماء، فسترى الدّهشة تملأ عينيه، فارجعْ ولا تَكُرّ.. أَمْهِلْه حينا ثمّ كُرَّ، وسترى الخوف يفيض حتّى يسريَ في الموج مثل الكهرباء، فلا تتعجّل! لا تتعجّل! هل تسمعني يا ولد؟ ارفعْ بصرك عن تلك الصّبيّة! وارجعْ على أعقابك، سترى المصطاف مرعوبا، يخبط في الماء، لا يدري أيشرّق أم يغرّب، حينها كُرَّ وأنت حرّ! فقد باتتْ فريستك جاهزةً.. لن ينزعها أحدٌ من نابك، حتّى لو اجتمع عليك الإنس والجان!»؛ قال القرش الصّغير: «يا أبي، لماذا كلّ هذا الجهد، وهذا الكرّ والفرّ؟ لماذا لا أُطبق عليه وأنا أكرّ كرّتي الأولى؟»، وطوّح القرش الأكبر برأسه:»يا خسارة تربيتي فيك! هل تريد أنْ تأكله بأوساخه في كرشه؟ دَعِ الخوفَ يطهّرْه من أدرانه!».
الدين ـ أيّ دين ـ أقرب ما يكون إلى الفنّ إذ يعبّر بالصور أو الرموز أو «الانفعال» عمّا تعبّر عنه الفلسفة أو التاريخ بالمفاهيم. غير أنّ «أصوليّة الجهاديّة» لا سند لها سوى النصّ، وبعبارة أدقّ الفعل «قال»؛ من دون أن يفكّر أصحابها في ضرورة التمييز بين ذات متلفّظة وذات ملفوظة، وفي أنّ التلفظ في النصّ القرآني عمليّة مزدوجة؛ أو أنّ هناك ساردا ثانيا يندسّ في فعل «قال». إنّ لوصف مختلف العبارات أو الجمل التي مدارها على الفعل «قال» ما يسوّغه داخل الخطاب القرآني، خاصّة أنّها تثير إشكالا لا يخفى كلّما تعلّق الأمر بـ»الكلام الإلهي»؛ وهي التي يديرها هذا الفعل المسند إلى أكثر من شخصيّة؛ على أكثر من معنى مثل تلفـّظ وتكلـّم وحكم واعتقد وزعم وعزم وجزم وأشار وخاطب وأحبّ واختصّ وظنّ، وتهيّأ للفعل واستعدّ له. ولابدّ في أيّة قراءة جادّة من اكتناه مدلولات هذا الفعل المعجميّة والنحويّة وطرائق اشتغاله في الخطاب.
وأوّل ما نلاحظه في هذا الفعل إنّما هو معناه الصوتي: فـ»قال» تعني أصدر أصواتا ونطق ولفظ وتلفّظ وفاه وتفوّه ونبس (وإن كان أكثر استعمال هذا الفعل في النفي: لم ينبس ببنت شفة) وكتب، فيحيل بذلك على شفويّ مثلما يحيل على مكتوب. ويمكن أن يُحمل في سياق مخصوص على معنى همس (همس الصوت أي أخفاه) ووشوش وباح وسارّ (كلّمه بسرّ أو كلّمه في أذنه) وبدا ولاح وظهر وتضرّع وصاح وصرخ… ويمكن أن يُخرج غير هذا المُخرج، فـ»قال» يمكن أن يعني: عبّر وأبان وحدّد وشرح ووضّح وأعرب بواسطة الكلام، ونقل وأبلغ وأخبر وأفاد وأفشى وأذاع وأطلع واعترف وقصّ وروى وحكى وكرّر وأعاد وجدّ وأكّد وأثبت وأقرّ وأيّد وأثبت وصدّق ووافق وصمّم وقضى وحكم…
أمّا في المستوى النحوي والصرفي فـ»قال» فعل متعدّ يتّسع لمجموع الصيغ الصرفيّة.
وأمّا تداوليّا ـ وهو الأفق الذي يناسب أكثر مثل هذه المباحث حيث يصرف القارئ الخبير عنايته إلى الرموز دون معانيها وإلى مستخدمي اللغة وسياق استخدامها ـ فإنّ «قال» يتّسع لشتى مدلولات الفعل «التام» كما تدلّ على ذلك معانيه المعجميّة الطقوسيّة أو الدينيّة، وهي ذات غنى ووفرة؛ وبخاصّة في النصوص التأمليّة أو الاستبطانيّة، والتي يُسند فيها الكلام إلى المتكلّم بصيغة المفرد أو الجمع. ويمكن اعتبار «قال» بمثابة نصّ الافتتاح، أو ما يشبه «الوصلة اللغويّة» الراجعة إلى المتكلّم من حيث هو المسؤول عن التلفظ. وغايته من ذلك أن يعرض وجهة نظره بخصوص التفاعل القائم بينه وبين مخاطبه، على نحو ما نجد بين الأب [يعقوب] والابن [يوسف] حيث فعل «قال» المسند إلى يوسف محكوم بضرب من المعرفة الوجدانيّة أو الحدسيّة التي مردّها إلى الرؤيا وما يمكن أن تتمثّله من دهشة أو مفاجأة، فيما فعل»قال» المسند إلى يعقوب: طلب أو نهي يبطن تخويفا. بل هو فعل إدراكيّ أيضا أو هو قابل لأن يُدرك كلّما أدرج المتكلّم معلومة مصدرها الذاكرة أو التذكير»الاستدلاليّ» الذي يتوسّل المنطق لا الحدس، في صيغة تفسير أو إيضاح وإبانة: تذكير الابن بكيد أخوته ومكرهم وسوء طويّتهم، في سياق التلميح بأنّ رؤياه بشارة. وهو فعل دعوة أيضا ورغبة أو غواية: «وغلقتِ الأبوابَ وقالت: هيت لكَ». فهذا علامة تحادثيّة مضمرة. أو سياق عاطفيّ أو وجدانيّ يتمثّل حالة دهشة أو إعجاب أو مفاجأة…
وأقدّر أنّ بعض المستعربين أدركوا بعض هذه اللطائف، أو الخيط الناظم بين الإسلام والبيئة التي نشأ بها ودرج، أكثر ممّا تدركه «الجهاديّة الأصوليّة» التي»تؤبّد» الدين في أنساق إطلاقيّة. من ذلك ما يقوله هاملتون جب ـ وفي كلامه مقدار كبير من الصواب، يعرفه كلّ من قرأ الشعر الجاهلي، واستأنس بـ»المفصّل في تاريخ العرب» لجواد علي ـ من أنّ أساس مبنى الفكر في الإسلام «إحيائيّ» تدلّ عليه جوامعه وهي:
أ ـ المواقف والمعتقدات البدائيّة التي ظلّت حيّة في ثقافة الإسلام،
ب ـ تعاليم القرآن والسنة النبويّة،
ج ـ المدوّنة الكلاميّة والفقهيّة،
د ـ تأثير الطرق الصوفيّة.
والإسلام من حيث هو»تصوّر دينيّ للحياة» نشأ في مجتمع مؤمن بـ»الإحيائيّة»، برغم أنّه «لم يستمدّ أصوله ولم يتطوّر من صميم ذلك المجتمع، بل هو على الضدّ من ذلك كان ثورة على المبادئ الإحيائيّة العربيّة، ولكنّه لم يستطع إلاّ أن يتمثّل ـ بعض الشيء ـ لون البيئة التي فيها نشأ». فقد كان العرب شأنهم شأن شعوب أخرى كثيرة، يرون في كثير من الموجودات مجْلى للقوى الغيبيّة أو مثابة لها، كما يدلّ على ذلك اعتقادهم في القوى السحريّة التي تتخذ من تلك الموجودات، كالأنصاب المسكونة والأشجار المقدّسة والآبار، مساكن تتردّد إليها أو هي تقيم بها، أو اعتقادهم في موجودات تحلّ فيها كائنات بعضها من البشر كالسحرة والعرّافين والشعراء، وأكثرها من غير البشر مثل الجنّ. ولقد تقبّل العرب «الوثنيّون» التعاليم القرآنيّة، كما يقول هاملتون جب، «دون أن يتخلّوا تمام التخلّي عن معتقداتهم القديمة. فكان ما حقّقه محمّد لديهم هو أنّه فرض قوّة مسيطرة عليا باسم «الله القوي المتعالي» وجعلها فوق ما عندهم من حصيلة «إحيائيّة». وبذلك ظلّ الموروث العربي قائما تحت هيمنة ذلك القادر الأعلى. ومن أمثلة ذلك إيمانهم بالسحر، وبالقوى الغيبيّة والقرينة أو التابع، وما إلى ذلك من معتقدات قديمة مصبوغة بصبغة إسلاميّة. غير أنّه من المفيد، في هذا السياق أن نفرّق بين المعتقدات الإحيائيّة والرموز الإحيائيّة. فكلّ الأديان الحيّة تحتفظ في نظره، بعدد معيّن من الرموز نابعة من المعتقدات والشعائر الإحيائيّة؛ ومن شأنها أن تساعد في شحذ المبنى التخيّلي الذي تنبثق منه الرؤى الحدسيّة الدينيّة، ولكن بعد أن أضفوا عليها معنى جديدا، وخلّصوها من غمار الموروث الإحيائي.
يقول جب إنّ التفرقة التي نعنيها تفصل بين من لا يزال الرمز الإحيائي يحمل لديهم ملابسات إحيائيّة، ومن اتخذ الرمز عندهم قيمة جديدة ومغزى ساميا. ويعزّز جب طرحه بشعائر الحجّ التي احتفظت بملابساتها الإحيائيّة، ولكنّ وجود مزار مشترك عامّ يوحي باعتراف القبائل بإله مشترك. ومثال ذلك أيضا تقديس الحجر الأسود في الإسلام، فقد كان في الأصل رمزا إحيائيّا، فحوّله النبي إلى شعيرة مرتبطة بعبادة الإله الواحد، على نحو ما تحوّلت قرابين الهيكل وأكل القربان الوثني إلى قربان مسيحيّ مقدّس… ليخلص إلى «أنّ محمّدا شأنه شأن غيره من الرسل، تجنّب أن يفرض على عقول أتباعه كيانا جديدا غريبا من الأفكار؛ فاحتفظ بالرمزيّة الدينيّة التي كانت لدى قومه، بكلّ ما فيها من قوّة موروثة، لاستثارة ملكاتهم الخياليّة؛ إلاّ أنّه نقلها من إطار إحيائيّ إلى آخر توحيديّ».
أمّا حكاية القرش وابنه التي افتتحت بها هذا المقال، فنصّ كتبته منذ شهرين، فاتحة لمحاولة روائيّة وسمتها بـ»جمهوريّة جربة»؛ لا تزال في بداياتها. على أنّ ما أغراني بصياغة هذه «الحكاية»، حال العالم العربي الذي تتجاذبه لا قوى الهيمنة العالميّة فحسب، وإنّما أيضا قوى أخرى داخليّة مثل «القومجيّة» التي لم تحرّر شبرا واحدا من أرضها المحتلّة (حال النظام السوري) أو «الأصوليّة الجهاديّة» التي لا تكتفي برسم صورة هجينة للإسلام والمسلمين، وإنّما هي تلعب لعبة الأنظمة أيضا؛ وهي تبذر فينا بذرة الخوف حتى من أنفسنا، ومن ديننا الذي يُفترض أن يكون سبيلنا إلى إنسانيّتنا.
كاتب تونسي
منصف الوهايبي