تزداد الحالة الوطنية التونسية تعقيدا بسبب سوء الوضع السياسي للأحزاب، خاصة الحاكمة منها، في الوقت الذي باتت فيه أشكال الانتهازية في الأوساط الحزبية التونسية بارزة ومكشوفة أمام الجميع، يعكسها العراك المحموم على الكراسي، الأمر الذي يجعل أغلب الأحزاب التونسية غير المنظّمة هيكليّا لا متجانسة وسرعان ما يصيبها داء الانشقاقات لأنّ منطق المناصب والزعامة هو الغالب.
وهنا يتمظهر الخطر الحقيقي الذي يهدّد المواطنة التونسية والحالة الوطنية ككلّ، فباستثناء حزب أو اثنين على أقصى تقدير بُنيت على أساس أيديولوجي، وهما تحديدا حزب النهضة والجبهة اليسارية تبقى بقية الأحزاب شتات أشخاص تجمّعت حول فرد ابتغاء المناصب على اختلافها، ولعلّه سياق يدفعنا إلى تذكّر بيئة الوحوش في «السافانا» أو» أدغال أفريقيا» فهناك أيضا يوجد من يقود الضباع نحو تقاسم الفريسة. ذلك يعني أن انهيار التماسك الاجتماعي يمثّل حالة قابلة للتحقّق والسؤال المطروح اليوم: إلى أين يقود مثل هؤلاء البلاد والعباد في غياب المشروع والرؤية وانغماس الجميع في مناقشة سفاسف الأمور وصُغرياتها، دون النظر في الفكرة والبحث في ثوابت الوطن وقضاياه الحقيقية، وإن كنّا نعلم حق العلم أنّه حال تضارب المصالح تبرز أشكال الانتهازية وتطفو طلبا للمعطى المصلحي الضيّق.
هناك خطر حقيقي محدق بالبلاد التونسية، إنّه خطر الفراغ، فالنخب الحاكمة مُفلسة في مُجمعها والطّابور الآخر في دكّة الاحتياط يبحث بدوره عن فرصة ليغنم ويفسد في البلاد، كما فعل غيره وجميعهم ضاعت قوة الإبصار لديهم، لأنّ الوجهة واحدة والمطلوب مرغوب عند السواد الأعظم منهم، وهم مستميتون في ذلك، وهو ما يفسّر صراع الأشخاص حول الزّعامة في مختلف الأحزاب، أو بالأحرى الحوانيت والبيوتات الموجودة الآن، والمؤسف في كلّ ذلك هو إضاعة الوقت مع حشود سياسية مفلسة معطى ونتيجة، ما يضيع فرصة إصلاح حال البلاد والعباد لو مُكّنت الفئة القليلة الصامتة والمغيّبة قسرا عن المشهد العام، فإن كانت هناك شخصيات وطنية صادقة مُنعت من القيادة في مستوياتها المتعدّدة فإنّ مثل هؤلاء يشهدون على ظلم الواقع وقرف المشهد الوطني في عموميته، وإن كانت ثمّة فرصة لإنقاذ الوطن من هاوية الإفلاس السياسي والاقتصادي، فالحلّ يكمن في إزاحة فاقدي الأهلية من الفشلة المتعاقبين والمدجّجين بالحمق والتّغفيل والمكبّلين بالطمع والانتهازية واعطاء الفرصة لنقاء السيرة، وأهلها موجودون على قلّتهم.
قد لا يتّسع المجال لسرد حصيلة الإدارة العظيمة للنخب الحاكمة منذ 2011 إلى أيّامنا هذه فالملف الاقتصادي موجود في حقيبة كريستين لاغارد، أمينة أسرار البنك الدولي، ومن حقّها أن تفرض الاملاءات على الدولة التونسية ولن يتغيّر الأمر حتى بعد مؤتمر الاستثمار المنعقد هذه الأيام، مادام معطى الفساد متواصل تواصل غياب الرؤية وافلاس النخب التي تسهر على الملف السياسي المفضوح للجميع.
وهي نخبة وفيّة لما رسم لها من منهج وبارّة بالوصية الغربية التي كرّست القطرية وغيّبت إمكانية المشاريع الوحدوية أو التكاملية. ولا نرى اختلافا بين الديكتاتورية العربية في ثوبها القديم والحكومات الجديدة في سياق ما يسمّى «الربيع العربي» ضمن معطى المنهج المعتمد أو السياسة المتّبعة، فالحكومات القائمة اليوم تنساق بدورها وراء إرادة الغرب الذي يحمل تاريخا مؤسفا من الظلم والاستعباد، وهي تواصل المسارات نفسها خاضعة في سياقاتها لإملاءات المنظمات الدولية التي تستغلّها الدول المارقة، وعلى رأس هذه المنظمات «الأمم المتحدة» التي لها تاريخ مخز من المعايير المزدوجة وحاضر مؤسف من الخطابات المراوغة.
إنّه المخزون ذاته من الكليشهيات التي جرى تصميمها للإقصاء والتّغييب وترك الحكم في أيدي عُصبة ولا يمكن التحدّث عن حكومة جرى انتخابها لتمثّل الناس، وإنّما الأمر لا يتعدّى كونه مجلسا سياسيا زبائنيا، وإذا كان الأمر كذلك خلفا من بعد سلف فإن مأساة الشعوب العربية ستتواصل إلى أن يأتي ما يخالف ذلك.
٭ كاتب تونسي
لطفي العبيدي