في المعنى المستغلق: ما بين الأذن والعين

لعلّ التفسير الذي يتبادر إلى الذهن كلّما تعلّق الأمر بـ«المعنى المستغلق» في هذا النصّ أو ذاك؛ أنّ المشكل قضيّة نقديّة نسبيّة ترجع إلى المتلقّي مثلما يمكن أن ترجع إلى المتكلّم، أو إلى السّياق. وبالتّالي فإنّ مدارستها تستلزم بحثا في القرائن التي تقضي باختيار معنى على معنى عند المتلقّي. وهي قرائن قد تكون دينيّة أو اجتماعيّة تتعلّق بالقيم السّائدة، فيكون تقدير المعنى أو»المقبوليّة» بسبب من نظام القيم، صرّح القارئ بذلك أم لم يصرّح؛ وقد تكون هذه القرائن نفسيّة أو ذاتيّة.
إنّ نظام القيم نظام متنوّع فهو أخلاقيّ وجماليّ و»مخياليّ» يفترض فيه أن ينظّم العلاقة بين المبدع والمتلقّي، فإذا نأى عنه القول فإنّ «مقبوليّته» قد تتقوّض أو يعتورها الشّكّ والاحتمال. وربّما، بسبب من ذلك، ميّز أكثر القدامى بين الأقوال المعقّدة لفظا وتلك المعقّدة معنى، وأرجعوا الأولى إلى علّة في الكلام كتقصير اللفظ عن المعنى أو إلى مواضعة يقصدها المتكلّم بكلامه، وأرجعوا الثّانية إلى علّة في المعنى المستودع أو إلى علّة في السّامع المستخرج أي المستنبط للمعاني، وهي علّة ذاتيّة أو طارئة. فالشّاعر مثلا قد ينتج تنظيمات أو ترتيبات قوليّة، كأنْ يستعمل القواعد استعمالا مخصوصا فيعتري كلامه التباس أو شبهة، أو كأنْ يتحوّل المدلول عنده إلى دالّ فيستغلق المعنى. وعليه فـ»المعنى المستغلق» هو المعنى «السّجين»، ووظيفة الشّرح إنّما هي فكّ عقاله وتخليصه من «أسْر» الكلام. وها هنا يكون من الرّجاحة بمكان إعادة النّظر في مفهوم المعنى حتّى لا نتورّط في الأخذ بما يردّده بعض المعاصرين من أنّ نظريّة الشعر القديمة مثلا، تحتفي بالمعاني العامّة على حساب المعاني الخاصّة؛ لأنّ الشّعر في عرف أصحابها ليس إلاّ صياغة فنّية لجملة من القيم والمثل السائدة. فهذا الرّأي لا يأخذ بالاعتبار تمييز القدامى بين الخاصّ والمشترك من معاني الشّعر. فالخاصّ هو البديع المخترع الذي يختصّ به الشّاعر، والمشترك هو الجاري في عادات النّاس المستعمل في أمثالهم ومحاوراتهم «ممّا ترتفع الظنّة فيه عن الذي يورده أن يقال إنّه أخذه من غيره». ذلك أنّ مردّه إلى المتن اللّغويّ الذي تنتجه القواعد اللّغويّة بذاتها. وفي احتفاء العرب بـ»السّرقات» ما يؤكّد رأيهم في أنّ المعنى المسروق لا يخلو من حالين، فهو إمّا مملوك لأنّه ينجز الأحكام النّحويّة واللغويّة في هيئة مخصوصة، أو هو مُعار فهو استعادة وتأليف. وعلى هذا الأساس قد يتسنى لنا أن نفهم أسباب عنايتهم بالمعنى الشّعريّ «المستغلق» أو «المشكل» من الشّعر ما دام هذا «المستغلق المشكل» يتجسّد في هيئات وصور مختلفة، وليس أمرا ثابتا لا يتغيّر فقد يكون تغييرا في صورة المعنى المتداول أو المشاع اللّفظي؛ مثلما يمكن أن يكون تغييرا في صورة المعنى الخاصّ أو المملوك. وقد تنبّه النّقاد والشرّاح إلى أنّ استغلاق بعض معاني أبي تمّام مثلا؛ يرجع إلى خفاء العلاقة بينها وبين الأصل الذي أخذت منه. وكانت لبعضهم نباهة فتفطّنوا إلى أنّ المشكل يضيف المعنى وينتج المزيّة.
يمكن استئناسا بما تقدّم أن نرجع وقوف القدامى على نصوص بعينها، إلى مظهرين من مظاهر الإدراك: أوّلهما نسمّيه «ثابت الإدراك» وثانيهما «متحوّل الإدراك.
على أنّ من أهمّ الظـّواهر التي تسترعي انتباه القارئ، في مدوّنة القراءة عند القدامى أنّ الشّواهد المعتمدة هي نفسها أو تكاد. وقد لا يستغرب ذلك في ثـقافة ظلّ أساسها- على شيوع الكتابة بنسبة أو بأخرى- النـّقل والحفظ والانتماء الحميم إلى المعروف المتداول. والسّؤال هو: لِـمَ أفضت نصوص وصور وألفاظ وتراكيب إلى قراءات متماثلة، تكاد تجري في مسارات واحدة وتتـّصل حلقاتها بعضها ببعض؟
الجواب الذي نسوقه بشيء من الاطمئنان هو أنّ هذه القراءات المتماثلة ترجع إلى ثابت الإدراك أو ما يمكن أن نسمّيه «التقليد التّثبيتي» الذي يرى أصحابه أنّ المعاني ثابتة أو هي «مطروحة في الطّريق» بعبارة الجاحظ الشّهيرة؛ لأنّها محكومة بمواثيق وسنن.على حين أنّ أنصار التقليد «السياقي» يرون أنّ المعنى ليس ثابتا أبدا، بل هو يتغيّر بتغيّر السياق.
تسوق هذه الشّواهد من جُمل وصور وتراكيب وألفاظ- كلـما اختلفت قراءتها من متقبّل إلى آخر- إلى القول إنّ الإدراك يتغيّر بتغيّر السّياق. وفي هذه الحال لا نملك إلاّ أن نتساءل إن كان السّياق الشّعري يُكرِه على فهم النصّ وفكّ معناه المستغلق، بطريقة متماثلة عند سائر القرّاء، أو إن كان يفسح المجال لتنوّعات واختلافات فرديّة؟
أمّا المظهر الأوّل الذي نعزوه إلى إدراك عامّ «ثابت» فيمكن أن نردّه إلى سمات في النصّ مألوفة مثل الإيقاع أو»النـّظم» أي تعليق الجمل بعضها ببعض، وجعل بعضها سببا من بعض. فقد يشدّ الإيقاع القارئ، فيتمثّل معنى الرّسالة الأوّل ويدركه مستأنسا بحدّ أدنى من معرفة اللـّغة والمعجم والتركيب أي «المكاسب الأوّليّة اللاّزمة للفهم» بعبارة أمبرتو إيكو. وهذا ما يميّز أكثر من شرح وأكثر من تفسير؛ كلـّما تعلـق خاصّة بنمط من نصوص، يَهبُ نفسه للقراءة بلا تمنّع. ويمكن أن نسمّي هذا النـّمط «العنصر المقيّد» في النصّ، وأن نعدّه دليلا على إدراك عامّ قادحه معطى موضوعيّ فيه؛ كأنْ يكون عبارة بسيطة هي جزء من فهم اللغة المشتركة أو وقعا أو إيقاعا مأنوسا أو ما يسمّيه العرب «ماء الشّعر» أي ما سهل من الكلام، وساغ في الأذن وعذب. وهذه مزيّة النصوص المحكومة بطابع شفويّ عادة، أي تلك المقيّدة بقيود صوتيّة مخصوصة كما هو الشـأن في الأناشيد الشّعائريّة، حيث للصّوت ما قورن ببقيّة الحواسّ علاقة بدخيلة المرء فريدة. فلا غرابة أن تتنادى الشّروح وتتواصل، وأن تكون انطباعات القرّاء متماثلة،؛ فالصّوت يجمع ويشج ويكوّن وحدة الجمهور. والأذن تستلزم القرب والمباشرة والاتّصال مقابل العين التي تفرّق وتقتضي الإيضاح والتـّمييز باعتبارها حاسّة البعد والمسافة والانفصال أو ما هو كتابة وصورة وأثر.
ولها من القدرة ما يجعلها- بخلاف الأذن المنفتحة أبدا- تنغلق ولا تخلص إلى موضوعها إلاّ عبر مداورة وتبصّر. والفضاء المسموع ذو بعد واحد، فمن الطـّبيعيّ أن نعزو القراءات المتماثلة إلى «ثابت الإدراك» كلّما تعلـّقت بنصوص تشِجُ صلة المرء بما هو نقل وحفظ وذاكرة أو ثقافة سرد ورواية تاريخ. غير أنّ هناك عنصرا آخر في النصّ يمكن أن نسمّيه «العنصر المقيّس» وهو نمط من أبيات وصور وألفاظ وتراكيب ليس من المعلوم المتواتر؛ فلا ينبثـق دفعة واحدة، وإنّما يتكشّفه السّياق ومعرفة القارئ العميقة بالجنس أو النوع الأدبي الذي ينضوي إليه النصّ. وكثيرا ما يكون تأويل هذا النّمط اضطرارا محوره بحث عن مقايسة في الصّورة أو عن مشابهة سياقيّة، خاصّة أنّ الأمر لا يتعلـّق دائما في هذا النّمط، بعدول عن حقل معجميّ إلى آخر يدفع القارئ إلى تجميع كلمتين أو أكثر تجميعا حرّا مرسلا، وإنّما بعدول مقيّس في النصّ. وهذا ما يجعلنا نذهب إلى أنّ العناصر المقيّسة في النصّ تنضوي إلى الإدراك العامّ، إذ هي مقيّدة مثبّتة في نسيج النصّ من جهة، وراجعة إلى ثابت المعنى في المعجم والتركيب النّحويّ، من أخرى. ولذا هي تفكّ من داخل النصّ، لأنّه يحتوي على أدوات فكّها.
ما شغل القدامى حقـّا في نصوص غير قليلة دينيّة وأدبيّة؛ إنّما هي صور واستعارات وتراكيب واجهتهم بغرابتها المثيرة وثبتت لإدراكهم. وقد أشكل عليهم أمرها إذ أعدمتهم إشارات في النصّ من شأنها أن توطئ فهمها، وتسوّغ تأويلها، فلم يكن بدّ من تدخـّل القارئ؛ حتى لا تبقى معلـّقة مقدّرة.
من أيّ الطـّرق أتوا هذا الغريب المشكـل؟ وعلى أيّ الوجوه صرفوه؟ وبأيّ أدوات قهروا صلابته؟ أهي أدوات تتعلـّق بإدراك فرديّ أم جماعيّ؟ أهي مبنيّة على رسوم خياليّة أم ثـقـافيّة؟ الوصف الجامع لأكثر هذه النصوص أنّها صور لا تفصح عن معناها أو مدلولها للوهلة الأولى، فهي لا تحيل إلى تجارب يمكن إدراكها بالحواسّ، ولا على تجارب مماثلة لتلك التي يمكن استخلاصها من عالم الواقع والمعيش، ولا على التـّجربة من حيث هي اللـّغة نفسها أو معرفتها. فكان» الغريب» عند هؤلاء القدامى، ما يندّ عن الفهم أصلا، أو هو الذي يمكن أن يدرك بالتـفكّر والرّويّة والتماس التّخريجات البعيدة؛ فإنْ أعدمهم المعنى فبالحدس والظّنّ. وتترتـب عن ذلك أسئلة شتـّى محورها «المعنى»؛ أهو معطى للمنشئ ذاتيّا وللقارئ موضوعيّا أم هو معطى بواسطة جدل بين معنى ظاهر وآخر باطن؟ بل ألا يمكن أن يكون النصّ نفسه خلوا من المعنى؟

ناقد وأكاديمي تونسي

منصف الوهايبي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية