في المهرجان الأورو – متوسطي في تونس: إضاءآت على مسرح المتوسط.. ومحاكاة لتحولات الواقع بمنظور شبابي

حجم الخط
0

تونس – «القدس العربي:» بعد غياب دام خمس سنوات انطلق المهرجان الأورو متوسطي لمسرح الشباب في تونس في دورته السابعة مقدما مقاربة من منظور شبابي نقدي للتحولات التي يشهدها العالم العربي. المهرجان الذي تنظمه المندوبية الجهوية للثقافة بضاحية أريانة (في الفترة من 16 و22 آب/اغسطس ) شهد مشاركات فرق مسرحية شابة من دول عديدة أبرزها مصر والمغرب والجزائر وتركيا وفرنسا وليبيا ولبنان واسبانيا ورومانيا والنمسا. وكان مناسبة لالتقاء الشباب من مشارب ثقافية متنوعة على أرض الخضراء يجمعهم العشق اللامتناهي لعوالم الفن والمسرح .
تحت شعار «حرية، ابداع، انفتاح» وفي إحدى ضواحي العاصمة التونسية (أريانة التي كانت تسمى سابقا مدينة الورود) اختار القائمون على المهرجان انطلاق الفعاليات الثقافية بلقاء حواري مع المخرج الاسباني «خوزي مانويل منديز فرانكو» حول المسرح وإرادة الحياة، كما كان للجمهور التونسي موعد مع جلسات نقاشية خصصت للحديث عن الأعمال الفنية التي تم تقديمها.

بين الوهم والواقع

انشغالات الشباب بواقعهم الحياتي الصعب والتحديات التي تواجههم في بلدانهم كانت لافتة في عديد الأعمال التي عرضت على مسرح الهواء الطلق في أريانة وفي المركز الثقافي والرياضي في المتنزه ومن ذلك عرض فرقة أناكوندا المصرية «نقطة من أول السطر» الذي حاول من خلاله المخرج المصري محمود موسى ان ينقل مشهد التخبط في العالم العربي في كل الميادين، في الفكر، التعليم، وفي الدفاع. كما كان للقضية الفلسطينية حضور بارز في العمل من خلال التركيز على حالة التراخي التي يتعامل بها العرب مع قضيتهم الأم.
«نقطة من أول السطر» تعكس الواقع العربي الذي يبدو وكأنه يدور في دوامة مغلقة دون الوصول الى الهدف ويختزل العمل أسباب الفشل العربي في التردد ونقص روح المبادرة والعزيمة.

الصراع بين الوهم والحقيقة

تحدث فتحي مصطفى ابراهيم رئيس مجلس ادارة جمعية «أهالينا للعلوم والثقافة» ومدير أعمال فرقة «اناكوندا للمسرح» عن المشاركة المصرية في مهرجان الشباب واوضح لـ «القدس العربي» ان «مسرحية نقطة من أول السطر تسلط الضوء على عادة العرب بأن يبدأوا قضية ما دون حلها الى ان أصبح هناك تراكم هائل من المشاكل الأمر الذي خلق حالة من الفوضوية». وقال ان العمل يتحدث عن السلبية المطلقة لدى العرب تجاه المشاكل التي تواجههم، فالحروب والتناحر تختزل حال العرب. وأضاف ان العمل يقدم رؤية جديدة عن المسرح العربي تنبع من أقصى الجنوب المصري، من الطيبة التي شهدت ولادة الحضارة الفرعونية. واعتبر ان المهرجان يشكل فرصة لتلاقي الشباب والتعارف وهذا بحد ذاته يعتبر قيمة عالية.
وبالرغم من ان المهرجان كان مخصصا لفسح المجال أمام إبداع الشباب إلا أن الأعمال التي تم عرضها شهدت مشاركة فنانين من مختلف الأعمار. ويفسر فتحي ابراهيم هذا المعطى بأن التلاقح في التجارب بين مختلف الأعمار هو سر نجاح اي عمل. «نقطة من أول السطر» هي حوار بين شاب يريد الهرب من واقعه ومجموعة أخرى من الممثلين هي عبارة عن قوى مضادة تجذب إلى الوراء تسعى إلى إعادته إلى المربع الأول. «اكره الحقيقة ..اصنع من وهمك كل المستحيلات واجعله واقعا..وبدله بوهم آخر أسهل من إبداله بواقع آخر فلم تعد هناك أية معايير ..فلتسقط المعايير ولننصب الوهم ..» يصرخ أحد أبطال العمل المسرحي في مشهد مؤثر، ثم تنطلق ضحكة ساخرة تمتزج بموسيقى تعبر عن أحزان الواقع المر ليطرح السؤال: «من الذي وضع النقطة؟ من يمكن أن يزيل النقطة؟ أنا دليل من غير نقطة، سهام ودماء تنزف مني كنهر يتصبب عرقا، ماذا تبقى لي؟.»
يتعلق الأمر إذن بمسرح ذهني شخوصه أفكار تتصارع، شبيه بذلك الذي أبدع في كتابته المصري توفيق الحكيم والتونسي محمود المسعدي وآخرون من عرب وغربيين، ويجسد الصراع بين الواقع المر والوهم. يتساءل بطل العمل:»من أنا.. من أنتم؟ وتنطلق صرخة وجع تختزل الخسارة حينما يتلاشى الوهم وينقشع الغمام عن زمن الوحدة»…
يقول الفنان المصري بطل هذا العمل عبد الرحيم أحمد «ان العمل عبارة عن مشاهد متصلة ومنفصلة تنوه الى المشاكل التي يعاني منها المجتمع المصري بشكل خاص والعربي بشكل عام» . ويضيف: «ان محور المسرحية يدور حول النقطة التي تحدد الفرق بين «الدليل» و»الذليل» في تجسيد للصراع على الحكم».

فلسطين حاضرة في الغياب

ورغم عدم تمكن فرقة مسرح عشتار الفلسطينية من الحضور بسبب العدوان الإسرائيلي على غزة لتقديم عرض «مونولوجات غزة» فإن فلسطين كانت حاضرة في قلب المهرجان من خلال بعث رسالة تحية وتقدير الى الشعب الصامد في غزة قبل انطلاق العروض. وقالت المسؤولة الإعلامية للمهرجان السيدة حبيبة بن سالم لـ «القدس العربي» في هذا الإطار ان فلسطين كانت غائبة جسديا فقط لكنها حاضرة في قلوبنا جميعا.
لقد فتح المهرجان الاورو متوسطي نافذة على الإبداع الشبابي وطرح جملة من الاسئلة يتعلق أبرزها بالصراع القائم في المنطقة وأسباب حالة الضعف التي يشهدها العالم العربي والتناحرات التي باتت تأخذ سمة أكثر طائفية. وتميزت العروض التي قدمت بأطروحات تنوعت بين القضايا السياسية والاجتماعية والفكرية كما اختتم المهرجان بتكريم عدد من المبدعين من أمثال الفنانة المسرحية التونسية حليمة داود.

روعة قاسم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية