ونحن نكتب هذه السطور تنعقد في مقر الأمم المتحدة، بمناسبة اليوم الدولي للمرأة الذي يقع في الثامن من آذار/مارس من كل عام، الدورة التاسعة والخمسون للجنة وضع المرأة، التي تستمر لمدة أسبوعين بهدف مراجعة منهاج إعلان بيجين الذي اعتمد عام 1995 في المؤتمر العالمي الرابع حول المرأة وصياغة برنامج جديد طموح، بهدف الوصول إلى المساواة التامة عام 2030 أطلق عليه 50:50 -2030. وفود من كل العالم جاءت تستعرض إنجازاتها في مجال تحقيق المساواة بين الجنسين، وتمكين المرأة وإدماجها في عملية التنمية والإنتاج وآليات اتخاذ القرار، وتغيير كافة التشريعات التي تلحق الضيم والأذى والدونية والتمييز والتهميش والعنف بالمرأة. وللحقيقة فإن إنجازات كبيرة تحققت على مستوى العالم، خاصة في أمريكا الجنوبية وبعض الدول الأفريقية، لكن المشوار إلى المساواة التامة ما زال طويلا. ووجدنا أن من باب المعرفة والغيرة والتحريض أن نراجع ما أنجزت بعض دول العالم مقارنة بمنطقتنا العربية، التي ما زالت بالإجمال متخلفة عن الركب وتنتج أجزاء منها التخلف والفكر المتطرف والطائفية، وتناقش جدارة المرأة في قيادة السيارة وضرورة تنقيب وجهها أو تخميره، وتؤكد أن صوتها عورة ووجهها فتنة وعينيها سلاح فتاك يجب أن يكسر، متناسين عمدا أو جهلا أن الفروق بين النساء والرجال في زماننا يختلف عمّـا مضى من أيام، وأن العلم والمعرفة والمهارات والتدريب والخبرة قلصت البون بين الجنسين المتطابقين والمكملين لبعضهما بعضا ولا تستقيم حياة أو حضارة أو عمران أو نهضة أو تنمية مستدامة أو استقرار أو سلام بدون الاثنين معا وجنبا إلى جنب ويدا بيد.
المرأة في مراكز صنع القرار في العالم
نظرة سريعة إلى هذا الكون المترامي ووضع المرأة فيه، نستطيع أن نلاحظ على وجه السرعة أن أعدادا متزايدة من النساء دخلن معترك الحياة السياسية ووصلن مناصب رئاسة الدولة أو رئاسة الوزراء، وفزن في الانتخابات وتبوأن هذا الموقع الرفيع، لثقة غالبية أبناء شعوب تلك الدول في حكمة المرشحة وقدرتها على قيادة البلاد بشجاعة ودراية عاليتين، والقناعة بأن الحكمة في القيادة الفذة ليست حكرا على الرجال، بل قد تتقنها النساء وبطريقة أفضل من الرجال على طريقة القيادات (الذكورية) في المنطقة العربية. ونود أن نقدم هنا شيئا من الحقائق والإنجازات التي حققتها نساء عظيمات جلسن خلف مقود القيادة فأبدعن وما زلن.
باستعراض سريع لخريطة المواقع الرئاسية في العالم، نجد أن هناك نحو 15 دولة تجلس النساء فيها على كرسي الرئاسة، منها دول عظمى كالبرازيل ورئيستها الفذة ديلما روسيف، التي تخدم بلادها لدورة ثانية، وما زلنا نذكر تقريعها للرئيس الأمريكي أوباما في الجمعية العامة في دورة 2013، بسبب التجسس على بلادها. وفي عهدها أطاحت البرازيل ببريطانيا من الموقع الاقتصادي السادس في العالم لتجلس مكانها وتتراجع بريطانيا إلى الموقع السابع. ونذكر كذلك رئيسة الأرجنتين كريستينا فرناندز التي تتفاخر بتوسيع سوق العمالة وتخفيف الديون عن بلادها وتمرير قوانين عديدة لحماية الأطفال. أما رئيسة تشيلي، ميشيل باشيليه، فهي مفخرة لكل أمريكا اللاتينية، فقد انتخبت لدورة رئاسة لمدة أربع سنوات (2006-2010) بنسبة 53٪ ثم خرجت من قصير المونيدا لأنها لا يجوز حسب الدستور خدمة دورتين متتاليتين (مقارنة برؤساء إلى الأبد عندنا) ثم عادت ورشحت نفسها بعد أربع سنوات وفازت في الانتخابات (2014) بنسبة 62٪ ووصلت نسبة تأييد إدارتها في نهاية الدورة الأولى إلى 84٪. كما أن كوريا الجنوبية انتخبت أول سيدة هي كون هيه بارك وحققت إنجازات اقتصادية ضخمة وتتميز بموقفها الصلب من تهديدات جارتها كوريا الشمالية، التي يعاني 70٪ من سكانها من المجاعة، بينما تحتل بلدها الموقع الاقتصادي الرابع عشر في العالم. وهناك العديد من الرئيسات اللواتي انتخبن في بلادهن مثل صربيا وسويسرا وكوستا ريكا (لغاية مايو/ايار 2014) ولتوانيا وليبيريا وملاوي وكوسوفو. كما أن منصب رئيس الوزراء، كأعلى سلطة في الهرم الحكومي تحتله نساء في بلد مثل ألمانيا حيث تعتبر أنجيلا ميركل أقوى قائد في أوروبا بدون منازع، يتسابق إلى رضاها قادة كبار لتسعف اقتصادياتهم المنهارة، وقد صنفت أقوى امرأة في العالم لتسع سنوات متواصلة من قبل مجلة «فوربس» منذ عام 2005، بالإضافة إلى بنغلاديش وترينداد وتوبيغو وتايلند والدنمارك وجامايكا وسلوفينيا والنرويج. ولو جمعت الدول التي شهدت انتخاب رئيسة أو رئيسة وزراء لزاد العدد عن 70 دولة، من بينها أيضا دول مهمة مثل الهند وباكستان وتركيا وأيرلندا وسري لانكا، وطبعا لا نستطيع إلا أن نتذكر رئيسة وزراء إسرائيل غولدا مائير صانعة الحروب، ورئيسة وزراء بريطانيا المرأة الحديدية مارغريت ثاتشر ورئيسة وزراء الهند العظيمة أنديرا غاندي، التي اغتالها إرهابيو السيخ عام 1984، كما اغتال إرهابيو وادي سوات بنظير بوتو في باكستان عام 2007. ومن مراجعة للقائمة هناك نساء من كل الديانات وكل القارات وكل الأعراق.
وأود أن أجازف من الآن لأعلن أنني أتوقع أن يكون الرئيس القادم للولايات المتحدة إمرأة وهي هيلاري كلينتون، إلا إذا حدث ما لم يكن في الحسبان، وبالتالي ستتـــــبوأ المرأة قيادة أعظم قوة في التاريخ.
وأسباب هذا التوقع كثيرة من بينها تجاوز الشعب الأمريكي مسألة اللون والدين والجنس، وزيادة الحجم الانتخابي للأقليات، كالسود والمثليين والمهاجرين وجيل الشباب وغياب قيادات من الوزن الثقيل للحزب الجمهوري وشعبية زوجها بيل كلينتون، والدعم المتوقع من الرئيس أوباما بعد أن يترك البيت الأبيض كنوع من رد الجميل، ودعم الصهاينة وأنصار إسرائيل لهيلاري بعد أن أثبتت لهم مرارا إخلاصها الأعمى لإسرائيل وحشد النساء الأمريكيات وراءها لانتخاب أول رئيسة للولايات المتحدة.
المنطقة العربية هي الاستثناء
لقد حققت النساء العربيات في العشرين سنة الماضية العديد من الإنجازات، خاصة في مجالات «التعليم والصحة والانضمام للاتفاقيات الدولية ووضع الخطط والاستراتيجيات والبرامج وتخصيص الموارد المالية والبشرية لتنفيذها وفي تشكيل آليات ومؤسسات وطنية معنية بقضايا المرأة»، كما تقول ريما خلف، الأمينة التنفيذية للجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا).
لكن الإنجازات تلك لا تقارن أمام الإخفاقات الكثيرة، خاصة في وضع نساء في مواقع القرار ليس لعدم وجود نساء مؤهلات، بل لتمكن العقلية الذكورية القبلية المتحجرة، التي ما زالت تعتبر صوت المرأة عورة ووجهها فتنة ودوها محصور في الطبخ والنفخ والتفريخ، وتلغي دور العقل فيها وتعتبرها مخلوقا ناقصا، وما زال الجدل بين هؤلاء الذين ينتمون للعصور الماضية يدور حول سن الزواج، وغسل العار بقتل الأنثى، وحقها في السفر بدون محرم وحقها في الجلوس خلف مقود السيارة وهل يمكنها أن ترد على الهاتف وتفتح الباب عند رنين الجرس وضروروة ختنها وهي طفلة، وهل تعطي الجنسية لأبنائها وغير ذلك من قضايا كان يجب أن يتجاوزها الزمن.
المشكلة ليست فقط في اضطهاد المرأة بل في النفاق حول المسألة، حيث تتبجح كثير من الدول بمدى الإنجازات التي حققتها المرأة، مشيرة إلى اسم وزيرة هنا أو نائبة هناك، وكأن المناصب على ندرتها هي المقياس. فمن بين الـ22 دولة عربية 16 دولة انضمت لاتفاقية مناهضة كافة أشكال التمييز ضد المرأة والمعروفة بـ(سيداو).
على الورق سمحت القوانين للمرأة بحق الترشح والانتخاب. ففي سوريا اعتمد القانون عام 1949 ولبنان 1952 ومصر 1956 وتونس 1957 والجزائر 1962 والمغرب 1963 والأردن 1974 والكويت 2005. لكن الحقيقة أن الانتخابات، رغم معرفتنا الأكيدة بأن معظمها شكلية، ما زالت ذكورية في غالبيتها الساحقة، ولولا تقديم نظام المحاصصة في بعض الدول كالعراق مثلا (25٪) لربما لم تنجح في الانتخابات إلا واحدة أو اثنتان من مستوى توجان الفيصل أو حنان عشراوي. والحقيقة الأخرى أن التمييز ضد المرأة متأصل في الثقافة والتقاليد والعادات واللغة وأساليب التفكير والعمل والوظائف الحكومية والراتب والتعويضات.
ومع أن القوانين على الورق لا تميز ضد المرأة في كثير من البلاد، إلا أن النساء ما زلن يناضلن من أجل الوصول إلى المساواة التامة في فرص العمل والتقدم في السلم الوظيفي والكسب المتساوي مع الرجل عند أداء الوظيفة نفسها. وعلى المقاس العالمي في تجسير الهوة بين الجنسين يحتل بلد مثل نيكاراغوا الموقع 9 وجنوب أفريقيا 16 والولايات المتحدة 22. بينما الدول العربية تتربع في قاع السلم، فمصر تحتل الموقع 126 والسعودية 131 واليمن 135 وهي آخر دولة على هذا السلم. وجاءت دولة الإمارات كأفضل تصنيف في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لتحتل الموقع 107 وهو كارثي أيضا بامتياز مقارنة مع الدول الأخرى.
ومن المؤكد أن البون بين الجنسين يتقلص في دول العالم أجمع إلا المنطقة العربية، ومن المؤكد أن عدد النساء في مواقع القيادة في العالم سيزيد كل عام، لأن عدد النساء في العالم يزيد قليلا عن عدد الرجال من جهة، كما أن معدل أعمار النساء يزيد عن أعمار الرجال في كل بلدان العالم تقريبا من جهة أخرى، والسبب الثالث أن عدد النساء العاملات والكاسبات لأرزاقهن والمعيلات لأولادهن يرتفع عاما بعد عام، مما يزيد من فرص استقلالية النساء في اتخاذ القرارات بعيدا عن هيمنة الذكر، بما في ذلك النشاط السياسي. فهلا لحق العرب بالركب وعملوا فعلا لا قولا بتضييق الفجوة بين الجنسين وإعطاء المرأة المكانة التي تستحق والتوقف عن معاملتها كأنها إنسان ناقص وكونها أنثى يجب أن يكون مصدر فخر واعتزاز لا مصدر غم وحزن. ونذكر بقوله تعالى «وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم. يتوارى من القوم من سوء ما بشر به. أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما كانوا يحكمون». فهل ما زلنا في عصر الجاهلية؟ ولنتذكر قول أبي الطيب المتنبي:
وما التأنيث لاسم الشمس عيب
ولا التذكير فخر للهلال
٭ أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويورك
د. عبد الحميد صيام