و«انقلب السحر على الساحر»، نعم انقلب سحر الانتخابات الخاطفة التي دعت إليها رئيسة الحكومة البريطانية المحافظة تريزا ماي، لمضاعفة أكثريتها في مجلس العموم على صاحبته، وعصفت رياح جيريمي كوربين زعيم حزب العمال بسفينتها، وكادت أن تقلبها رأسا على عقب، فحقق نتائج أذهلت حتى أصدق الأصدقاء والمقربين، بانتخاب مجلس عموم لا أغلبية فيه لأحد، بعدما كان متوقعا لماي وحزبها أن يحققا انتصارا كاسحا يقضي على ظاهرة كوربين.
أرادت تريزا ماي في خطوة انتهازية أن توجه ضربة قاضية لكوربين، الذي يقف على النقيض منها ومن حزبها، على جميع الصعد الداخلية والخارجية والاجتماعية، فدعت لانتخابات على عجل، مستغلة طبعا الفارق الذي أظهرته استطلاعات الرأي العام بين شعبية حزبها وشعبية حزبه، التي زادت في بعض الاحيان عن 20%، وكذلك الفارق بين شعبيتها كـ»زعيم قوي» كما تصف نفسها، وكوربين «اليساري الحالم الضعيف» الذي لا يمكن الارتكان إليه في التوصل لصفقة جيدة لخروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي.
استهترت هي بالخصم، واستخف بكوربين معظم نواب حزبه، الذين كانوا ينتظرون هزيمته بعدما فشلوا في ازاحته في انتخابات داخلية. فسارت الرياح بعكس ما تشتهي كل القوى التي تكالبت عليه، اليمين واليمين المتطرف في إعلام روبرت ميردوخ الاسترالي، صاحب اكبر مؤسسة إعلامية وصحافية في بريطانيا، الذي يطمع بالمزيد من السيطرة على كامل مؤسسة سكاي نيوز، وتريزا ماي وقادة المحافظين. كما سارت بغير ما كانت تشتهيه حتى جوقة «البليريين» في حزب العمال نسبة إلى توني بلير الزعيم الاسبق الذي ورط بريطانيا في حربي افغانستان والعراق، فوجد بلير وانصاره بين نواب الحزب، في هذه الانتخابات فرصتهم للاطاحة بكوربين، الذي قضى عمليا على مخلفات بلير من «العمال الجدد».
نعم هزم كوربين، تريزا ماي ومخططها، وهزم حزب المحافظين الذي جرته وراءها وسياساته البالية، وهزم إعلام ميردوخ وإعلام اليمين، وهزم البليريين، وهزم مؤسسات استطلاع الرأي العام، التي ظلت حتى يوم الانتخابات تتوقع انتصارا كاسحا للمحافظين وهزيمة نكراء لكوربين ورفاقه الاربعين، من النواب الانصار من أصل 229 نائبا، رفضوا التخلي عنه، في أحلك الظروف، واختاروا البقاء إلى جانبه ليخوضوا معا حرب وجود.
وها هم كبار خصومه داخل حزبه، الذين كانوا حتى اللحظة الاخيرة يتمنون أن يغمضوا عيونهم ويفتحوها ويكون كوربين قد اختفى من الوجود، لاعتقادهم خطأ بأن وجوده على قمة الهرم سيدمر الحزب، ويقضي على طموحاتهم، ها هم يعودون صاغرين ويدعون للانضواء تحت رايته، بعدما تجاوزت النتائج كل توقعاتهم، غيروا مواقفهم بـ180 درجة، بل راحوا يشبهونه ببطلهم توني بلير بشعبيته، طبعا مع التباين بين البرامج والسياسات الداخلية والخارجية للرجلين.
تكالبوا عليه في حملة سلبية متناغمة ومتناسقة للحط من قدراته وطاقاته وصلاحيته لمنصب رئيس الوزراء، وهو الذي قضى على مقاعد البرلمان 34 عاما، فلم يتركوا وسيلة إلا لجأوا إليها لاغتيال شخصية كوربين، ذاك السياسي الهادئ الصادق الصدوق، وأنفقوا الملايين على مواقع التواصل الاجتماعي مستهدفين في المقام الأول شخصه، ووصلت كراهيتهم إلى حد أن أحد مرشحي ومانحي حزبه وصفه «بجاهل، وملحد، وحقود وبغيض». فلم يبال ولم يهن ولم يسقط في مستنقعهم، ولم ينحدر إلى مستوياتهم وظل شامخا ملتزما خلال حملته الانتخابية، على مدار شهرين، بالتركيز على السياسات لا الاشخاص. فكسب احترام الناخبين والجمهور، لا سيما فئة الشباب. حاولوا إقناع الناس بعجزه وعجز وزير ماليته جون ماكدونالد، الصديق الوفي الذي وقف معه في السراء والضراء، رغم تخلي أربعة أخماس نواب حزبه عنه، فانطبق عليه قول الشاعر «ترى الرجل النحيف فتزدريه.. وفي اثوابه أسد مرير/ ويعجبك الطرير (السمين) فتبتليه فيخلف ظنك الرجل الطرير.
شككوا في مصداقيته فاثبت للناخب، أنه السياسي الأكثر مصداقية في التاريخ البريطاني والاكثر التزاما بالقاعدة الجماهيرية الشبابية. شرّٓحوا برنامجه الانتخابي واستعانوا بالخبراء الاقتصاديين، فلم «يجدوا في الورد ما يعيبه فقالوا يا احمر الخدين»، وقالوا «إن أرقامه لا تجمع»، فتبين أن خصومه هم الذين يخططون لامتصاص دماء الضعفاء،
وصفوه بالمجازف وغير الأمين على الأمن القومي والمخاطر بمكافحة الارهاب، فكشف عورات ماي بتقليصها عدد رجال الشرطة أثناء توليها حقيبة الداخلية بنحو 20 الف عنصر. قالوا إنه ليس امينا على السلاح النووي، وإنه لن يستخدمه لتضاربه مع قناعاته، وكان بإمكانه أن يخدع الناس ويكذب كما يفعل غيره من السياسيين، ويسمع الجمهور ما يريد سماعه، ولكنه لم يفعل وتمسك بموقفه المناهض للسلاح النووي،
اتهموه بالشيوعية وزعموا أنه يريد العودة ببريطانيا إلى سبعينيات القرن الماضي، فوعد بتأميم الكهرباء والغاز والماء والمواصلات، التي منحتها مارغريت ثاتشر للمستثمرين على حساب الأغلبية العظمى من عامة الشعب. ووعد المسنين (والمجتمع البريطاني اصبح مجتمع مسنين) بضخ المال في اموال التقاعد والخدمات الصحية التي تعاني من نقص في التمويل والاطباء والممرضات. ووعد بتقديم وجبات غداء لجميع تلاميذ المدارس دون استثناء. خافوه لأنه خلق حالة وقدم بديلا إنسانيا يحمي95 % من الشعب على حساب الـ5 % التي تمتلك معظم الثروة. ولم تكن فلسطين غائبة عن المشهد، وفشلت اللوبيات الصهيونية من بينهم اصدقاء اسرائيل في حزب العمال، في استغلالها ضده، وهو المعروف بتأييده الشديد لقضية الشعب الفلسطيني، وحقه في تقرير المصير واقامة دولته المستقلة. فأورد اسم فلسطين في برنامجه الانتخابي في الصفحة 118، التي تنص على أن الحكومة العمالية ستعترف فورا بدولة فلسطين. والشيء بالشيء يذكر فقد لعب كوربين دورا محوريا في عام 2014 في استصدار قرار في مجلس العموم يدعو الحكومة للاعتراف بدولة فلسطين. اتهموه بمعاداة السامية، ليرد بالتأكيد على رفضه لجميع اشكال العنصرية بما فيها اللاسامية والاسلامفوبيا. ورغم الحملة الشعواء للسفارة الاسرائيلية ولوبيهاتها في بريطانيا، نجح كوربين في الحصول على 13% من اصوات اليهود. وصفوه بداعم للارهاب من «حماس إلى حزب الله إلى الجيش الجمهوري الايرلندي»، فلم تهتز له قصبة.
نبشوا له زيارة قام بها قبل عام من انتخابه زعيماً لحزب العمال في سبتمبر 2015، لمقبرة دفن فيها مسؤول الامن الفلسطيني المغدور به عاطف بسيسو، ووضع أكليلا على ضريحه. وفي السياق يذكر أن الموساد الاسرائيلي اغتال بسيسو في باريس عام 1992، بتهمة المشاركة في التخطيط لعملية اولمبياد ميونيخ عام 1972 للافراج عن اسرى فلسطينيين، واحتجز فيها فدائيون رهائن إسرائيليين وانتهت بمقتل11 رياضياً إسرائيلياً و5 من الفدائيين وشرطي وطيار ألمانيين، عندما قرر الموساد مهاجمتهم وهم في ارض المطار.
كما نبشوا له عن مقال كتبه في صحيفة الحزب الشيوعي «مورننغ ستار» تحدث فيه عن مشاركته في تأبين فلسطينيين اغتالتهم طائرات إسرائيلية في تونس عام 1985.
كوربين يمثل المستقبل وهم يمثلون الماضي، يمثل جيل الشباب بافكاره ورؤيته واحساسه بمشاكلهم واحتياجاتهم ومطالبهم، وعرفانا منهم بالجميل توجهوا إلى صناديق الاقتراع بالملايين، لأول مرة في تاريخ الانتخابات البريطانية بهذه الاعداد، لدرجة أن حزبه استطاع أن يخطف من حزب المحافظين مقعدا برلمانيا احتفظ به المحافظون منذ قرن من الزمن بفضل الشباب والطلبة، الذين وعدهم بإلغاء اقساط ورسوم الجامعات،
واختتم بخبر فوز ليلى موران التي تعود لام فلسطينية وأب انكليزي ممثلة عن الحزب الديمقراطي الليبرالي بعضوية مجلس العموم عن دائرة غرب اكسفورد. والاهم أن فوزها جاء على حساب مرشحة المحافظين نيكولا بلاكوود المؤيدة لاسرائيل. نعم نحن نمثل المستقبل وهم يمثلون الماضي.
واخيرا قد يقول قائل إنني منحاز لجيرمي كوربين ومن يمثلهم في حزب العمال، وسأقول دون تردد أو خجل، نعم انا منحاز لكوربين لصدقه ومصداقيته واخلاصه، وانحيازه إلى قضايانا العادلة، وفي مقدمتها قضية فلسطين، ونحن ننحاز له ولكل من ينحاز الينا، عرفانا بالجميل.
كاتب فلسطيني من أسرة «القدس العربي»
علي الصالح