في بلاده يُهاجِرُ الجَزرُ

أقف أمام بائع الخضر والغلال ( نسميّه الخضّار في تونس بتغليب بضاعة على بضاعة) لأشتري شيئا ممّا يعرض. داخل الدّكّان وخلف المنضدة حيث موضع الخضّار، ضيف صينيّ يشتري ممّا نشتري.. المشهد عاديّ وكون الزّبون لا يقف مع الزّبائن يؤوّل بكرم البائع وترحيبه بهذا الضيف القادم من الشرق البعيد.
وضع الصينيّ يده على الجزر فسمّاه له البائع لكن بدلا من أن يذكر له الاسم المحليّ (سْفِنَّارِيَة) أو الاسم العربي الفصيح ذكر له الاسم الفرنسيّ (كَارُوتْ).
هذا المشهد العفويّ يُسمّى في تعليم اللغة المحليّة للنّاطقين بغيرها بالانغماس اللغويّ؛ ويعني به دارسوه أنّ متعلم لغة أجنبي عنها ينغمس في وضعيّة تعليم مباشرة هي التي تساعده على أن يتعلم معجم تلك اللغة ونحوها، ويفهم مع ذلك كثيرا من المعطيات الثقافية ذات الصلة بما يتعلّم.
لكنّ المشهد الذي حضرته ليس مثاليّا في الانغماس، لأنّ الصينيّ لم يتعلّم الاسم المحليّ ولكن الاسم الفرنسيّ. ليس على الخضّار حرج لأنّه ليس معلّما بالمعنى الدقيق للعبارة، وليس على الصينيّ خوف فهو سيعرف اسم الجزر التونسي أثناء إقامته في تونس، لكن المهمّ عندي لماذا عدل الخضّار عن اسم اللهجة التونسية أو اللغة العربية الفصحى إلى اسمها الفرنسي وهو «يعلّم « الصينيّ الأسماء؟ يزداد السؤال قيمة إذا ما افترضنا موقف الخضّار من بائع ينتمي إلى لهجته يسمي له الجزر بالفرنسيّة بدلا من اسمه التونسي؛ ربّما سيلقى سلوكه من الخضّار سخرية واستخفافا، فهو سيعتبر استعمال التسمية الفرنسية في غير محلها.
لسانيّا ينتمي المتكلّم/ الخضّار إلى مجموعة لغويّة هي هنا اللّهجة التونسيّة ؛ واللهجة التونسية تُعدّ عند الصّيني شكلا محليا من أشكال العربية والعربية تنتمي بمنظار لساني تاريخي إلى طبقة لغويّة. في اللسانيّات التاريخية اهتمام بما يسمّى بالتّداخل اللغوي، الذي يعني تفاعلا بين اللغات ينتج عنه أخذ لغة من أخرى قد يتطوّر أحيانا إلى حدّ تهيمن فيه لغة على أخرى، وقد تمحوها أصلا وتحلّ محلّها. عُلويّة لغة في هذا التعامل وسُفليّة أخرى قد تحكمه عناصر سياسيّة أو دينية وخلف هذين العاملين أو معهما تكون العناصر الثقافية والعلمية والأيديولوجية مساعدة لتكريس وضعية دونية أو علويّة. من ينتمي إلى لغة يعرف معرفة صريحة أو حدسيّة ما هي طبقتها؛ لكنّ هذه المعرفة لا تكون دقيقة لأنّه قد تحكمها الانفعالات التي تُعلي أو تُسفل بلغة حسب أهواء متكلميها. بيد أنّ هناك عوامل دقيقة ومعايير ثابتة بها نعلم هيمنة لغة على الثقافة والعلوم أكثر من غيرها من اللغات.
في تاريخ العربيّة الفصحى أنتج مثقّفو العصر الوسيط من العرب كثيرا من الآداب التي تضع العربيّة في رتبة الطّبقة اللغويّة الكبرى بالنسبة إلى لغات كالفارسيّة والروميّة والتركية التي كانت على حدودها. ينبغي أن نشير هنا إلى أنّ هذا الرأي كان في أغلبه حماسيّا انفعاليّا، فهذه اللّغات لم تأخذ من معجم العربية ولا من تركيبها ما به أثرت في ملامحها وهدّدتها بالزوال. ربّما كان لتعويض العربية في الإدارة والتجارة سبب في تحديد رواجها، لكنه لم يكن بسبب أخذ تلك اللغات من العربية ما به قتلتها من الدّاخل وحديثنا هنا عن بعض السّاميات القديمة كالآرامية.
اليوم وبعد النّهضة فالحداثة ثمّ العولمة، وبعد أن ظلّت العربية لغة ثقافة تستفيد وتستورد أكثر ممّا تفيد وتصنع، لا يمكن أن نعتبر العربيّة لا مهدِّدة لغيرها ولا مهدَّدة من غيرها، إنّما هي في وضعيّة المستفيد أكثر من المفيد وفي وضعية المستهلك للعلوم والثقافة أكثر من المنتج لهما؛ فهي في وضعيّة المتأثّر لا المؤثّر وكان مّما زاد وضعيّتها ترسيخا الخروجُ من حالة الاستعمار إلى التبعيّة السياسيّة. في هذا الجوّ لم يعد القادم من بعيد غازيا ولا عدوّا، بل صار آخر عظيما أو قزما بحجم ما يسمع به عنه المواطن المحلّي.
ماذا في ذهن المتكلّم /الخضّار عن الصّين حتّى يسلك لغويّا مثلما سلك؟ الصين عند العامّة بلد ينتج كلّ شيء بضاعته تصله رغم بعد بلد الإنتاج؛ حتّى آلة طبخ الشاي المألوفة والتي يسمّيها «البرّاد» يصنعها له الصينيّ وسجّادته وسبحته التي يأتي بها من البيت الحرام هما من صنع صيني. الصين بلاد الجدار العظيم وعليها يعيش ما قارب المليار ونصف المليار من السكان.
التونسيّ إن حدّثك ولم تفهمه وأراد أن يتّهمك أنت بالتّقصير ويبرّئ نفسه يسألك سؤالا إنكاريّا: هل أتكلّم بالصّينيّة؟ اللغة الصينيّة ليست رمزا للّغة التي لا تُفهم فقط بل رمز للغة المستغلقة التي يستحيل أن تفهم. وهذه الصورة زادتها تأكيدا في ذهنه الكتابة التي ترسم على المنتوجات الصينية: يستطيع البسيط أن يتبيّن أنّها ليست بالحروف اللاتينية المعروفة بل برسوم الحبر الصيني الأسود المعروف.
وضعيّة التواصل التي وجد المتكلّم /الخضّار نفسه فيها هي وضعيّة تجتمع فيها كلّ هذه العناصر، لذلك هرب من لغته فهي في تقديره ستكون في ذهن الصيني كالصينية في ذهنه هو. وهو يعلم بحدسه الحضاريّ أنّ لهجته أكثر غربة عن الصيني من لغة الفرنسيين، فرنسا عند الصيني في حكم المعروف لديه؛ واستتباعا لذلك ربّما ظنّ الخضّار أنّ اسم الجزر التّونسي ثقيل على الصينيّ في الأداء وليس كاسم «كاروت» الفرنسيّ المكون من مقطعين، اسم ينطق بحلاوة كالتي في طعمه حين يصفها البائع لمن يشتري ويعتقده لا يعرف الجزر. الجزر يصبح باسمه الفرنسيّ ذا شعر أشقر وعينين زرقاوين تضاف إلى حمرته الطبيعية التي فيه. باسمه الفرنسيّ يهاجر الجزر وهو في بلاده حبيس حزمته.
أقول للبائع وأنا أحمل حزمة الجزر في يدي هل تبيعون الجزر بالرطل أم بالحزمة؟ فينزعج من دخولي على الخطّ وينزعج من اسم «السفنّارية» المحلّي هو الذي يبيع له جزرا باسم فرنسيّ يرقّيه. ينزعج لأنّي أضفت إلى اسم الجزر تسمية الحزمة ( نسميها محلّيا ربطة). وينزعج الخضّار لأنّه لم يعد بائعا وحسب، بل معلّما يعلّم أجنبيّا اسما أجنبيّا لبضاعة محلّيّة. سيعلم الخضّار وهو يعلّم كيف أنّ الضّوضاء التي تنبعث من أصوات المشترين الفضوليّين هي ضوضاء تعرقل عليه أكبر عمليّة تسويق للبضاعة ولاسمها لا تحدث كلّ يوم.
سوف يقارن الصيني بين اسم الجزر في الصين واسم الجزر في تونس، سيسعى كي يتعرّف عليه وحين سيقارن بين اسمه في بلاده واسمه في تونس سوف لن يعبأ بما قاله له التونسي عن اسمه الفرنسيّ إلاّ إذا كان لسانيّا في ذهنه شياطين اللغة وملائكتها.
لكن حين يعرف الصيني ما اسم « الجزر» بالتونسيّ ستكون الطريق طويلة أمامه حتّى يعرف كثيرا عن حكاياتنا عن الجَزر؛ سيصاب بالحيرة حين يعرف مثلا أنّ الاسم الريفي التونسي القديم للجزر «الغلّة» أي الغلال وأنّ من غريب اسمها عند أهل الريف ما يدلّ على أنّ الجزر فحل الأرض يخصبها. للاسم خلفيّات أسطورية هي أعظم من أسطورة أن يبيعه خضّار تونسيّ يفتخر باسمه الفرنسيّ.

٭ أستاذ اللسانيّات بالجامعة التونسيّة

في بلاده يُهاجِرُ الجَزرُ

توفيق قريرة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية