قال إميل سيوران، منذ زمن غير بعيد، وتحديدا عام 1949؛ وهو يبحث في أصل التعصّب، إنّ كلّ فكرة هي في حدّ ذاتها محايدة؛ أو هكذا يُفترض أن تكون، وإنّما الانسان هو الذي يتدبّرها ويثيرها، وينفخ فيها من ناره وجنونه. وهكذا تتلوّن الفكرة، بل تتلوّث وتتحوّل إلى عقيدة، وتنطبع في الزمن، فتكتسب هيئة الحدث. وشيئا فشيئا يتقبّل الناس الانتقال من المنطق والديالكتيك وحسّ التفكير الصائب، إلى الصرْع وكلّ ما هو غضب واهتياج وجهل أي سيْر على الهوى؛ ويتشرّبونه بيسر وسهولة. بل هكذا تولد الإيديولوجيات والمذاهب، ويتحوّل التهريج إلى صراع دمويّ لا سند له سوى التعصّب والتشدّد الإيديولوجي أو التبشيري. والمجرمون الحقيقيّون كما يقول سيوران، إنّما هم أولئك الذين يقيمون أرثوذكسيّة على الصعيد الديني أو السياسي، ويميّزون بين المؤمن و»المنشقّ» أو»المرتدّ». وإذ نرفض أن نتقبّل طابع الأفكار التبادلي، يسيل الدم… وفي تلافيف كلّ عقديّة أو دغمائيّة جزميّة، يختفي أكثر من خنجر.
ونقدّر أنّه صار لزاما علينا اليوم أن نسأل ونتساءل: ما العمل إذن؟ هل نبحث في «الظاهرة الدينيّة» في علاقتها بالنصّ وكيف يُفسّر ويقرأ أم في علاقتها بالإرهاب الذي يوسم به المسلمون عامّة؛ بالرغم من أنّهم أبرز ضحاياه؟ وهل بميسور دولنا اليوم، والاختلاف يشقّها طولا وعرضا أن تتوافق في تحقيق المطلوب منها وهو «ترشيد الخطاب الديني»؟ وكيف؟
لا نظنّ أنّ أيّا من المشتغلين بالظاهرة الدينيّة أو بالخطاب الديني، يمتلك حلاّ لهذه المعضلة التي يمكن أن تعصف بنا جميعا، ونحن نرى بأمّ أعيننا كيف اختلست ثورة السوريّين على شرعيّتها، بهذه الذرائع الدينيّة التي لا سند لها من تاريخ سوريا. ولعلّ قراءة الظاهرة في سياق النصّ الديني، فالتاريخي الحدثي والفكري والثقافي والاجتماعي، ممّا يساعد على فهمها، فإعادة ترتيب العلاقة بالنصّ/النصوص التي تنهض عليها، وتستمدّ منها قوّتها.
وأوّل ما نلاحظه عند المتشدّدين أو «الأصوليّين» هو الخلط بين الدين الذي يُحمل على معانٍ من أبرزها الجزاء والطاعة والمعرفة، والشريعة التي هي شرائع أي مجموع تعاليم تتغيّر بتغيّر الأزمنة وتبدّل المجتمعات.
والحقّ أنّه من الصعوبة بمكان التوافق على تعريف دقيق للدين، فهو في اللغات اللاتينيّة غيره في العربيّة؛ إذ يعني في أصوله كلّ ما يربط ويصِل الانسان بالإنسان، وبمبدأ أعلى. ويرى الباحثون أنّ التراث اليهودي المسيحي احتفظ بالصلة «المبدأ الأعلى» واختزل الأولى أي الرابطة الاجتماعيّة، وجعلها في مرتبة ثانية. وليس الأمر كذلك عند المسلمين، ممّا يستدعي بحثا معمّقا في النصّ نفسه من حيث اللغة والأسلوب والتلفّظ والشفهيّة والكتابيّة. وهو ما يغفله المفكّرون العرب مثل محمّد أركون ومحمّد عابد الجابري ونصر حامد أبو زيد وغيرهم، فقلّما التفتوا إلى ناحية هامّة في تدبّر النص القرآني؛ ونعني هذه البيئة الشعريّة التي ظهر فيها القرآن. وقد يصعب من دونها أن نبحث لا في أساليبه وإيقاعه، وإنّما في شفويّته وكتابيّته.
إنّ لغة القرآن قد لا تُحدّ إلاّ بهذه التّعدّديّة اللغويّة وفيها، حيث يجاور الغريبُ المأنوسَ، والكتابيُّ الشّفهيَّ. وتنشأ اللغة من علاقة شدّ وجذب متبادلة بين هذه السّجلاّت جميعها. ولعلّ محمّد علي أمير المعزّي من قلّة تنبّهتْ إلى هذا البعد في القرآن. وقد أوضح ذلك في مقدّمته لكتاب ميشال سيبرس «قراءة في سورة المائدة» وهو نفسه يُقرّ بأنّ دراسة القرآن من حيث هو «نصّ»، تتجّدد اليوم على نحو لافت، سواء في معالجة البنية أو التركيب أو بناء الجملة، على نحو ما نجد عند أنجيليكا نويرث ونيل روبنسون وماتياس زهنيسار وبيير كرابون دو كرابونا. وقد درس الأوّل قصار السور المكيّة استئناسا بالإيقاع، ودرست نويرث الفاصلة القرآنيّة التي هي بمثابة «القافية» عندها، على أساس أنّ لكلّ سورة قصيرة، وَحدة أدبيّة خاصّة بها. وأمّا الآخران فصرفا عنايتهما إلى السور المدنيّة الطويلة، وما تحفل به من أوجه التكرار والتراسل أو التجاوب بين الكلمات.
والنصّ القرآني الذي لم ينقطع تأثيره على تعاقب الأزمنة والعصور، يصلح أن يكون أساسا للتّفسير الأنطولوجيّ أي أنّه من «البراديغمات» التي لا يزال كثير من المسلمين يستخدمونها في مقاربة العالَم أو فهمه أو تفسيره. وهذا ينبغي ـ إذا رمنا حقّا ترشيد الخطاب الديني ـ ألاّ يحول دون طرح قضيّة التلفظ في القرآن مقارنة بالتوراة مثلا أو «الكتاب المقدّس»، فالتوراة مجموع نصوص ألّفها مؤلّفون كثر، حيث يروون «أحداثا تاريخيّة»، بأساليب مختلفة، ما عدا بعض المواضع التي تُفتتح بمثل هذه العبارة: «ودعا الربّ موسى وكلّمه من خيمة الاجتماع قائلا…» أو ما بشبهها ممّا يطلق على ما يتلقاه النبي من الربّ بواسطة «روح الربّ» أو «ملاك» أو «رؤيا»؛ فيما القرآن نصّ إملاء مُسند إلى الذات الإلهيّة. وهو ما لا نقف عليه في التوراة أو الكتاب المقدّس؛ ماعدا إشارة يتيمة في خاتمة سفر الرؤيا. وللتوضيح فإنّ ما يتوجّب عمله، وهو ما حاوله المعتزلة، فتح «ثغرة» في جدران هذا العالم النصّي المنغلق على نفسه أستيطيقيّا؛ ولكن دون أن نغفل الناحية الدينيّة أو السوسيولوجيّة أو السياسيّة أو الاقتصاديّة، حيث عالم النصّ القرآني مشرع على أنشطة أخرى قد تتعلّق بالتّربية الاجتماعيّة أو بإذكاء الصّراع الإيديولوجيّ أو توظيف الخطاب الديني أو حتّى بتحقيق الكسب المادّيّ كما نلاحظ في قنوات تلفزيونيّة عربيّة وإسلاميّة كثيرة. ولعلّه من الواضح أنّ عملا كهذا، ليس بالعمل التأويلي الخالص، لأنّ بنية القرآن ـ على ما نرجّح ـ بنية هيرمينوطيقيّة، أو هي مؤوّلة سلفا، في سياق سجال بين النبي وغيره من العرب أو من أتباع الديانات الأخرى.
على أنّ هذا السجال قد يعيدنا إلى عصور المتكلّمين. وهو ماض ولّى وإن لم ينقض تماما. وكان ابن خلدون أكّد أنّ علم الكلام فقد جدواه في عصره. وهو يقصد على ما يبدو من نصّه المنافحة والتبرير والدفاع والتقريظ، وليس ما يدرك بالعقل، أو جعل الشريعة مطابقة للعقل أو النصّ مؤوّلاً؛ كما كان الشأن مع المتكلّمين الأوائل من طينة العلاّف وعمرو بن عبيد والنظّام والجاحظ، وحتّى بعض اللاحقين عليهم من أمثال القاضي عبد الجبّار. وهؤلاء كانوا من العلماء، ولم يتلبّسوا بلبوس «رجال الدين» على نحو ما نجد منذ القرن الخامس عشر، وحتّى القرن التاسع عشر تحديدا. فقد ظهرت فئة قد لا نتردّد في تشبيهها بـ»الكهنة» و»الأكليروس» من الذين لا ينتجون نصوصهم الخاصّة، كما يقول الأستاذ عبد المجيد الشرفي؛ وإنّما يقتصرون على مهنة «إعلان مبادئ» أشعريّة. ومن المفيد اليوم أن نعود إلى هذا كلّه، عسى أن نفهم هذه «المبادئ»، في علاقتها بالمعتقدات عامّة، وبأصحابها وبمعاصريهم خاصّة. وثمّة نصوص كانت إلى عهد قريب أساس التعليم (فنّ[علم] التوحيد في الجامعات التقليديّة مثل الأزهر والزيتونة)، وهي نصوص سبعة موجّهة إلى الطلبة حفظا واستظهارا، ينهض فيها الشيخ بدور المعلّق. وهذا عاديّ في ثقافة مثل الثـّقافة العربيّة الإسلاميّة، حيث طرق تلقـّي العلم عند أسلافنا كانت تحطّ من قيمة «المناولة» (الكتابيّة) لصالح السـّماع (الشـّفهيّة)، وتلزم المتعلـّم حفظ النـّص المكتوب واستظهاره، بحيث يبدو كأنّه نتاج الشـّفهيّة وعالمها القائم على الذّاكرة.
هذه النصوص مثل فنّ التوحيد ومتن الجوهرة ومتن بدء الأمالي ومتن الخريدة ومتن العقائد النسقيّة…هي جملة من «المبادئ» في علاقتها بالمعتقدات، لا تكمن في قيمتها الباطنة أي تلك التي يستمدّها المبدأ من طبيعته الخاصّة، وإنّما من حيث هو إشارة إلى شيء آخر، أو من حيث هو شهادة على حقبة، وعلى نمط من التفكير لا يزال متواصلا؛ بما يشكّل أمارة على الثوابت والمتغيّرات في الفكر الإسلامي المعاصر، سواء الرسمي منه، أو ذاك الذي رسّخته وسائل الاتصال الجماهيريّة، أو الحركات التي تنتسب إلى «الإسلام السياسي». وهي نصوص يخترقها الفكر الأسطوري ممّا ينافي العقل والمنطق، وتغفل المعنى المجازي وتأخذ بالتفسير الحرفي للنصّ، وليس ذاك الذي يستند إلى الاستعمالات اللغويّة المأثورة عن العرب. وتثبّت فكرة «طاعة أولي الأمر» التي أعلنها الخليفة العبّاسي القادر عام 409 للهجرة، وتنزّل المرأة سهل الاباطح، وما إلى ذلك من مسائل منشدّة إلى رؤية دينيّة مثاليّة تتصوّر الإنسان موجودا في نظام خارج نطاق سيطرته. وفيها يتقنّع الديني بالإيديولوجي، ويتواشج الاجتماعي والسياسي. وربّما لا شكّ أنّ هناك فرقًا بين الإيمان من حيث هو موقف اقتناع شخصي، ويقين مطلق في فكرة ما، لا حقّ لأحد في مصادرته، وبين «إعلان المبادئ» وهو في السياق الذي نحن به، ليس أكثر من تعبير عن التباس بين ما هو ثابت من وجهة نظر ذاتيّة، وما هو واقعيّ من وجهة نظر موضوعيّة.
كاتب تونسي
منصف الوهايبي