في ثقافة التواصل… الآخر بالنسبة إلى الحضور الذاتي والثقافي

إن تكوين الأمة لا يقــــوم بالضــرورة من خلال عقيدة قومية، وإنما من خلال عقيدة كونية تنظر إلى الإنسان بما هو إنسان.
لقد تكونت الأمة العربية في إطار العقيدة الاسلامية  قدر ما قدمت هذه العقيدة الأطر النظرية والأخلاقية والسياسية والاقتصادية أيضا، للارتفاع بالجماعات من مستوى التضامن والتلاحم العصبوي إلى مستوى المشاركة في اللغة والثقافة والعقيدة والأخلاق وأنماط الحياة والمعيشة الواحدة. والعالم الاسلامي منذ القرون الهجرية الأولى أعلن عن ملامح جديدة، وهو يدين ببعض الملامح السابقة القديمة، وذلك بتكثيف التبادل وتكثيف الدور الرئيس المخصص للتجارة، بعمل قانون أساسي للاقتصاد حيث تتلاقى فيه أراضي الإمبراطوريات القديمة الشرقية والغربية. وقد قام العالم الاسلامي بعمل دور انتقالي عبر المكان والزمان، عن طريق الحركة المتزايدة للبضائع، وضمن هذا السياق كان من نتائج الرحلات والأسفار أن ازدادت المعلومات والمعارف الجغرافية، إذ كان المتنقلون بين الأقاليم والبلدان يعنون بتدوين مشاهداتهم وملاحظاتهم وما يسمعونه عن أحوال تلك البلدان التي سافروا إليها واطّلعوا على حياة أهلها، من حيث عاداتهم وأخلاقهم وأساليب عيشهم، وما تشتهر به هذه البلاد أو تلك.
 واستطاع الرحّالة، خاصة الجغرافيين والمسالكيين منهم، أن يعرفوا مواقع البلدان وطرق الوصول اليها، فكانت هذه المعلومات المادة الأساس لكتب البلدان والأقاليم، وهي مادّة ثريّة نجد فيها معلومات وفيرة ومفصّلة عن أقاليم الدول الإقليمية والعالمية ومدنها الكبرى، ومعالمها والطرق المؤدّية إليها، وما تشتهر به كل مدينة من صناعات ومحصولات أرض وما تتّجر به من بضائع، إضافة إلى ما تضمّنته من وصف حياة الناس وعاداتهم ولباسهم وما يستحسن أو يعاب من أفعالهم وطبائعهم.
وفي موازنتهم بين الذات والآخر لم يرفض الجغرافيون اختلاف البلاد الأخرى في عاداتها وتقاليدها ومعاشها عن البلاد الإسلامية، وإنّما اقتصر رفضهم على الرسوم التي تتعارض مع تعاليم الإسلام أو تتقابل مع مصالح الدولة والمجتمع الإسلاميين. فالرحّالة لم يصدر عن موقف فكري مسبق من الآخر ولم يبن نصّه على أساس تفوّق عنصر الإسلام والعروبة.
لا نرى جدلا حينئذ في أنّ الرحلة معين مهم للمعرفة، ما يدفعنا إلى القول بأنّ مفهوم العالم لا يبنيه أشخاص محدّدون، وإنّما هو نتاج الثّقافة وتكامل الجماعات والقيم. والتّلاقي والتواصل في الثقافة العربية الإسلامية إنّما هو تواصل ضبطته الحاجة العقلية ودفعت الإنسان إليه فردا ومجموعة ونظاما قيميّا لما له من فوائد ماديّة ومعنويّة. فعدّ التواصل قيمة توسّع أفق الذّهن وتضخّ دماء جديدة لثقافة الأصل فتجعلها تنتعش إذ تأخذ وتعطي، وبدا الانفتاح على الثقافات مطلوب في ما بينها مفيد، يثري الذّات ويطوّر مكاسبها ويمكّن الثقافة المنفتحة من تجاوز الهويّة الشخصيّة إلى تأسيس هوية إنسانية كونية أو «هوية مركّبة» تشرّع للسّلم والتسامح والتعايش الكوني.
لقد أثبتت النصوص الجغرافية ثقافة عربية اسلامية منتجة تتفاعل في ما بينها وتقبل التعايش مع الذّوات الشبيهة أو المختلفة عنها، فهي منظومة تقرّ بالتنوّع الثقافي وبتعدّد الصّيغ الحضارية في العالم الآهل. فهي لا تنغلق ولا تدور حول ذاتها إذ لا غنى عن الآخر بالنسبة إلى الحضور الذاّتي والثّقافي .
أفادت الرّحلة العالم العربي والاسلامي إفادة كبرى، خاصّة في ما قدّمته لعلم الجغرافيا، فقد كان الرحالة في وصفه للمسالك والممالك ولصورة الأرض معينا للجغرافي لاتّصاله بالظّواهر الجغرافية والطبيعيّة اتّصالا مباشرا، كما أنّه كان ذا نفع للمؤرّخ ولعالم الاجتماع وللأديب والفلكي والسّياسي والاقتصادي، ولمحبّ المعرفة الذاّتية كذلك، اذ يكشف نظام الوجهين: الوجه الطبيعيّ والوجه الثقافيّ وظيفة الجغرافية الطبيعية في فهم الجغرافية البشرية، أي استخدام المفروض الطبيعي المادّي والمعنوي في فهم الفعل البشري بجوانبه الحسيّة والرمزيّة إلى حدّ قد يجوز معه القول بأن مصدر السلطتين الماديّة والمعنويّة في الظّاهر على الأقل سلطة جغرافية الطبيعة الفيزيائية وسلطة جغرافية المعرفة البشريّة، وذلك يعني أن جغرافيّة الطبيعة هي من جغرافيّة المعرفة والعكس صحيح، فلا مجال لفكّ التّرابط بينهما، وإنّ لباب خريطة جغرافية المعرفة محصّل ذينك المكوّنين وتينك السّلطتين، وأنّهما ضرب من السّيرة الآدمية العلميّة والحيّة والفعليّة والمتحرّكة .
 استطاعت الرّحلة أن تكشف حجب المجهول من الأقوال والأحوال، واعتبرت لأهمّيتها أكثر المدارس تثقيفا للإنسان، خاصّة وقد حقّقت الهدف لحساب هذا الانسان ونبض الحياة المستمرّ على الأرض. وقد جاءت كتب الجغرافيين في عمومها زاخرة بمعلومات متنوّعة الدّلالة وهي ليست جغرافية خالصة لأنّ المساهمين في التأليف لم يكونوا كلّهم جغرافيين، ولم تكن دوافع الكتابة لديهم المعرفة الجغرافية لذاتها، بل كانت دوافعهم متعدّدة ومتنوعة، فمنها ما هو متولّد عن حبّ الاطّلاع والاكتشاف، ومنها ما هو متّصل بالحاجات السياسية والاقتصادية، ومنها ما هو مرتبط بدوافع علمية.
وقد أثّرت جملة هذه الدوافع بوضوح على نوعيّة المادّة المتوفّرة في كتبهم ورسائلهم، فجاءت المعلومات الجغرافية متلبسة بمعلومات تاريخية حينا واثنوغرافية أحيانا أخرى، أي متعلّقة بنشاط الناس الزراعي والصّناعي والدّيني، وبسلوكهم وعاداتهم وتقاليدهم، وبكيفيّة تنظيمهم لمعاشهم وبشتّى مظاهر الغريب والعجيب الشائعة بينهم .  وباستثناء رحلات معيّنة كرحلة سلاّم التّرجمان وابن فضلان ومحمد بن موسى المنجّم وعدد قليل آخر حدّد الحكّام أهدافها الرسميّة وتولّوا تمويلها وأولوها اهتمامهم، كانت الرحلة في البرّ أو البحر جهدا ذاتيّا ، واجتهادا شخصيّا، وكان الهدف من وراء ذلك هدفا تمنّاه العقل وسعت إليه الروح وحفّزت عليه الإرادة .

٭ أستاذ وباحث في الحضارة من تونس   

لطفي العبيدي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية