في ثمانين فيروز

حجم الخط
8

لا أعرف سبيلاً إلى تشخيص تلك الجمرة النادرة التي تتوهج في داخلي من دون مقدّمات، على هيئة غصّات شعورية متدافعة، كلما استمعت إلى سَحبة الـ»أوف» الأولى المديدة، في أغنية فيروز «يا طير». ومنذ البدء البعيد المبكّر، لاحَ أن «السحبة» هذه لا تكتمل إلا بتؤدة، تماماً كما في الأغنية؛ قادمة من سحيقٍ عميق ظَلّ مبهم الملامح عندي، حتى شاهدت فيروز تؤدّي الأغنية في فيلم «سفر برلك»، فأدركت عندئذ أن السحيق ثلجي في القاع، مجلّل بضباب شفيف، متلفّع بسحاب راكد.
لا أعرف، ولا يبدو أنني سوف أسعى إلى «معرفة» كهذه في أي يوم!
لكني عرفت، في المقابل، تلك الوشيجة المدهشة بين «يا طير»، وأكثر من «سحبة» صوفية عند أبي حيان التوحيدي في «الإشارات الإلهية»؛ خاصة وصف الغربة والغريب: «يا هذا! أين أنت عن قريب قد طالت غربته في وطنه، وقلّ حظه ونصيبه من حبيبه وسكنه! وأين أنت عن غريب لا سبيل له إلى الأوطان، ولا طاقة له على الاستيطان! يا هذا! الغريب من غربت شمس جماله، واغترب عن حبيبه وعذّاله، وأغرب في أقواله وأفعاله، وغرّب في إدباره وإقباله، واستغرب في طمره وسرباله. يا رحمتا للغريب! طال سفره من غير قدوم، وطال بلاؤه من غير ذنب، واشتدّ ضرره من غير تقصير، وعظم عناؤه من غير جدوى». وهي حال تكرّرت، بهذا القدر أو ذاك من التشابه، مع «هونيك في شجرة»، «يا جبل البعيد»، «وطا الدوّار»، «ليل وأوضة منسية»، «بيتك يا ستّي الختيارة»، «إنت وأنا عم يسألونا كيف»، «إمّي نامت ع بكّير»، «إتمرجح بقلبك»، و»ضحك اللوز»…
وفي الشطر الشعري من تربية جمالية شخصية، أزعم، بأقصى التواضع، أنها كانت شاقّة وتعددية ومحظوظة؛ وشهدت تقلّبات جوهرية في طبيعة الذائقة والخيارات والانحيازات، مثلما في نوعية «التغطيات» الأيديولوجية لذلك كلّه؛ أسجّل أن القصيدة الرحبانية، كما غنّتها فيروز تحديداً، كانت محطة كبرى في الأطوار التأسيسية الحاسمة لتلك التربية. إنها، اليوم أيضاً، تظلّ مادة معيارية في دراستي للنصّ الرومانسي إجمالاً، وفي التأمّل النقدي للعلاقات الجدلية بين شعريات «اللغة العليا» وشعريات «اللغة اليومية».
كانت قصيدة الرحابنة تستولد جاذبية دلالية متوهجة أبداً، وظلّت تغذّي حالة من التوثّب التحليلي المقارن الذي أدين له بفضل تأهيب ما أزعم أنه عدّة نقدية «ديمقراطية»، متحللة من الثوابت المنهجية المسبقة أيّاً كانت إغراءاتها، ومنضوية في حقوق القصيدة ذاتها قبل واجبات المنهج؛ إزاء اللغة الشعرية عموماً، وبصدد الموضوع الغنائي في القصيدة العربية بصفة خاصة.
أسجّل، على سبيل المثال، أن انشدادي الأوّل إلى قصيدة «أقول لطفلتي» اكتسب محتوى «جنينياً» إذا جاز القول، لا يلوح أنه اكتهل معي، أو رافق ما حمله مرور الأعوام من تطوّر في الذائقة، وتبدّل في الحساسية. أطرب حتى الوجد عند سماع فيروز وهي تغنّي هذه القصيدة، وأتأهّب حتى الاستنفار حين تلقي لغتُها اليومية أكثر من قفّاز تحدٍ واحد، وتُستفزّ ذاكرتي التي ترتدّ ـ صاغرة ربما، أسيرة بعض الشيء ـ إلى سياقات رومانسية إنسانية صافية، أليفة شفيفة دافئة، وبريئة لأنها شبه ساذجة أيضاً: «أقول لطفلتي، إذا الليل بردُ/ وصمت الرُبى، رُبىً لا تُحدّ/ نصلّي فأنت صغيرة/ وإنّ الصغار/ صلاتهم لا تُردّ…».
شيء شبيه بهذه الحالة تكرّر على الدوام في أغنيات/ قصائد مثل «لاعبِ الريشة»، «لا يدوم اغترابي»، «عصفورة الشجن»، «قال يا بيتاً لنا»، «رجعتَ في المساء»… الفارق، الأبرز، بين هذه القصائد وشآميات فيروز والرحابنة، خصوصاً حين تكون القصـــيدة لسعيد عقل؛ يتمثّل في تبدّل موقفي من هذا النحت الرخامي السيمتري، في فصحى لاح أن مقالعها عالية، والنحت فيها بالغ الانتخاب، وربما النخبوية. وبعض التبدّل كان قد تمثّل في الانتقال من انقياد جمالي أعمى صوب السطوة الخطابية الآسرة في تلك القصائد، إلى تأمّل نقدي ـ أكثر هدوءاً ربما ـ في طبيعة ما تنجزه هذه العمارة الرخامية من شعرية الحدّ الأدنى.
وبمعزل عن ذلك الدَين الجمالي، ثمة ديون موسيقية، تخصّ إسهام فيروز/الرحابنة في تطوير ذائقة الاستماع العربية، وأذواق الطرب، وترقية الأغنية القصيرة في وجه المطوّلات، واقتباس الموسيقى الكلاسيكية في صيغة «تعليمية» سلسة ذات قالب محلّي. وثمة سوسيولوجيا، أيضاً!
فماذا يقول علم الاجتماع، وتقول الدراسات الثقافية، في شخصيات مثل منتورة وبياعة البندورة ولولو السويعاتية، والمختار وبو ديب ومدلج وراجح وهولو وسبع ومخوّل…؟ ثمّ، أليست دلالة كبرى، خاصة في مصطلحات أيامنا هذه، أن يفتح المرء مجلة «الثقافة الوطنية»، اليسارية، التي كانت تصدر في خمسينيات القرن الماضي؛ فيقرأ، في الصفحة ذاتها، قصيدة لعبدالوهاب البياتي، وأخرى مترجمة لناظم حكمت، وثالثة بتوقيع… منصور الرحباني!

صبحي حديدي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية