يستوجب منّا الحديث عن تأصيل الفكر العقلاني في البيئة الثقافية العربية الإسلامية الإلمام بالشــــروط الموضوعية التي أنشأته، ويبدو أنّ الاجتــــهاد بالرأي في الأحكام الشرعية هو أوّل ما ثبت من النظر العقلي عند المسلمين، وقد نما وترعرع في رعاية القرآن وبسبب من الدين.
ونشأت منه المذاهب الفقهية، وأينع في جنباته علم فلسفي هو علم «أصول الفقه» من جهة استنباط الأحكام بالنظر والتدليل، الذي لا يدّخر جهدا قياسيا أو استدلاليا أو برهانيا، وفي مثل هذه البيئة ظهر التصوف، وكل ذلك قبل أن تتأثر المفاهيم بالفلسفة اليونانية، ويتوجّـه النظـرالعقلي عند المسلمين إلى البحث في ما وراء الطبيعة، الفيزيقيا والميتافيزيقيـا، وفي الإلهيات والطبيعيات والمنطقيات والرياضيات. ليتوافق حينئذ علم الكلام حينما بلغ نضجه في مرحلته الاعتزالية مع الفكر الفلسفي من جهة فسحه للعقل مجالات التفكير وتحصيل المعرفة حتى في ما وراء الطبيعة.
لقد غلب على فلاسفة المسلمين التوفيق بين الحكمة والشريعة، منذ اتصالهم بالفلسفة اليونانية، فالكندي يرى أن صدق المعارف الدينية إنما يعرف بالمقاييس العقلية، معرفة لا ينكرها إلاّ الجاهل، والمعرفة العقلية والمعرفة الدينية عنده لا تختلفان إلاّ في الظاهر، حتّى لقد وصفه البيهقي، بأنه جمع في بعض تصانيفه بين «أصول الشرع « و»أصول المعقولات».
وفي محاولاته التوفيق بين معطيات الفلسفة وآيات القرآن، اعتبر الكندي أن التناقض الظّاهر بينهما أحيانا، الذي حمل بعضهم على محاربة الفلسفة ونكرانها يحل بالتأويل، ذلك أنّ للكلام معنى مجازيا يتخفّى وراءه المعنى الحقيقي وبآليّة التأويل يستطيع من هو من «ذوي الدين والألباب» أن يعتبر منطوق بعض الآيات مجازا يشير إلى معان يصل إليها بالتأويل.
ومن جهته شغل الفارابي بفكرة «التوفيق» بين أعلام الفلسفة اليونانية والبعض الآخر وبين الروافد الفلسفية والشريعة الإسلامية، وهو في ذلك يجمع بين الأرسطية والأفلاطونية، والأفلاطونية المحدثة، ونستنتج من تجربة الفارابي في الجمع بين آراء الحكيمين على خطأ نسبة ما استند إليه أنّـه كان مؤمنا بوحدة الفلسفة، وبعدم تغيّرها بتغيّر الزمان والمكان، وأنّـه يقول بوحدة العقل، إيمانا منه باتّفاق الحكمة والشريعة ووحدة الفكرين الديني والفلسفي، تعبيرا عن الحقيقة الواحدة. وينسحب الأمر بدرجات متفاوتة على سلفه الكندي وعلى خلفه الشيخ الرئيس ابن سينا، فكأنّ التيارات الغربية انصبّت بكل سماتها ومفارقاتها في جدول الفكر العربي، فعادت مزيجا قد يبدو للعيان متنافرا، لولا سمة «العقل» التي غلبت عليه، فكانت مشكلتهم الرئيسة هي أن يوازنوا بين ما نزل به الوحي من حقائق، وما كان العقل الإنساني قد أنتجه قبل ذلك، ليروا أين يلتقي هذان المصدران وأين يفترقان، وكانت النتيجة الأساسية التي انتهوا إليها في تحليلاتهم أنّ المصدرين إنّما تنبثق منهما حقيقة واحدة بعينها ولا تناقض أو تعارض بين ما تقتضيه العقيدة الدينية وما يقتضيه العقل بمنطقه. ورغم ما وقع من صراع بين أهل النقل وأهل العقل عند دخول الفلسفة اليونانية إلى الوسط الإسلامي، فإنّ العالم الإسلامي اتسع للفلسفة، واحتضن أصحابها وشجّعهم من جهات شتّى، «فلو أن الإسلام لم يكن سوى الدين الشرعي أي ـ دين الشريعة ـ لما وجد الفلاسفة مكانهم فيه، ولوجدوا أنفسهم أمام باب مشتبه. نخلص ممّا سبق بيانه، أن الفكر الفلسفي العربي الإسلامي هو ابن شرعي لتراكم ثقافي كبير في البيئة الثقافية العربية الإسلامية من جهة قواعد تكوينها وقواعد تحويلها المسهمة في بناء تنظيمها وفي تطوّر النظريات والمفاهيم المعرفية، ما يفترض البحث في مناهج تحصيل المعرفة وأدواتها الذهنية والحسيّة تصوّرا وتطبيقا ـ ترسيما لمستقبل الثقافة العربية الإسلامية، ورغبة في تثبيت وظائفها في تحرير الإنسان، وفي ترسيخ منزلتها في بناء الثقافة الإنسانية والحيّة من جهة فهم يعلم يقينا أنّ «الحقّ مطلوب لذاته، وكلّ مطلوب لذاته فليس يعني طالبه غير وجوده، ووجود الحقّ صعب والطريق إليه وعر والحقائق منغمسة في الشبهات»، بجزالة تعبير للحسن ابن الهيثم.
وإنّ في ذلك تفسيرا لانتشار الفكر الفلسفي في دار الإسلام بعد معاناة تاريخية هائلة وتطوّر كيفي شامل في الحضارة الإسلامية، على صعيدي النظري والعملي، توسيعا لمفهوم العلم، من جهة وسائل الإدراك وطرائقه، خاصة «الإدراك العقلي» بالقياس والنظر.
يتّضح حينئذ أنّ البحث عن عناصر المجانسة والمغايرة ووجوه التقريب والتبعيد يحيل ضرورة على ميسم الحراك الثقافي الذي قدّمت في إطاره الفلسفة العربية الإسلامية الكثير، من أجل تجاوز الإشكالات الفلسفية التي صاغها الأوائل من اليونان، وعملت على طرح إشكالات جديدة ووجهة في الفهم وضعتها في طريق الانفصال عن الفلسفة اليونانية شكلا ومضمونا، تفكيرا وسلوكا، تحصيلا وتكوينا، تحويلا وتأليفا.
٭ أستاذ وباحث في الحضارة من تونس
لطفي العبيدي