في حكم تسوية لبنانية مجهولٌ بين مَن ومَن هي

حجم الخط
0

الطريف في «التسوية الرئاسية» التي يسوّق لها لبنانياً، وينشط لوبي مكوّن من بعض رجال الأعمال للترويج لها في بعض الدوائر النافذة هنا وهناك عبر العالم، أنّها تسوية، وقبل أن تُسأل عن مندرجاتها – وجلاءُ البنود بمقدوره أن ينتظر، فإنّ المبشّرين بها، والمهوّلين بعظائم الأمور في حال عدم السير بها، لم يشرحوا لنا بعد بين من ومن هذه التسوية وهذا، بخلاف البنود والمندرجات، لا يمكن أن ينتظر. تسوية لا تدري هي بين من ومن هي كمثل عقد لا يكون في رضا الطرفين، كمثل شخص يعقد على نفسه.
فلئن قُدّرت التسوية على أنّها بين 8 آذار وبين 14 آذار، وبأنّها تقضي بترئيس «ممانع» الجمهورية في مقابل ترئيس «استقلالي» الوزارة، ففي هذا تصوير مبالغ فيه للواقع اللبناني، على أنه ما زال مشطوراً بالقسمة بين الآذارين كما كان حاصل قبل اليوم بنحو سبع سنوات. علماً أنّ ما تسبّب مباشرة بحال الموت السريري للمؤسسات التي يعيشها البلد لم تكن هذه القسمة بين الآذارين، وإنما التعارض بين اجماع مسيحي جمع ميشال عون وسمير جعجع وسليمان فرنجية وأمين الجميّل قبل سنتين، على نصرة مشروع «القانون الأرثوذكسي» (تنتخب كل طائفة نوابها على حدة)، وبموافقة من «حزب الله»، وبين رفض «سنّي – درزي» لهذا الطرح، ومن ثم امتناع قانون الانتخابات، فالانتخابات النيابية، فالانتخابات الرئاسية.
ولئن قُدّرت التسوية على أنّها اسلامية داخلية، باعتبار «درء الفتنة السنية الشيعية»، فيسحب «تيار المستقبل» سابق تأييده لترشيح رئيس «القوات» سمير جعجع، ويسحب «حزب الله» تأييده الذي ازداد وضوحاً في الصيف الفائت للعماد عون، ويجري الاتفاق على ماروني «معتدل في صراع السنّة والشيعة»، فهذا «سوريالي» بعض الشيء، وصعب تسويقه باسم «الواقعية السياسية». ليس فقط لأن سليمان فرنجية لم يكن «محايداً» في صراع السنّة والشيعة، بل لأنّ هذا الصراع في شكله السعودي الإيراني لم يتوقف، ولأنه لم يعد مفهوماً اذا كان المطلوب من المسيحيين أن يندمجوا في مجتمعاتهم، وبالتالي في الصراع المذهبي الاسلامي الاسلامي، أو ينعزلوا عنها، وعن هذا الصراع؟!
واذا قُدّرت التسوية على أنّها لمعالجة فائض الاسترئاس المسيحي الذي يحوم حول الكرسي الرئاسي ويعجز عن ايصال أي من «المر شحين الأقوياء» اليه، فهذا يعني أنها مقترحٌ يندرج في فنّ «أدب النصح» وهو مرسل إلى عون وجعجع والجميّل: قبلوه قُبِل وسِرنا به، ورفضوه غُضّ النظر عنه، وجرى الانصراف إلى مقترح جديد. أو أنّها بالعكس من ذلك، وصاية على المسيحيين من خارجهم، لحفظ الحق المسيحي في الدولة، حيث يفرط به المسيحيون أنفسهم، وحفظ المسيحيين من بعضهم البعض. علامَ الشكوى من «اعلان النيات» بين القوات والتيار العوني بعدها؟
فهل تكون تسوية سنية شيعية بخصوص المسيحيين، أو تسوية مسيحية بخصوص اعفائهم من أعباء الارتباطين، مع السنّة والشيعة، في الصراع المذهبي الاسلامي الداخلي؟
أم أنّها تسوية اسلامية مسيحية مثلاً؟ وهذه ما صنفها؟ اجازة أن يختار زعيم من طائفة مسلمة شريكاً له، أحد زعماء الطائفة المارونية، ثم يبدّله بشريك مارونيّ آخر؟ أم أنّها حق الزعامة السياسية في طائفة أن تعتبر المرجعية الدنيوية لسان حال الطائفة المقابلة حيناً، والمرجعية الدينية لسان حالها حين لا يؤمّن المطلوب من الطريق الأوّل؟
وقد يسوّق للتسوية على أنها المكتوب، اقليمياً أو دولياً، لكن هل ثمة مكتوب اقليميّ يعني لبنان «محايدا» تجاه سوريا، ان لم يكن مكتوبا في سوريا؟ الدعاية للتسوية على أنها «قضاء وقدر» مكتوب في الوقت نفسه الذي تتكشف هشاشتها الداخلية بسرعة مذهلة، هو دعاية إلى انها الفرع اللبناني من تسوية اقليمية ودولية، من «لعبة أمم»! لكنها في الواقع أقرب ما تكون إلى تسوية بين الرباعي نبيه بري – وليد جنبلاط – سعد الحريري – سليمان فرنجية منها إلى فرع لتسوية مؤجلة تتعلق بسوريا أو اليمن! لكن تسوية بين بري وجنبلاط والحريري وفرنجية هي عملية تشكيل «تكتل نيابي جديد» لا يمكنه ان يتسع للعونيين والقوات، ولا لـ»حزب الله»، فهل يقبل بهذا «حزب الله» فقط لأنّ هناك من يعرض ابعاد جعجع مجدداً من مركز اللعبة؟ وفي هذه الحالة هل من علاقة بين هذه التسوية الرئاسية وبين تسوية دعا اليها السيد حسن نصر الله قبل مدة؟ هل هما الشيء نفسه، أم يحتاج الأمر إلى تسوية بين هاتين الدعوتين للتسوية؟!
هي تسوية بين من ومن؟ فعلاً محيّر السؤال، ومربك. هِبْ أنّها تسوية اسلامية مسيحية من نوع جديد، فهل يمكن حتى أن تنتج جملتين يحملان طابعاً ميثاقياً ما، كما فعل بشارة الخوري ورياض الصلح عام 1943؟ أم أن سليمان فرنجية الذي ترشّحه هذه ا لتسوية اختصر الجملتين بواحدة، مؤخراً، حين اعتبر ان علاقته ببشار الأسد «مصدر قوة للبنان»؟
فهل تكون تسوية بين لبنان والنظام السوريّ؟ هل يعقل أساساً أن ينتخب فرنجية رئيساً من دون قيد أو شرط داخليين واضحين، ومن دون توافق مسيحي سياسي حول اسمه، ونتفاجأ بعدها بتفعيل المجلس الأعلى اللبناني السوري؟ البناء على انّ بشار الأسد ساقط ساقط وبالتالي فرنجية سينتخب في مرحلة هي عملياً من دون بشار الأسد هو كلام غير عملي، لأن نظام بشار الأسد ما زال يمسك بقسم لا يستهان به من سوريا، ويستفيد من الحروب المتكاثرة على «داعش» لتبييض صفحته، ولا يزال ممسكاً بأغلب المناطق الحدودية بين البلدين، والقول بأن نفوذه سيضعف بوصول حليف تقليدي له في لبنان إلى الرئاسة هو «ديالكتيك المغفلين».
وقد يتوه المرء بحثاً عن اجابات لسؤال هي تسوية بين من ومن؟ تسوية داخل الطائفة السنية معاً لتفادي التزاحم بين مشاريع أقطابها الذين يراكم كل واحد منهم حيثية في السنوات التي أعقبت نهاية حكومة سعد الحريري؟ المسوّقون للتسوية يقولون أنها وطنية استباقياً: استباقاً للحظة «عودة» حزب الله من سوريا، وتفادياً لـ»المؤتمر التأسيسي» الذي يدعو اليه. أي شبكة أمان سنية مارونية استشرافية للمستقبل؟ لكن حينها كيف يمكنها أن تمرّ؟ في هذه الحالة قد يكون تسويغها مقبولاً، لكنه سيجعلها مستحيلة، وينقصها ما به تتباهى على الطروح واللاطروح الأخرى، أي ينقصها الواقعية.

٭ كاتب لبناني

وسام سعادة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية