في ذكرى الثورة… مصر بين رحى النظام والاخوان

قبل عشرة أعوام كتبت مقالا في «القدس العربي» عنوانه «أفرجوا عن مصر: التغيير السلمي أو الكارثة»، وجاء في فقرته الافتتاحية: «لا يمكن أن تدل المشاهد الهمجية والمؤسفة لقمع المظاهرات السلمية في مصر إلا على ان النظام بدأ يفقد توازنه، بعد أن فقد عقله. ولا يمكن أن تدل هذه الحشود الأمنية غير المسبوقة في القاهرة، إلا على أن مصر أصبحت أسيرة في أيدي نظام بوليسي قائم على القهر والتزوير».
أما ختامه الذي قدم قراءة مبكرة للمستقبل فجاء فيه: «أما إذا بقي لدى النظام أي قدر من الحكمة التي يتباهي بها، ويبدو أنه أسرف في استخدامها في سياساته الإقليمية، فلعلها ترشده إلى عدم استفزاز هذا الشعب الصابر، الذي قد يسكت طويلا، ولكنه اذا تكلم اهتزت الأرض وسقطت العروش».
ويمكن قراءة المقال بالكامل على هذا الرابط:
http://www.alqudsalarabi.info/index.asp?fname=data2006200655-12a38.htm

كان نظام مبارك في ذلك الوقت في أوج قوته، بل وجبروته أيضا، وكانت أصوات المعارضين نادرة، ولم تكن السماء أمطرت «أبطالا»، ولا بعض المعارضة تحول إلى «بيزنس» يتصارع فيه على الغنائم، كما حدث بعد اندلاع الثورة، ومازال يحصل حتى اليوم. لم نكن نسمع صوتا لبعض «الادعياء» الذين يحصدون اليوم الملايين والعقارات باسم الثورة، فيما لا يستطيعون تقديم دليل واحد على معارضتهم لمبارك قبل 25 يناير. وللأسف، وفي ظل هذا المشهد البائس، فإن تجار الدم والثورات أصبحوا يتصدرون المشهد في أكثر من بلد عربي، وليس في مصر وحدها.
أما السبب الذي جعلني أعود إلى المقال المشار إليه سلفا تحديدا، وهو ليس سوى واحد من مئات المقالات والبرامج التي صبت في الاتجاه نفسه على مدى عشرين عاما من المعارضة لمبارك ونظامه، فهو تشديد القبضة الأمنية للنظام الحالي في الذكرى الخامسة للثورة، لتبرز ملامح الدولة البوليسية، حتى أن السطوة الأمنية على السياسة والإعلام حاليا أصبحت تفوق ما كان حاصلا في عهد مبارك.
اكتب هذا مستندا إلى الواقع الذي رأيته، وقد عدت حديثا من مصر، وليس التحليل فقط، وبعيدا عن أي مبالغات، أو أحلام يقظة، أو أجندات مسبقة، أو انتقام من سياسة معينة للنظام لا تتفق مع مصالح جهة هنا أو هناك، رافضا كذلك، على الجهة المقابلة، نفاق «كهنة المعبد» للنظام الحالي، الذين يملأون الدنيا ضجيجا بعد أن تفوقوا على أنفسهم في التطبيل أثناء عهد مبارك.
في داخل مصر اليوم، يبدو الإخوان شيئا من الماضي. لا أحد يتحدث عنهم، وإذا سألت عنهم سيقال (اختفوا)، وإذا ذكروا عرضا فمقرونين باتهامات العنف والخيانة، ولن يمنع هذا وجود من يرى أن بعض الأوضاع كانت أفضل في عهدهم، أو من يتعاطف مع بعض المعتقلين منهــــم، بدون اتهام أو محاكمة، ولكنه تعاطف إنساني طبيعي، ما قد يعني واقعيا نهاية الجماعة كخيار سياسي حتى إشعار آخر.
هذه مقاربة لن تناسب اذن من تعتمد مصالحهم على الاستمرار في رسم الصورة الزائفة نفسها للمشهد، سواء من المؤيدين أو المعارضين للنظام، بينما الشعب المصري، الذي هو وحده صاحب ثورة يناير، ومازال الطرف الأقوى في معادلة هذا المشهد المعقد يقف واقعيا في واد، فيما الأبواق التي تملأ الدنيا ضجيجا وتتصارع على غنائم المؤتمرات والقنوات والبرامج في واد آخر.
ويكفينا هنا التوقف عند بعض ملاحظات من وحي الثورة وشهدائها وأهدافها:

أولا:

إن الذين يبشرون باندلاع ثورة جديدة يوم الخامس والعشرين، وهو ما لن يحدث حسب الغالبية الساحقة من المراقبين، هم في حقيقة الأمر يمارسون نوعا من التدليس السياسي، ويحاولون مصادرة المشهد السياسي ضمن أجندة مصالحهم الضيقة، في تعبير عن حالة التخبط والإنكار لمأزقهم التاريخي، وهم يسهمون عمليا في منع حراك يعبر عن حالة الاحتقان والإحباط لدى كثير من المصريين تجاه أخطاء النظام الحالي وخطاياه، وبذلك يقدمون خدمة جليلة للنظام.
أما المرجح حدوثه في ذكرى الثورة، فللأسف عدد من العمليات الإرهابية قد تشبه ما حصل في العام الماضي، مع خروج مظاهرات يشارك فيها عشرات أو مئات، وهذه غالبا ما تنفض تلقائيا بعد أن يتم تصويرها. ولا يمكن لأي مراقب جاد أن يعتقد أن مثل هذه الأعمال اليائسة ستسقط النظام، أو حتى تضعفه، بل الأرجح أنها ستدعم موقفه القائم على أن «مصر تواجه خطرا وجوديا بدعم من جهات أجنبية»، وهو ما يبتز مشاعر مختلطة من الخوف والوطنية وعدم وجود خيار سوى التوحد وراء الدولة في مواجهة الخطر الخارجي.
والاسوأ أن النظام يمعن في استغلال هذا الانسداد السياسي في سبيل استعادة الحكم الشمولي وفرض الهيمنة الشاملة على ما يظن أنه ادوات التغيير. وهو بالطبع سيظل غير معني بتغيير شروط اللعبة طالما انها تخدم مصلحته. وهكذا يقع الشعب المصري بين شقي رحى: نظام وأبواق معارضة يختلفان على كل شيء لكنهما متحدان عمليا على مناهضة حدوث التغيير.

ثانيا:

على طريقة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش إذ اعلن حربه على الإرهاب قائلا (من ليس معنا فهو ضدنا) فإن أبواق النظام والمعارضة في مصر اليوم تعتبر أن أي معارض للنظام هو إخواني حتما، والعكس صحيح، أي ان كل من لايؤيد الاخوان هو (سيساوي) حتما. والحق أقول إن أغلب المصريين يرفض هذه الرؤية الفاشية العدمية، ومع ذلك فانهم لا يجدون من يعبر عنهم في أي وسيلة إعلامية. إنهم مواطنون منحازون إلى حقهم في الاستقرار والحرية والعدالة، كما طالبت الثورة، وليس إلى نظام أو جماعة أو فرد أو حزب. ولعل الإقبال الضعيف في الانتخابات البرلمانية كان دليلا ناصعا على ذلك الموقف الدقيق. وهكذا فان عدم اندلاع ثورة جديدة في الخامس والعشرين من يناير لن يعني على الاطلاق انهم راضون عن أداء النظام الضعيف او حالة الانسداد السياسي، أو عودة القمع الأمني، أو انسحاب الدولة من كثير من واجباتها، أو متفائلون بهذا البرلمان الذي يضم نحو مئة وعشرين من رجال الاعمال، ناهيك عن سيطرة رجال اعمال آخرين على احزاب الاكثرية، بينما يعيش نحو نصف سكان مصر تحت خط الفقر.
لكن في الوقت نفسه لا يصب هذا الوضع في مصلحة الإخوان كجماعة انهارت في وحدتها وشرعيتها ووجودها القائم على الانضباط الصارم والطاعة العمياء للقيادة. وفقدت حاضنتها الشعبية التي كانت كلمة السر في تمكنها من التغلب على محنها التاريخية، بعد ان اعترفت بتورط بعض اعضائها في العنف والترويج له.

ثالثا:

وهكذا فإنه من الطبيعي أن تجد اغلب المصريين اليوم بين محبطين ومستائين من الواقع الذي أصبح يشبه نهاية طريق مسدود، بعد أن تعرضت ثورتهم التاريخية للسرقة مرتين، الاولى على ايدي من حاولوا استغلالها لتحقيق مصالح ضيقة بالهرولة مبكرا إلى جمع الغنائم متخلين عن رفاق الميدان، ثم بالتحالف مع المجلس العسكري (الذي يخونونه اليوم)، ثم بالسعي إلى تبديل هوية الدولة والمجتمع. وفي المرة الثانية جاءت سرقة الثورة عبر نجاح فلول عهد مبارك في ركوب الموجة الثورية الصادقة ضد الإخوان في الثلاين من يونيو، لإعادة عجلة الزمن إلى الوراء، وهؤلاء لا يتورعون عن مواصلة استفزاز مشاعر المصريين وكرامتهم ودماء شهدائهم، بإهانة ثورة يناير تحت قبة البرلمان وفي وسائل الاعلام، بل وتمجيد مبارك حتى بعد ان أصدرت محكمة النقض مؤخرا حكما قضائيا باتا ونهائيا سيجعله يموت مجرما ولصا ومختلسا لاموال ذلك الشعب، وهو أقل مما يستحق.

أخيرا:

هل من مخرج ممكن من هذا المأزق السوريالي؟ هل مازال الإخوان قادرين على التصرف كجماعة أو طرف سياسي مؤثر؟ أم ان عقدها قد انفرط للابد؟ هل يتخذ قادتها القرار الصحيح بان يتوقفوا عن الدعوة إلى العنف، في تكريس لمأساتهم ومأزق الوطن معا، ، وهم الذين انتحروا سياسيا، وأسهموا في ضياع ثورة كانوا رفضوها في يومها الاول ثم قفزوا عليها بعد ان نصرها المصريون. هل يملكون شجاعة الاعتذار للمصريين عن الاسهام في ادخال البلاد في هذا النفق المظلم، وان يعلنوا التنحي تماما عن المشهد السياسي مقدمين مصلحة الوطن على المناصب والفوائد، ليتمكن الشعب اخيرا من ان يقول كلمته في مواجهة شبح عودة الديكتاتورية، بعد ان يفقد النظام حججه الزائفة في ممارسة القمع.
وفي الوقت نفسه، تقع المسؤولية حتما على الرئيس عبدالفتاح السيسي، ولا اقول النظام الذي هو اجنحة متصارعة او متواطئة، ليفتح الباب واسعا امام مصالحة وطنية مع كل من لم تتلوث يداه بالدم، ما يسمح للجميع بالانخراط في العمل السياسي في اطار الدستور والقانون. ويقتضي هذا تطبيقا كاملا لتوصيات المجلس القومي لحقوق الانسان بشأن فض اعتصام رابعة، خاصة محاكمة المتهمين بالاستخدام المفرط للقوة ما أدى إلى ارتفاع عدد الضحايا. اما استمرار الوضع الحالي في ظل استشراء القمع الأمني، الذي ربما يشبع شهوات بعض الابواق والاجهزة في الانتقام من ثورة يناير، فلا يمكن الا ان يعيد بعث المعطيات نفسها التي ادت إلى انفجار الغضب الثوري، طال الزمن ام قصر.

٭ كاتب مصري من أسرة «القدس العربي»

خالد الشامي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية