في ذكرى رحيل كلود ليفي ستراوس: أعاد الاعتبار للفكر البدائي وشكّلت مداراته حقل إلهام

حجم الخط
0

تحلُّ، في هذه الأيام، ذكرى رحيل المفكِّر والانثروبولوجي كلود ليفي- ستروس. ورغم مرور ستّ سنوات على هذا الرحيل ( 30 أكتوبر/تشرين الأول 2009) فان أفكار هذا العالم الموسوعي وتجاربه ما زالت تُشكّل حقل إلهام لا ينضب. وكان صيت ليفي ستراوس قد ذاع في النصف الثاني من القرن العشرين باعتباره رائد البنيويّة وعالم الانثروبولوجيا الذي قادتْهُ مغامرات فكره إلى استكشاف الآليّات الخفية للثقافة عبر سبل متنوّعة ومتضافرة من العمل المُضني، وهو ما أتاح له فهْمَ قطاعٍ مهمّ من تلك الآلة الرمزية المتعاظمة التي تنغلق على مجموع خطط الحياة البشرية، من العائلة إلى المعتقدات الدينية، ومن الأعمال الفنّية إلى آداب المائدة. ومع ان ليفي- ستروس حياة عريضة بجولاته واكتشافاته ونجاحاته، إلا انه لا يخفي تذمّره ممّا يحدث حواليه، حتى قال: «أنا أعيش في عالم لا انتمي إليه منذ زمن. ان العالم الذي عرفته وأحببته كان يتضمن ملياراً ونصف المليار نسمة، وعالم اليوم يتألف من ستة مليارات نسمة. لم يعد هذا العالم عالمي».

تجارب رائدة

بدأ ليفي – ستروس حياته العملية بدراسة علم الإثنيات، قبل ان تغيّر مكالمة هاتفية مسار حياته وتجلب له حظّاً وشهرة وافرين، وهو يتلقى ذات صباح من أيام خريف 1934، عرضاً من مدير دار المعلمين العليا بباريس للعمل كأستاذ علم الاجتماع في جامعة ساو باولو البرازيلية. وهكذا، مثلما يحكي ذلك في سيرته الفكرية «المدارات الحزينة» الصادرة 1955، بدأت أهمّ تجربة في حياته، وهو يتولّى مهامّ استكشافية إثنوغرافية في «ماتو غروسو» وفي غابات الأمازون، ويلتقي قبائل هندية تعيش في مجتمعات يقال عنها «بدائية» حيث وصف، بشكل رائع، حياتها وعاداتها ومعتقداتها دوّنها في تقييداته المسمّاة «الحياة العائلية والاجتماعية عند هنود نامبيكوارا». وقد حمل من رحلاته الاستكشافية بالبرازيل، بين عامي 1935 و 1939، علماً غزيراً وجزءاً لا يُقدّر من ذاكرة الهنود وحياتهم وأساطيرهم اليومية. وبسبب قوانين حكومة فيشي المعادية لليهود، صرف ليفي ستراوس من الخدمة طبقاً للقوانين العنصرية التي سنّتها، وانتقل لاجئاً، برفقة العشرات بمن فيهم شاعر السوريالية اندريه بروتون، إلى أمريكا حيث عُيّن أستاذاً بالمدرسة الجديدة للبحث الاجتماعي بنيويورك (1942-1945)، وفيها عاش «مرحلة هامة من العمل الفكري العميق» بجوار علماء انثروبولوجيا لامعين، مثلما التقى بالعالم اللغوي رومان ياكبسون الذي استمع إلى دروسه، وتأثّر به، قائلاً: «كنت أمارس البنيوية دون ان أدرك ذلك، وقد أفادني ياكبسون عن وجود منهج علمي قائم». وبعدما وضعت الحرب أوزارها، التحق بالمركز الجامعي للبحث العلمي بباريس. وبعد توالي دراساته الرائدة في الانثروبولوجيا والإشعاع الذي تركته في زمنها، جرى انتخابه بالكوليج دوفرانس في كرسي الانثروبولوجيا الاجتماعية عام 1959، وبالأكاديمية الفرنسية عام 1973.

ترك كلود ليفي- ستروس كتباً كثيرة خلخلت جزءاً مهمّاً في مفاهيم العلوم الإنسانية، من أهمّها: «البنيات الأساسية للقرابة» 1949، وفيه يدرس المبادئ التي يقوم عليها نظام القرابة وقوانينها، متوقّفاً عند مسألة الانتقال من الطبيعة إلى الثقافة، أي هذه الحياة التي تدور على تبادل الممتلكات والنساء والرسائل. و»الانثروبولوجيا البنيوية» 1958، الذي رفضته دار غاليمار بذريعة ان فكر الكاتب «لم يبلغ بعد مرحلة النضج»، وهو مجموع مقالات عالج فيها ليفي- ستروس أنساق القرابة والعلاقة بين اللسانيات والانثروبولوجيا، وبنية الأساطير، ووضعية الانثروبولوجيا في العلوم الاجتماعية، والسحر ومكان الرمزية فيه. وفي الجزء الثاني، الصادر عام 1973، يمسك بطريقة في التحليل سعت إلى التأكيد على البنى المخبأة للظواهر الإنسانية، انطلاقاً من فرضية ان «الطبيعة الحقيقية تظهر في البداية من خلال العناية المبذولة للتهرب من إبرازها»، متطرّقاً إلى النزعة الأنسية والنقد الأدبي وكتابات روسو وفضل دوركايم على الأثنولوجيا. و»الفكر البدائي» 1962، الذي أظهر فيه الكاتب ان فكر «البدائيّين» لا يختلف في طبيعته عن فكر الإنسان المتحضّر، وكلّ ما في الأمر ان منطلق «الفكر البدائي» يحوِّل خصائص الواقع، متوجّهاً بالنقد إلى سارتر. و»الطوطمية اليوم» 1962، وفيه يعرض لمختلف النظريات في تفسير الطوطمية، واجداً في تطبيق عالم الحيوان والنبات والجماد على المجتمع وأنظمته مفتاح تفسيره للطوطمية على الخصوص، ومبيِّناً ان الطوطمية ليست سوى وهم من ابتداع الغربيّين الذين لم يفهموا ما تقوم به «الطوطمية» من دوْرٍ تصنيفيّ. إلى جانب ذلك، كرّس مشروعه العلمي في تحليل «الميثولوجيات» بأجزائه الأربعة الممتدّة بين 1964 و1971، بدءاً من «النيّء والمطبوخ» الذي بحث فيه الانتقال من الطبيعة إلى الثقافة عبر اكتشاف نار الطبخ، ومروراً بـ «من العسل إلى الرماد» الذي حلّل فيه تقابلاً ثانياً، هو التقابل بين العسل والتبغ، من حيث ان أحدهما يكمل الأول، فالأول قبل الطبخ والثاني بعده، و»أصل آداب المائدة» الذي بيّن فيه كيف ان الانتقال إلى الثقافة يتجلّى في الأساطير بواسطة أخلاق تتعلّق بآداب المائدة وتربية النساء والزواج، وانتهاءً بـ»الإنسان العاري» حيث تتجلّى الطبيعة في العري، بينما يتمّ الانتقال إلى الثقافة عن طريق التبادل التجاري.

مجد البنيوية

وكان الراحل كلود ليفي- ستروس مديناً لثلاثة مجالات علمية في بحثه عن البنية الخفية التي يمكن بها تفسير الظواهر، هي: الجيولوجيا، الماركسية والتحليل النفسي. تبيّن هذه الثلاثة ان الفهم يتمّ بإرجاع نمطٍ من الواقع إلى نمطٍ آخر، وان الواقع الحقيقي ليس أبداً هذا الواقع الظاهر. مثلما ان حدوسه الأولى ازدادت دقّةً واتّخذت لغة يقينيّة وصبغة علمية عندما تعرَّف، عن كثب، على أثنولوجيا مارسيل موس الـــذي أحدثت دراسته عن «العطاء» لدى الشعوب البدائية ثورةً في الفكر الأثنولوجي، وعلى اللسانيات البنيوية التي أفادته في دراسة الظاهرات المجتمعية، كما على الرياضيات الحديثة التي أفادته، بدورها، في معالجة مشاكل القرابة بواسطة نظرية المجموعات، وفي تحليلاته للأساطير الطويلة والدقيقة للغاية بواسطة الرموز الرياضية.
ومثلما يبدو من أبحاثه، كان يريد ان يجعل من الأثنولوجيا علماً يتميز بالدقة اللازمة لنشأة العلوم، وتكون بذلك، أيضاً، نموذجاً للعلوم الإنسانية الأخرى، لاسيما وانها تجد في البنيوية سندها الابستيمولوجي ومنهجها العلمي الذي يسعى إلى التبسيط والتفسير، ويبني النماذج، ويقوم بالتجريب، كما انه قادرٌ على التوقع. ولا نستغرب، في هذه الحال، ان يقول ليفي ستراوس انه «لا يوجد في فرنسا إلّا ثلاثة بنيويّين حقيقيّين، هم بينفنيست ودوميزيل وأنا. ولا يدخل الآخرون في هذا العدد إلّا بفعل ضلال». ويقصد بالآخرين: جاك لاكان، وميشال فوكو، ولويس ألتوسير. وتجلّى التحليل البنيوي، عنده، في مجالين كبيرين، فقد تعلّق بأنساق القرابة أو الأنساق التصنيفية من جهة، والأنساق الأسطورية من جهة أخرى. وطالما ردّد ان الفكر البنيوي يبحث باستمرار عن التوفيق بين المحسوس والمعقول، كما لفت إلى ان البنيوية قد أعادت للغائيّة مكانتها، وردّت إليها اعتبارها من جديد بعد ان ساد الفكر العلمي المتشبّع بالنزعة الآليّة والتجربيية. وبسبب من الطابع الأكاديمي والسجالي الغنيّ لعلمه، لم يسلم كلود ليفي- ستروس من انتقادات معاصريه، منهم من يرى انه لا يلتزم في شأن مصادره بالدقّة الكافية، فهو قادر دائماً على ان يعثر بالضبط على ما يبحث عنه، ومنهم من قال ان ممارسته للجدل هيغليّة أكثر منها ماركسية، ومنهم من عاب عليه نكرانه للتاريخ الذي لا يجعل له في ما يكتبه سوى مكانة لا تذكر.
يكون من المفيد ان يعود المرء، اليوم، إلى «المدارات الحزينة» سيرة كلود ليفي- ستراوس الذاتية في الحياة والفكر، ليعلم أيّة «ضريبة رمزية» تلك التي أدّاها من متاع روحه وجسده في عصْرٍ مضطربٍ ولولبيٍّ، حتى استحقّ كل هذا الاحترام وهو يُغْمض عينيه عن شعلة هذا الكون واشتعاله

عبد اللطيف الوراري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية