حكاية العرب مع الألعاب حكاية لها ظاهر وباطن ككلّ الأشياء ذات الأبعاد. اللعب في الظاهر مرادف للهزل وقلّة الحكمة وإهدار الوقت وإذْهاب المهابة، ولهذا يقابل اللعب في المعجم الجدّ ويرتبط بما لا ينفع من الأعما،ل فقد جاء في اللسان: «يقال لكلّ من عمل عملا لا يُجدي عليه نفعا إنّما أنْتَ لاعبٌ» (لسان العرب: 1/740) .غير أنّ وراء هذا الموقف الرسميّ الظاهر آخر يعتبره بابا إلى الجدّ، خصوصا في الكلام فهو في بعد من أبعاده لعبة قد تخفي الحكمة. وما يعنينا ههنا ليس الخطاب بما هو لعبة بل اللعبة بما هي خطاب.
في التراثين اللغويّ والشّعريّ العربيّين ما يدلّ على أنّ اللّعب ممّا يُحتفى به قديما؛ ففي المعجم رصيد من الكلم الضروريّة وأحيانا الإضافيّة لتعيين أساسيّات اللّعب. فلدينا أسماء للّعبة واللاعب وأطراف اللعب ومكان اللعب، ولكن لدينا أيضا عبارات أخرى من نوع المِلعبة و»المِلعَبة ثوبٌ لا كُمّ له يلعب فيه الصّبيّ (740)» وهي تسمية تدلّ على أنّ للصبية ثيابا خاصة للّعب، صحيح أنّها لا ترقى إلى الزّيّ الحديث، وصحيح أنّها قد تكون غير متوفّرة إلاّ للمترفين الذين يعدّدون اللباس بتعدّد المناسبات، غير أنّ ذلك في رأينا ليس إلاّ درجة من الوعي العَلاميّ يجعل للّعب علامة فارقة في اللباس إذا ارتداه الصبيّ كان لاعبا، حتى إنْ كان في أغلب أحواله لاعبا من غير ذلك اللباس. وكانت الأماكن تُفرد في الدّيارات المفتوحة أو المغلقة للعب الصبيان والجواري، وفي ذلك استعمال علامي مخصوص للعب ولفئة من اللاعبين هم الصّبيان والجواري دون الرجال والنّساء. أمّا لعب الرّجال مع الجواري وملاعبتهنّ فهو ضرب آخر من اللّعب؛ ذلك أنّ الجارية اللّعوب هي في المعجم حسنة الدَّلّ (740). وفي هذا المعنى قيل شعر كثير نختار منه هذا البيت لعبيد بن الأبرص جاء فيه: (قد بتّ أُلْعبها وهْنا وتُلعبني * ثمّ انصرفتْ منّي وهي على بالِ).
وهكذا فإنّه ينظر إلى هذا الضرب المخصوص من اللعب على أنّه احتفال ليس نقيضا للجدّ، بل يدخل في سياق سيرورة كاملة من مشهد جنسيّ مطلوب لا هزل فيه ولا جدّ.
وحين وصف القرآن الدّنيا في أكثر من آية (الأنعام، 32؛ محمّد، 36؛ الحديد، 20) بأنّها «لعب ولهو» لم يدعم ذلك الرؤية السّلبية للّعب، بل ساق الدنيا بأسرها – بهزلها وجدّها- إلى دائرة الألعاب التي كانت تضيق قبل هذا.
وعلى كلّ حال فكلامنا عن اللعب يحتاج عيّنة ولو قصيرة عن لعب العرب قديما. وسنحيل في هذا السّياق على مقطع فريد في كتاب الحيوان للجاحظ ( 6/145-6) فيه ذكرٌ لسبعة أنواع من لعب العرب عرضها عَجِلا مستطردا لا يطلبها في ذاتها. سنكتفي بنقل ما قاله عن اللّعبة الأخيرة وهي لعبة الضبّ يقول الجاحظ: «ولعبة الضّبّ أن يُصوّروا الضّبّ في الأرض ثمّ يحوّل واحد من الفريقين وجهه ثمّ يضع يده على شيء من الضبّ فيقول الذي يحوّل وجهه: أنف الضبّ أو عين الضبّ أو ذنب الضبّ، أو كذا وكذا من الضبّ على الوِلاء (أي التّتابع) حتّى يفرغ، فإنْ أخطأ ما وضع عليه يده رُكب ورُكب أصحابه وإنْ أصاب حوّل وجهه الذي كان وضع يده على الضّبّ ثمّ يصير هو السّائل». (الحيوان 6/146)
تعتمد اللعبة ثلاثة أنظمة علاميّة هي اللغة (السّؤال والجواب) والرّسم أو الإيقونة (صورة الضبّ على الأرض) والإشارات (أن يضع يده على جزء من رسم الضب). وترتكز اللعبة على سيميولوجيا الفضاء. والفضاء في اللعبة ضربان : فضاء مُجسْدَن (رسم الضبّ : فضاء ثنائيّ الأبعاد) أو جَسدٌ محوّل إلى فضاء: تَفْضِية الجَسَد حين يُصبح مَرْكَبًا يحمل الرّابح على ظهره.
الفضاء مفتوح والفضاء الوحيد المسيّج هو جسم الضبّ المرسوم والاختبار يدور حول تحديد المواضع المرسومة عليه حدسا ومن غير نظر. ليس في الأمر رجْما بالغيب كما يُظنّ بل فيه تجريب ذهنيّ لملكة التذكّر لأنّ رسم الضبّ سينظر إليه مليّا ثمّ يُخزّن في الذاكرة وسيُتعامل معه على أنّه الخُطاطة الهادية لتحديد المواضع المختبر فيها.
تنقسم اللعبة قسمة كلاسيكيّة إلى اختبار وجائزة غير أنّ ما يميّز بينهما هو أنّ الجائزة هي أيضا جزء من مشهد اللّعبة فهي لا تقتطع اللّعبة إلى أشواط فقط بأنْ ينتقل اللاعب الفاشل إلى مركوب.. إنّ مشهد الجزاء والعقاب مطلوبٌ بقوّة فهو المشهد المركزيّ، إذ له يَتنافس المتنافسون. واللّعبة بمرحلتيها دائرة حول الجسد الحيوانيّ، في الأوّل يصبح جسد الضّبّ الإيقونيّ موضوع تجريب للذاكرة وللمعرفة الحسيّة المنقوصة من أداتها الحسّية. وفي الثاني يمارس الجسم البشريّ وظيفة الركوب، وهي وظيفة تقوم بها فصيلة من الدّوابّ التي يركبها الإنسان في الأصل: في هذه اللّعبة يركب الإنسانُ الإنسانَ فقط لأنّه لم يعرف بدقّة ما سُئل عنه ولم ينتبه إليه. في اللعبة بمرحلتيها يكتسب الرّسم والإنسان بما هما دالاّن رمزيّان مدلوليْن جديديْن؛ وفي هذا الجوّ من التبادل العلاميّ يصبح الرّسم موضوع معرفة ويصبح الإنسان دابّة إنْ لم يُكتب له النّجاح في الوصول إلى تلك المعرفة المكلّلة بالظلمة والنّسيان وقلّة التذكّر.على حَدْسِك الذي يُبنى بتذكّر ما عرفته منذ هنيهة أن يقودك إلى بناء المعرفة الواقعيّة بسلام وإلا فسيقودك إلى تجريب الحيوانية: حين لا يشتغل الذّهن كما يُراد له أن يشتغل، في هذه اللعبة سيتعب الجسد وسيعود إلى ما لا يفصله عن الحيوانية الجنسيّة التي يشارك بها بقيّة أنواع الحيوان الأخرى الانتماء، ويختلف عنها بالخصائص الذاتية؛ معرفتنا تبدأ بالانتباه إلى تفاصيل حيوانيّة الآخر، إلى تفاصيل حيوانيّتنا.
وتعتمد اللّعبة بمرحلتيها على الإحساس بالفضاء العَلامي، أيْ على استعمال ملكة حسّية حركيّة في تنفيذ خطّتي الاختبار والجائزة. الإحساس بالفضاء العلامي عند اللّعبة يتمثل في اللّمس، غير أنّه لمس لشيء مرئيّ لا يقول ملمَسُه شيئا عن المسؤول عنه، ولن تتمكّن اليد من تحسّس أيّ موضع من رسم الجسد، وستكون حاسة اللمس الإدراكية معطّلة ولن تلعب غير وظيفتها الإشارية، وهي وظيفة علاميّة لا حسّيّة. والإحساس عند الانتهاء من الإجابة صوابا أو خطأ سيعود إلى العمل، إمّا بعودة العين إلى الرسم وقد كانت منفيّة عن مرآه، وإمّا أن يصبح إحساسه بجسده مغيّرا عن خفّته الأصلية حين يحمل الفائز.
هل كان الصّبية وهم يلعبون في الصحراء هذه اللعبة أو ينقلونها إلى المدينة بذاكرة البادية يعلمون شيئا من هذا؟ بالطبع لا. هم كانوا يلعبون ولا يفكّرون في قراءة لعبتهم؛ كانوا كَمَنْ يتكلّم ولا يفكّر إلاّ لأجل أن يُنجح لعبة كلامه. أمّا قراءة ذلك الكلام بعلاماته فليس من شأنه إنها لعبة من أراد أن يقرأ؛ لكن ما كلّ من أراد أن يقرأ هو لاعبٌ ماهر حتّى وإنْ وضعته الصدفة على حلبة القراءة. على قَدَرِ الفكر أنْ يجعله لاعبا وتحديدا من مَهَرَةِ مصارعيه وبعد هذا لا يهمّه إن انتصر أو انهزم، فلن تحمله الأقدار على ظهرها مثلما فعل لاعبو الجاحظ في لعبة الضبّ. الضبّ أخرجه الصبيان من جحره الخرب وحمّلوه علامات هي كلّ عالم ألعابهم وهل كان لهم وهم يلعبون عالمٌ آخر؟
٭ أستاذ اللسانيّات في الجامعة التونسيّة
توفيق قريرة