في ضرورة المجتمع المدني

■ أطلقت شعوب «الربيع العربي» في ثوراتها شعاراً طموحاً ما زالت أصداؤه تتردد إلى اليوم، «الشعب يريد إسقاط النظام»، وإلى حد كبير تمكنت أربع من الثورات العربية من تحقيق هدفها المعلن، وأسقطت أنظمة الحكم القائمة، ولكنها فشلت في وضع بديل حقيقي يمكنه أن يحقق الأهداف الأخرى من خبز وحرية وعدالة.
والعامل المشترك بين ثلاث من تجارب الإطاحة بالنظام هو وجود النواة المعقولة للمجتمع المدني، الذي استطاع تحريك المشهد لبضعة أيام أو أسابيع كانت كافية لدفع النظام للانهيار، وباستثناء ليبيا فإن القوى الثورية الميدانية كانت تمتلك جانباً من خبراتها من أسبقيات العمل في منظمات إنسانية وحقوقية مختلفة، وهو ما كان التعريض به أحد المواضيع المفضلة لدى الإعلام الرسمي، الذي استقبل مشهد الميادين والشوارع بكثير من الصدمة والفوضى التي كان يحتمها انسحاب غير منظم للإعلاميين والأبواق، من أجل الحصول على مواقع جديدة تتناسب مع الشكل الجديد الذي ستؤول له السلطة.
هذه النواة من المجتمع المدني أيضاً كانت دافعاً أساسياً لحدوث حالة من الإحباط بين المواطنين العاديين واليوميين والبسطاء المنتمين، الذين مثلوا الزخم الثوري، فالشباب الذين حركوا المشهد توزعوا بين مصائر سلبتهم الصورة البطولية التي خلعها عليهم المواطن العادي، وكانت هذه العباءة البطولية بالفعل ثقيلة على أكتاف معظم الشباب، الذين صعدوا للمشهد في المرحلة التي فصلت بين الهتاف الأول والبيان الأخير، بعضهم اختفى بصورة غير مبررة، فأعطى انطباعاً عاماً بأنه كان بيدقاً وظيفياً لدى قوى غامضة. وآخرون تفرغوا للمرابطة في الاستديوهات، وتورطوا بكثير من السذاجة في مهاترات تلفزيونية تحولت إلى حفلات من التشويه والطعن في الأشخاص والضمائر والأعراض والذمم، ولم يكن من السهل على النظام الذي يصعد، أي نظام كان، أن يستميل آخرين بذهب المعز أو أن يخضعهم بسيفه، وبذلك التبست الثورة بالمؤامرة بعد فترة من الزمن، وربما يكون ذلك مدخلاً لاستعادة الأنظمة القديمة التي يمكن أن تعيد إنتاج نفسها من مدخل أن إسقاطها كان مؤامرة أو على الأقل خطيئة تاريخية.
كل من تجربتي الرئيس مرسي والرئيس السيسي، وتجارب السبسي وقبلها المرزوقي، وكل الفوضى التي تجتاح ليبيا واليمن، كل ترنح أو تعثر أو فشل، لا يعني مطلقاً صكاً لبراءة أي من الأنظمة التي سقطت في «الربيع العربي»، فجميعها أنظمة كانت منتهية من الداخل، نخرها الفساد ولم يكن يحول دون سقوطها سوى عصا القمع التي تكشفت هشاشتها هي الأخرى مع خروج المواطنين إلى الشوارع، وكل حالات التخبط ومظاهر العجز أنتجت في مرحلة الطاغية والرئيس الأبدي الذي أدت سياساته إلى راهن عقيم جعله يتقدم بالتوريث مشروعاً لتأبيد نموذجه.
الشعوب لا تفكر بطريقة منطقية، الشعوب تعيش دائماً حالاتها العاطفية حتى النهاية، وإذا لم توجد الدولة التي تستطيع توظيف الخبرة التاريخية والوعي المصاحب لها في إطار عقد جديد مع الشعب، فإن ظاهرة الحنين للديكتاتور ستبقى محتملة بصورة كبيرة، ويمكن أن تبقى هي المخرج المناسب أمام أي هزات أو سقطات، ذلك هو ما حدث في فرنسا مع انتهاء مشروع نابليون والردة للحكم الملكي، وبحيث أصبحت لعبة استبدال الطغاة هي الحل المتاح أمام الفرنسيين، وكان إيمانهم بالطاغية الذي يستطيع أن يتصدى للمسؤولية بغض النظر عن الوسائل يفوق قناعتهم بالثائر الذي يبدو مرتبكاً، تائهاً ومتردداً.
تحدث المفكر فرج فودة عن الدائرة المفزعة التي تستغلق مع تغيب المعارضة المدنية، وتصبح تبادلاً للمواقع بين الحكم العسكري والسلطة الدينية، مع احتمالية كبيرة لأن يتماهى الحكم العسكري مع السلطة الدينية ليضع الحكم «العمامة فوق الزي العسكري»، على حد وصفه، وكان فودة رؤيوياً في هذه المقولة التي أصبحت واقعاً عملياً بعد ثورة يناير 2011، وبالفعل تبدو جميع الطرقات مغلقة أمام تجربة الدولة الحديثة في العالم العربي، سواء دول الربيع أو الدول التي مكثت تنتظر واندفعت لإصلاحات شكلية بموازاة الموجة الثورية التي امتدت على مدار سنة 2011، ولكن هذه الدول نفسها التي أظهرت مرونة في الشأن الإصلاحي أخذت تتراجع عنها مع تعثر الربيع في محطته السورية، بل أبدت أحياناً نوايا للنكوص الكامل والعودة إلى ممارسة استبدادية على أساس تجنب محنة الحرب الأهلية التي كانت مآلاً مؤسفاً للثورة في سوريا.
الاطمئنان لانتهاء «الربيع العربي» يبدو حكماً متسرعاً من ناحية، ومن أخرى يتناقض مع التجربة التاريخية التي تظهر بأن الانتقال نحو مرحلة من الحداثة السياسية تستغرق عقوداً من الزمن، فثورات 1830 المجهضة في أوروبا، عادت في تجربة أكثر قوة واتساعاً في موجة ثورات 1848 لتكون مفتتحاً لسيادة التوجهات الليبرالية والقومية، ويتوجب على العالم العربي في حالة البحث عن مخرج يجنبه مزيداً من الخراب على النمط الأوروبي الذي أفضى لحربين عالميتين أن يعمل على المضي في المزيد من الإصلاحات السياسية، وأن يراهن على المجتمع المدني الذي يستطيع أن يخرج بالبيئة المناسبة للتغيير، وهو التغيير الذي يكفل أصلاً فرصة البقاء للأنظمة في المدى البعيد، لأنه ببساطة يعطيها فرصة الدخول في آليات التناوب على السلطة، بدلاً من أن يقصيها بشكل كامل وانتقامي.
الإشكالية الراهنة بخصوص تغيب تقاليد المجتمع المدني، وعدم وجود البيئة القانونية والتشريعية الحاضنة لمؤسساته وتشكيلاته، المادية منها والمعنوية، تتمثل في النزعة لممارسة التسلط والاستبداد من أي سلطة بوصفها أتت من خلال القوة، وأن الطرف الذي أزاحته يستحق معاقبته وبشراسة على الحالة التي وصلت لها البلاد، ومن هذه البذرة الاقصائية تتولد الشرور الأخرى التي تجعل كل هذه التضحيات برسم استبدال طاغية بآخر.
الثورة هي صيرورة كاملة، والخروج للميادين هو جزء من الثورة، والربيع العربي لم يبدأ من الجسد المحترق للبوعزيزي، فهذه اللحظة كانت تعبيراً عن الوصول إلى الكتلة الحرجة التي أدت إلى انفجار الأوضاع، وطالما بقيت الأسباب التي دفعت للخروج إلى الميادين قائمة، فإن الوصول إلى نقطة الغليان مرة أخرى ممكن ومحتمل دائماً، وإذا كانت الشعوب العربية تبدو مترددة في المبادرة من جديد فذلك بسبب الإحباط من النتائج التي تحصلت عليها، وبسبب عدم القدرة على بناء مؤسساتها الموازية، والمخرج الحقيقي يتمثل في فكر مختلف من الدولة يعترف أصلاً بعمق المشكلة ويتخلى عن تصور الدولة الكلاسيكي التي لا تحتكر فقط العنف، ولكن أيضاً الوعي، فترى نفسها حالة من التأله التي تعطي الشعوب كفاف يومها وتطالبهم بالمقابل بالحمد والشكر على ذلك. المجتمع المدني متطلب أساسي للشعوب وللدولة، لأنه سيغير من طبيعة الشكل المؤسسي، وسيجعله قابلاً للتعايش مع المستقبل الذي يشير إلى أن المجتمع المدني استحوذ أصلاً، من خلال التكنولوجيا ومنها مواقع التواصل، على وسائل تخليقية جديدة من شأنها أن تجعله أكثر مرونة ومقاومة في الوقت ذاته.

٭ كاتب أردني

في ضرورة المجتمع المدني

سامح المحاريق

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية