في عالم يعج بالمصائب وتضيق فيه الحياة تحت معاول الحروب: هل للفكاهة بملحها واضحاكاتها دور في الترويح عن إنسان اليوم؟

حجم الخط
1

نواكشوط ـ «القدس العربي»: ما أحوجنا اليوم وخاصة في عالمنا العربي الذي تتكدس فيه الهموم وتسيل في مدنه أنهر الدم وتضيق فيه المقابر عن الجثامين، أن نحيي الفكاهة وننعش النكات عسانا بذلك أن نروح عن قلوب مغمومة وأن نوسع حياة يضيق خناقها كل لحظة وحين.
بديلا عن الفكاهة الشفهية، تنشر يوميا رسوم الكاريكاتير في الصحف والمواقع، غير أن قتامة واغبرار الواقع المحيط بالرسامين جعل رسومهم جادة ومنغمسة في السياسة حتى الأذنين مما أفرغها من شحنة النكتة وأخلاها من توابل الفكاهة المروحة عن النفس. والفكاهة قديمة قدم الحياة البشرية ولها في مجتمعنا العربي أدبها الخاص ومبدعوها ومستهلكوها وترسانة قصصها.
وللفكاهة والضحك أهميتها الكبرى في حياة الإنسان، فهي مما تنزع إليه النفس الإنسانية، وتنشرح به الصدور، وتطمئن به القلوب، وترتاحُ به النفوس، حيث فُطر الإنسان على الضحك والفكاهة، فترفع بها هموم حياته وتندفع بها معاناته، وتنفتح به النوافذ المضيئة في مسيرته.
ويعرف البعض الإنسان بأنه «حيوان ضاحك» يتميز بنطقه، ويمتاز عنها بابتساماته وفكاهته.
وتدل الدراسات على أن الضحك والابتسام والنكتة والكاريكاتير يمكن أن يعدل بها المزاج وأن يُخفف بها من التوتر والقلق، كما أن مشاهدة البرامج المضحكة مفيدة للصحة النفسية والجسدية. وأكدت دراسة صادرة عام 1966 أن المرضى الذين شاهدوا البرامج المضحكة كانوا أقل احتياجا إلى مسكنات الألم بعد عملية جراحية من المرضى الذين شاهدوا أفلاما جدية أو لم يشاهدوا شيئا.
جاء استذكار الفكاهة متزامنا مع دعوة لانعاشها واحيائها أطلقها أخيرا الأديب الموريتاني محمد فال عبد اللطيف حيث قال «أعود اليوم لأستنهض همم أولى الهمم العوالي من الباحثين والأساتذة والمثقفين ليدرسوا الفكاهة الوطنية ويجمعوا ما تشتت منها قبل ان يذهب أهله فيذهب بذهابهم أدب كثير ممتع».
وأضاف «ما من شعب إلا له فكاهة، حتى الشعوب البدائية التي تعيش في الأدغال، ناهيك عن الشعب الموريتاني الذي هو مجمع البحرين، العربي والبحر الافريقي، وخلاصة العرقين، جمع إلى ذكاء الصحراء وفطنتها دماثة النهر وحسن خلقه، تراكمت عليه مع رمال العصر الرابع تراكمات حضارية تلاقت وتلاقحت فكانت مصدر غنى وثراء وعطاء».
ودعا الباحث للاهتمام بالنوادر الواردة بالعامية مستطردا في هذا المنحى قول الجاحظ :» ومتى سمعت حفظك الله نادرة من نوادر العوام وملحة من ملح الحثوة والطعام فإياك أن تستعمل فيها الاعراب أو تتخير لها لفظا حسنا أو تجعل لها من فيك مخرجا سريا فإن ذلك يفسد الامتاع بها ويخرجها من صورتها ومن الذي أريدت له ويُذْهب استطابتهم إياها واستملاحهم لها».
ويقول الدكتور أحمد محمد الحوفي عضو مجمع اللغة العربية وأستاذ الأدب في كلية دار العلوم في جامعة القاهرة في كتابه «الفكاهة في الأدب أصولها وأنواعها»: «في حياة الأفراد والجماعات مراحل من الكد والجد قد تصل بهم إلى النصب والاجهاد، وخير ما يتجدد به نشاط هؤلاء وأولئك هو الضحك والفكاهة، لا فرق في ذلك بين بداة ومتحضرين، ولا بين علماء وجهال، ولا بين كبار وصغار».
ويعرف الدكتور محمد فضل الله شريف رئيس القسم العربي في كلية «أونتى بركت بوره» في حيدر آباد النكتة أو الفكاهة بأنها «شيء من قول أو فعل يقصد به غالبا الضحك وإدخال السرور على النفس، وينظر في حكمها إلى القصد منها وإلى أسلوبها، فإن كان المقصود بها استهزاء أو تحقيرا مثلا، أو كان في أسلوبها كذب مثلا كانت ممنوعة، وإلا فلا».
وأكد الباحث محمد فضل الله شريف في بحث كتبه عن الفكاهة على «أهمية الفكاهة والضحك والمزاح في حياة الإنسان، عارضا ما كانت لها الفكاهة من تأثير وتفاعل من حيث شحذ الهمم، وتقوية العضلات واصلاح نظام الجسد، وفي دفع الأمراض الجسمانية والنفسية، وفي توثيق العلاقات والروابط الاجتماعية، وموضحا موقف الإسلام منها.
ولم يخل عصر من عصور الأدب العربي من الفكاهة وإن كانت الفكاهة نادرة في الأدب الجاهلي، لكن عرف في صدر الإسلام الأدب الفكاهي، وظهرت في العصر الأموي شخصيات فكاهية مثل أشعب وأبو دلامة.
ونبغ في العصر العباسي أشخاص في فن الفكاهة والاضحاك كابن الرومي والجاحظ، وانتشر الندماء والظرفاء، ونالوا مكانةً عظيمةً عند الخلفاء والوزراء.
وللفكاهة رفوفها الخاصة في المكتبات العربية حيث نجد كتبها الجامعة بين الفكاهة والفوائد العلمية والنكات الأدبية؛ ولها مؤلفوها الكبار مثل الخطيب البغدادي في كتابه «التطفيل» والحصري القيرواني في كتابه «جمع الجواهر في الملح والنوادر» والثعالبي في كتابه «نتف الظرف» وابن الجوزي في كتابه «أخبار الظراف والمتماجنين».
وتبين الدراسات أن النساء يفضلن الرجال المسلين الهزليين، وجاء في دراسة أجريت عام 1990 أنه عندما يتحدث رجل إلى امرأة من غير كلفة، فإن مقدار ضحك هذه المرأة يدل على مدى رغبتها في مصاحبته وانجذابها إليه.
وسن مؤسس حركة اليوغا للضحك يوم ضحك في مومباي في الهند عام 1998 ومنذ ذلك التاريخ، تنظم سنويا في جميع أنحاء العالم، مناسبات عديدة لتشجيع الضحك والمرح، بل وتطور الاهتمام بالاضحاك حتى أصبحت الحفلات المخصصة للضحك تنظم كل عام.
فهل يمكن أن يكون للفكاهة بملحها واضحاكاتها دور ما في الترويح عن إنسان اليوم، ذلك الإنسان الذي يعيش في عالم يعج بالمصائب وتضيق فيه الحياة تحت معاول الحروب؟

في عالم يعج بالمصائب وتضيق فيه الحياة تحت معاول الحروب: هل للفكاهة بملحها واضحاكاتها دور في الترويح عن إنسان اليوم؟

عبد الله مولود

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية