الخريطة الفلسطينية الحالية، وبغض النظر عن وجود الكيان الصهيوني، لا تعبر عن فلسطين التاريخية، وهي مجرد تعبير عن فلسطين الانتدابية، التي مثل غيرها من سوريا الطبيعية والعراق، مجرد خلاصة لمساومات ومصالح وصراعات فرنسا وبريطانيا.
بينما كان منطق الجغرافيا وقرائن التاريخ تضع أصلاً خرائط مختلفة للمنطقة ككل، وهي خرائط تعرضت للعديد من الإزاحات بناء على الدويلات والإمارات التي نشأت على مسرح المكان والزمان في هذه الأرض. يمكن بطريقة استرشادية أن توضع الكتل الجغرافية الأساسية لتعتبر دلائل استرشادية، وهذه الكتل يمكن أن تفصل الساحل عن المناطق الجبلية الداخلية، وتعطي هوية خاصة للبادية، بحيث تنتهي سوريا الطبيعية عند حدود الفرات، ليبدأ العراق الذي لا يمكن فصله عن عربستان أو الأحواز حالياً، وللأكراد كينونتهم المرتطبة أصلاً بالتضاريس الجبلية. وفي الزمن العثماني كانت المدن الرئيسية تمثل نقاط الارتكاز التي تصاغ حولها الأقاليم، فيصبح الإقليم فضاء إدارياً يتبع لمدينة مسيطرة ووازنة، فكانت دمشق، وقبلها حلب، وبمحاذاتها الموصل وبيروت التي حصلت على نفوذ كبير نتيجة تفضيل الموظفين العثمانيين البقاء فيها لطبيعتها المحايدة، والقدس أيضاً لأهميتها الدينية والرمزية. وفي الخرائط العثمانية لنهاية القرن التاسع عشر تظهر فلسطين الحالية موزعة بين متصرفية القدس التي تضم المنطقة الجبلية من الأردن أيضاً ابتداء من قرية صافوط لغاية العقبة، بالإضافة إلى أرض بشارة التي تمتد من شمال يافا إلى صيدا (ولايات المملكة العثمانية في آسيا 1893).
هذه الجغرافية تغيرت المرة بعد الأخرى، قبل الدولة العثمانية وبعدها، وكانت التغييرات في الزمن العثماني متتابعة، واتسمت بكثير من عدم الاستقرار لأسباب إدارية تتعلق بالإيرادات والمصاريف، وأحياناً محاولات استرضاء بعض القبائل أو الكتل السكانية، ولأن الانتقال من العصر العثماني إلى مرحلة أكثر حداثة لم يكن قائماً من تشكيلات دول مستقلة، ولكنه أتى ليوضع ضمن اتفاقية دولية لم تكن لتجد أي مشكلة في تجاهل الحقائق على الأرض، فإن الشعوب العربية التي أفرزتها دول سوريا الطبيعية والعراق، احتاجت إلى جرعات من التهويم والتوظيف المفرط للرمزية، وفلسطين بالطبع لم تكن استثناء، ولكنها حالة اكتسبت خصوصيتها، فالوطن الفلسطيني الذي أنتجته سايكس- بيكو أصبح هو نطاق تفكير الشعب الذي أصبح تلقائياً الشعب الفلسطيني، ولكنه في البداية لم يكن مصمماً للفلسطينيين، ولكن لليهود المهاجرين من أوروبا.
المقيمون في فلسطين الانتدابية وقعوا في الخطأ الكبير، وقبلهم بالطبع العرب، في أن تكون روايتهم التاريخية المناهضة للرواية الاستعمارية الصهيونية قائمة على أساس التصور الذي اصطنعته الصهيونية، ووجدت بالطبع الدول العربية المجاورة لفلسطين هذه الفكرة تخدم مصالحها، فإذا كان الفلسطينيون يرون أن هويتهم تستمد وجودها من المظلومية التي وقعت عليهم بالاحتلال والترحيل القسري، فإن الدول العربية الحدودية وجدت في ذلك مبرراً لحدودها الجديدة، وأصبحت مرتبطة وجودياً بالحدود التي صنعتها فلسطين الانتدابية وفي داخلها بالطبع دولة اسرائيل.
اسرائيل تحتل أرضاً عربية، ويعتبر الاحتلال الاسرائيلي لهذه الأرض التي يقع معظمها في متصرفية القدس وأراضي الجليل عائقاً أساسياً وجوهرياً يحول دون تحرر بقية الدول العربية سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، وكانت هذه الفكرة حاضرة في الوعي الشعبي والنخبوي العربي قبل 1967، وربما كان ينظر للفلسطينيين وقتها بأنهم المهجرون داخل الأرض ذاتها، ولكن المعطيات التي تراكمت بعد الهزيمة المفاجئة والمذلة في يونيو 1967 جعلت الفلسطينيين يتحولون إلى شخصية مستقلة، فكل دولة عربية بصورة سيكولوجية سعت إلى أن تستعيد حدودها وأن تعفي نفسها ضمنياً من منازعة اسرائيل (المنتصرة) على الأراضي التي تحتلها منذ 1948 باستثناء الضفة الغربية، التي بقيت أساساً جزءاً محتلاً من المملكة الأردنية الهاشمية، ولكن شهوة المجتمع العربي تجاه عزل الفلسطيني ومنحه الشخصية المنفردة وإلقاء القضية على كتفه لوحده، جعلت هذه المنطقة تشهد عملية من تغيير الوقائع على الأرض بحل مغرض ومضلل، فمن ناحية كان الحديث عن الحق الفلسطيني في دولة مستقلة يعتبر اقراراً ضمنياً بالتنازل عن الأراضي التي احتلت عام 1948، ومن ناحية أخرى كان الفلسطينيون في الضفة الغربية وقطاع غزة مطالبين بأن يختلقوا الظروف المناسبة لإقامة دولة مبتسرة ومفككة لأنها لا تمتد طبيعياً بترابط وظيفي بين الداخل والساحل، ولكنها تجمع ثقافتين متناقضتين ومختلفتين بدون وجود التكامل الجغرافي الذي يمكنه أن يخلق حالة من الدوران بين الفئتين وصولاً إلى الاندماج.
تغيرت بالطبع التصورات الشعبوية المرتبطة بفلسطين، فلم يعد مثلاً أحد يتحدث عن الهزيمة الواسعة والثقيلة التي تكبدتها الدول العربية في حرب فلسطين، ولكن الجميع يتحدث عن الفلسطيني الذي قام ببيع أراضيه، مع أن الأراضي المباعة لم تكن مملوكة لأهالي فلسطين، ولكن لأسر لبنانية كانت تعيش في بيروت عاصمة الولاية الواسعة وحصلت على ملكية هذه الأراضي من الدولة العثمانية، كما أصبحت مواقف الشعوب العربية تجاه فلسطين تقول ضمنياً بأنها هبت لنجدة الفلسطينيين من العصابات الصهيونية، وأن ذلك يصنف بوصفه تمنناً من الدول والشعوب العربية، خاصة المجاورة، ولكن في الحقيقة أن هذه الجيوش كانت تؤدي واجبها تجاه عملية احتلال واضحة وصريحة لأرض حملت صفة العروبة لأكثر من ثلاثة عشر قرناً من الزمن، وكانت أيضاً مأهولة من قبائل عربية لثمانية قرون أخرى سابقة، بما يعني أن الاحتلال سابق في وجوده وفي إعلان نواياه على تشكل فلسطين بصورتها الحالية التي أتت ضمن المعادلة الانتدابية، فالاحتلال هو القضية قبل أي شيء، قضية إنسانية وقومية قبل أن تكون وطنية أو محلية، وفي اللحظة التي شهدت إعلان دولة اسرائيل أصبحت كل سيادة عربية حولها في القاهرة ودمشق وبيروت وعمان منقوصة، وكل سيادة في العواصم ما وراء ذلك مهددة.
الاحتلال الاسرائيلي هو الخطر الجوهري الذي يتهدد العرب، وكل الأزمات العربية تراكمت من وراء ذلك الاحتلال، وإذا كان إنهاء الاحتلال من خلال الحرب متعذرا لأسباب كثيرة، فإن إذابة السرطان الاحتلالي من خلال إعادة تعريف القضية الفلسطينية في محيطها العربي على أساس معطيات جديدة، وبصورة أكثر واقعية، واسرائيل تخشى من التحديات الديموغرافية والتحولات التنموية في الدول العربية أكثر من خوفها من فكرة الحرب، فالحرب بالنسبة لاسرائيل هي الحل في الوقت الراهن وأي وقت آخر، ولكن حلاً، مع أنه أصبح خارج التاريخ اليوم، مثل الدولة الواحدة التي تجمع العرب واليهود في فلسطين، فإنه يعني نهاية السيطرة اليهودية تحت وطأة الديموغرافيا.
الكيان الاسرائيلي يبدو مرتاحاً اليوم لصراع الفلسطيني المفاهيمي والإجرائي ضمن محيطه العربي، فالإسرائيليون في العشرينيات والثلاثينيات وحتى مايو 1948 كانوا يتحدثون عن السكان العرب في فلسطين، وفي مقابلهم المهاجرون اليهود من أوروبا، أو كما وصفهم الرئيس الأمريكي روزفلت باللاجئين ملتمساً من الملك عبد العزيز آل سعود الموافقة على توطنيهم في فلسطين، وهو ما رفضه الملك مطالباً بأن يعودوا لديارهم، على أن تستقبل دول المحور التي طردتهم واضطهدتهم من فقدوا ديارهم في أراضيها، كان ذلك قبل أن يدير ترومان الدفة تجاه اسرائيل (المنتصرة) بينما انصرف العرب ليبحثوا عن تسمية للهزيمة.
٭ كاتب أردني
سامح المحاريق