تكاد تسري حالة إجماع بين المؤرّخين على ما طُبعَ به القرن العشرون من أثر الثورة الروسيّة، مقارنة بإنطباع القرن التاسع عشر بأثر الثورة الفرنسية. هذا على الاختلاف في الموقع والمنظار، بين هؤلاء المؤرّخين، حيال الثورة الروسيّة، «مأخوذة ككل»، أو مُعتصرة، أو لجهة انقسامهم كمؤّرخين على مفارق منعطفاتها، وبشكل خاص بعد سيطرة حزب البلاشفة على السلطة عنوة، في العاصمتين الإمبراطوريتين، بالتتابع السريع، في نوفمبر/تشرين الثاني من عام 1917، ونجاحهم في الاحتفاظ بهذه السلطة، خارج كل تقدير، إنّما بالمسارعة رأساً صوب الحرب الأهلية، وصيرورتهم بانتصارهم فيها الحزب الدولة، بل الدولة نفسها، بل الإمبراطورية الأوراسية نفسها، التي كانوا في الأساس من دعاة تحطيمها، بوصفها سجناً كبيراً للشعوب، وإلى الدرجة التي اختتم فيها القرن العشرون «التاريخي» قبل أوانه «التقويمي» بعقد، يوم سقطت «الامبراطورية السوفياتية» بانهيار «الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي».
بالقدر نفسه، يمكن تحصيل إجماع آخر بين المؤرّخين على اختلاف الموقع والمنظار، يتّصل بكونهم، يربطون جميعاً بين مسار الحرب الكبرى، العالمية الأولى، وبين سقوط القيصرية وقيام الثورتين الروسيتين لعام 1917، فبراير/شباط « البرجوازية الديموقراطية»، واكتوبر/تشرين الأول «الإشتراكية» (إذا ما استعدنا التحقيب المدرسيّ السوفياتي). إلا أنّ التأريخ للحرب الكبرى ما زالت تغلب عليه مركزية الاهتمام بالحرب على الجبهة الغربية، كما لو كانت الحرب على الجبهة الشرقية ملحقة بها لا أكثر. لقد قوّت «مركزية الجبهة الغربية» في الحرب العالمية الأولى الإنطباع بأنّ الأحداث الثورية الجارية في روسيا، بدءاً من شتاء 1917، كانت نتيجة للانهيار على الجبهة الروسية. في الواقع، هذه الأحداث، كانت إلى حد كبير، نتيجة انتصار روسي قيصريّ على الجبهة الشرقية للحرب العالمية الأولى، انتصار غير موظّف بشكل جيّد. إن جزءاً أساسياً من المسار الثوريّ للأمور في ختام الحرب الكبرى لن يكون مفهوماً من دون تعميق وتوسيع البحث في الحرب على الجبهة الشرقية، وتقويم شكل الترابط بين مسار الأمور على الجبهات المختلفة للحرب العالمية الأولى. ولن يكون مفهوماً المصير المختلف تماماً بين الثورة الروسية، خصوصاً بعد المنقلب البلشفي، وبين الثورة الألمانية في نوفمبر/تشرين الثاني 1918، التي كان حدوثها، وإلى حد كبير، مناط انتظارات الثوريين الروس، وخصوصاً البلاشفة، وهي حصلت، إنما بمسار مغاير تماماً لما عوّل عليه البلاشفة، ولما حصل في روسيا.
من مفارقات الحرب العالمية الأولى، أنّ دول الحلفاء (أساساً فرنسا وبريطانيا) نظرت بريبة وتشكيك إلى قدرات سندهم الشرقي، روسيا، ولم تغب هذه النظرة عن دول المركز (أساساً المانيا والنمسا) حيال حليفتهم المسلمة، السلطنة العثمانية. الارتياب في الحالتين من حليف متأخر على الصعيد التقنيّ الحربيّ، ويجرّ وراءه قرناً من الهزائم العسكرية (العثمانية) أو هزيمة كبرى لم يمض عليها وقت طويل (تدمير اليابان للأسطول الروسي مطلع القرن العشرين)، فيخسرون بخسارة هذا الحليف الهش والمتأخر. لكن ما حدث كان مختلفاً تماماً في أغلب أعوام الحرب. فمن جاليبولي (جنق قلعة) على مضيق الدردنيل، إلى كوت العمارة جنوب شرق العراق، إلى غزة، توالت هزائم وخيبات بريطانيا وحليفاتها أمام العثمانيين، المواكبين ألمانياً. أما روسيا التي افتتحت الحرب بخسارة كبرى لها في بولندا (1915)، فإنّها خسارتها ترابية أراحتها من ضغط شعبي بولنديّ مناوىء لها وأرهقت به عدوّها، لتنعكس الآية في العام التالي (1916) ويحقق الجيش الامبراطوري الروسيّ أحد أهم الانتصارات العسكرية في تاريخه، وفي الحرب العالمية، من خلال «هجوم بروسيلوف» في يونيو/حزيران 1916.
فنتيجة خسارة روسيا لبولندا مطلع الحرب كانت «ثورية» بالفعل. فبعد أن كان القيصر نقولا الثاني واللفيف الأريستوقراطي ـ البيروقراطي حوله، يقفون حجر عثرة دون إشراك الصناعيين والمصرفيين الروس في التصنيع الحربي، تشكّل تقاطع بين قيادة الأركان العامة «الستافكا» وبين الصناعيين ـ المصرفيين، يستاء من عرقلة للقيصر لتطوير التصنيع الحربي، ويفرضه عليه بالنتيجة، بدءاً من يوليو/تموز 1915، وقيام «اللجنة الصناعية العسكرية المركزية».
بالمقارنة مع الحالة العثمانية: المسار الانقلابي ـ العسكري في الدولة العليّة كان سابقاً لدخولها في الحرب، إلى جانب ألمانيا. أما في روسيا، فكانت نتيجة لدخولها في الحرب. ستنتقل السلطة فعلياً إلى قيادة أركان الجيش الروسي بعد خسارة بولندا. بالتوازي، سمحت مرحلة ما بعد قمع ثورة 1905 الشعبية في روسيا، بالقيام بإصلاحات لمصلحة البرجوازية، لكن فقط، في مجرى الحرب، سيسمح للبرجوازية الصناعية ـ المصرفية من تحقيق مكاسب تاريخية على بيروقراطية الدولة وعلى الأريستوقراطية، لأنّه مع انتصار إرادة تخصيص التصنيع الحربيّ، وقيام التفاهم بين قيادة أركان الجيش والمصرفيين ـ الصناعيين الكبار، ستظهر البرجوازية الروسية أنّها أكثر الطبقات وطنيّة في المجتمع، وأنّها مموّلة المجهود الحربيّ، وصانعة النصر على الجبهة.
الانتصار الكبير، المتمثل بهجوم بروسيلوف، يونيو/حزيران 1916، هو كناية عن تقديم سريع وكاسح، على جبهة عريضة، يؤدي إلى انهيار الجيش النمساوي، ووضع النمسا ـ هنغارياً عملياً تحت وصاية حليفها، جيش الرايخ الثاني الألماني. أريد لهذا الهجوم تخفيف الضغط النمساوي على ايطاليا، وتقوية موقف الفرنسيين في فردان. لكنه أدى إلى نتائج عكسية. بالانتصار الروسي في غاليسيا، تحمّس الرومان للحرب على النمسا وضم المناطق التي يعتبرونها جزءاً من شعبهم وبلدهم، وأدى ذلك إلى توسيع الجبهة الروسية، وتمكّن الألمان من احتلال معظم رومانيا، والاستنزاف المستفحل في أعداد الجنود الروس التي تستهلكهم الجبهة بسرعة، وبنتيجة اعتماد الجنود الروس في رومانيا أكثر فأكثر على نهب السكان، الذين جاءوا يناصرونهم ضد أعدائهم في الأساس، أخذ الانضباط يتراجع أكثر فأكثر، والدعاية المعادية للحرب بين الجنود تتقدم، وصوت ضباط الرتب الأدنى يصير مسموعاً أكثر، وكلما صار الاعتماد أكثر فأكثر على مجندين غير مهيئين كفاية، مستقدمين من أطراف الإمبراطورية الروسية، صار التسيّب والهروب من الجبهة، وهو تراث عريق في تاريخ العسكر الروسي، كما يذكرنا تيموثي دولينغ في كتابه عن «عملية بروسيلوف» (2008)، مستشرياً أكثر من أي وقت.
رغم الإستنزاف المتعاظم على الجبهة البلقانية، استمرت القناعة، بل قويت لدى قيادة الأركان، الستافكا، بأنّ الحاجة هي لإعداد العدّة لهجوم جديد بعد ذوبان الثلوج، على جبهة غاليسيا مجدداً، وبأنّ الانتصار العسكري في «هجوم بروسيلوف» يمكن اعتماده كقاعدة لانتصار حاسم. من هنا، لم تتعامل قيادة الأركان، مع الثورة الشعبية في آذار/مارس 1917 كـ»طعنة في الظهر» بالنسبة لمراميها العسكرية، بل على العكس، نظرت إلى القيصر نقولا وحاشيته كوطأة، تعرقل توثبها المنتظر على الجبهة، بل تزامن تنحي القيصر عن السلطة وقيام الحكومة المؤقتة برئاسة الأمير لفوف (ثم الاشتراكي المعتدل الكسندر كرنسكي)، مع صعود نجم بطل الانتصار العسكري، ألكسي بروسيلوف، وقيادته الأركان العامة في الجيش. نظر بروسيلوف، وسواه في القيادة العسكرية، إلى سقوط القيصر، وقيام حكومة مؤقتة ملهية بالتحضير لانتخابات جمعية تأسيسية، على أنّها فرصة مثالية للتحضير لهجوم كاسح جديد على الجبهة ضد الألمان والنمساويين. بعد عام على هجومه الأول، سيخاطب بروسيلوف جنوده، لا بوصفهم هذه المرة جنود جيش قيصريّ، وإنما جنود «الجيش الثوريّ الروسيّ»، معتبراً أنّ الانتصار على الجبهة، يسمح بخدمة الثورة بشكل أفضل، لا سيّما وأنّه بعد سقوط القيصرية، صار التحالف ضد ألمانيا هو حلف الديموقراطيات الفرنسية والبريطانية والروسية الفتية، ضدّ الأوتوقراطية الألمانية والنمساوية. بخلاف الانتصار الكاسح في حزيران/يونيو الذي مضى، كان حزيران/ يونيو 1917 كارثة كبرى للجيش. مدفعيته أبلت البلاء الحسن، أما سلاح مشاته فتبخّر، بين منسحبين ومتململين ومن أفنتهم النيران المعادية. أدّى ذلك لانهيار قيادة بروسيلوف في الجيش، وارتفاع سهم الجنرال كورنيلوف، الذي طرح نفسه كصاحب علاج لهذه الكارثة: إعادة فرض الانضباط العسكري، بدءاً من إعدام الهاربين من القتال. حملة بروسيلوف الثانية، ونتيجتها الكارثية على الجيش، وعلى بروسيلوف أيضاً، وصعود لافار كورنيلوف، و»سعادته» بما استجمعه من عناصر تحت طاعته في «الجيش الثالث»، معظمها من الشركس والأنغوش والداغستانيين، ثم انتقال كورنيلوف من محاولة إعادة فرض الانضباط على مستوى الجيش، لمحاولة قلب الحكومة المؤقتة، والاستيلاء على السلطة، ستعبّد الطريق بالنتيجة لوقائع صيف وخريف 1917 التي أحسن البلاشفة توظيفها للاستيلاء على السلطة، والاحتفاظ بها، مستفيدين أيضاً من عدم تمكّن الحكومة المؤقتة طيلة هذا الوقت من تنظيم انتخاب الجمعية التأسيسية العتيدة، ومن عدم تمكّن كورنيلوف من الإطاحة بالحكومة المؤقتة، التي تحوّلت بدورها من متعقبة للبلاشفة في تموز/يوليو 1917 إلى رهينة بين أيديهم بعد ذلك بأسابيع قليلة، قبل أن يقرّروا بعثرة تلك الرهينة قبل أن تقتدر مجدداً (نهاية الجزء الأول).
٭ كاتب لبناني
وسام سعادة