لم تنقطع طائفة من بني قومنا، عن تحذيرنا من»الحقوق الكونيّة»؛ فنحن بقبولها، إنّما ننسلخ عن جذورنا الحضاريّة، وعن هويّتنا. ولا أحد يفهم كيف يمكن أن تنال هذه الحقوق التي يتقاسمها البشر في ذاتها ولذاتها، من»هويّة» متحوّلة أو هي مفرد بصيغة الجمع، تتظافر في صياغتها أوضاع ثقافيّة معقّدة مختلفة إلى حدّ التباين بالجملة.
إنّ أساس هذه الفوبيا هي أسطورة «المؤامرة الغربيّة»؛ باعتبارها قدرا لا يمكن ردّه، عند أعداء التقدم. وهي صورة نافقة راجت تجارتها منذ بدايات القرن الماضي، وكان من أهمّ أهدافها ترسيخ الانطباع بأنّ حضارتنا العربيّة مهدّدة في قيمها و»ثوابتها» أمام هذا «الوحش الغربي» الذي لا يمكن الوقوف في طريقه. ولا نخال بريق هذه الأسطورة سيخفت في المستقبل المنظور؛ وهؤلاء الذين وفدوا على المشهد العربي العجيب؛ يمتلكون قدرة فائقة على تحويل الأنظار من قضية إلى أخرى، وعلى تشويق متتبّعي أخبار العرب، كلّما تدارك أصحابه والقائمين والقائمات عليه؛ فتور أو إخفاق ما، فإذا هم يفكّون أنشوطته وينفخون في روحه: فمن هدم المزارات والتماثيل والأضرحة والمساجد والكنائس، إلى فرض الجزية وطرد العرب المسيحيّين، وإجبار المسلمات اليافعات على الخفض)الختان).
وهذا يخفي ما يخفي من خوف ذكوريّ من المرأة، ومن قلق من «رغبتها» أو «شهوتها» «غيرالقابلة للترويض» في منظورهم؛ الأمر الذي يستدعي سنّ قوانين صارمة تقمع سلوكها وتحدّ من حرّيتها . على أن الأخطر في هذا كلّه إنّما هو تكريس حالة العطالة الفكرية وثقافة الإذعان والانصياع، وما إلى ذلك من مظاهر النكوص الفكري، لا عن حقوقنا الكونيّة فحسب، وهي التي نلوّح بها اليوم في وجه الفاشية الصهيونيّة، وعتاة مناصريها في الغرب؛ وإنّما عن نصيبنا من الحداثة/ الحداثات من حيث هي نزعة تقبل بالتعدديّة الثقافيّة، وتعبير عن روح وثّابة تقتحم المجهول، أو عن قلق مستحوذ؛ ولكنّه قلق يرهف الخواطر، ويفضّ أغلاق النفوس حتى تسخو بمدّخر قوّتها.
ولعلّ ما يغفله هؤلاء، أنّ حكّام العالم العربي، سعوا منذ انهيار الامبراطوريّة العثمانيّة، إلى مواجهة الحداثة الوافدة على بلدانهم، بأسنّة البنادق والمدافع، وإلى تعاون مريح مع السلطة الكولونياليّة التي لم تكن ترغب في نشر قيم التنوير. بل إنّ أعمال روسو وفولتير ومونتسكيو وفويرباخ وماركس، لم تكن جزءا من المنهاج الكولونيالي. وإنّما كان مسموحا بها لعدد محدود من هؤلاء العرب. وفي قول البعض إنّه كان من المناسب للجانبين أي الغالب والمغلوب، المحافظة على استمراريّة التقاليد الثقافيّة المتخلّفة؛ مقدار كبير من الصواب. وقد تمّت، من ثمّةَ، حماية الشرائع الصارمة التي ترسّخ الحيف تجاه المحكومين رجالا ونساء، بعيدا عن تدخّل الكولونياليّة القديمة والرأسماليّة الحديثة كذلك.
لنتذكّر نحن العرب أنّ هؤلاء الغرباء عنّا من بني قومنا، الذين يريدون تحويلنا، بشعوذتهم الدينيّة، إلى مجرّد «صفر» وأضحوكة؛ أنّ علم الحساب والجبر علوم عربيّة، وأنّ أسلافنا هم الذين اخترعوا الصفر( البعض يقول ـ مُماحكة ـ اخترعه الهنود). وهذا اختراع لا يُنكر، فالشرق لم يقدّم لؤلؤة أنفس من هذا الاختراع كما كتب لانزا ديل فاستو في»الحجّ إلى الينابيع»، إذ بفضل هذا «الثقب» تدور عجلة الأرقام الرائعة، وبخميرته تختمر ولا تزال عجينة كلّ العلوم الانسانيّة. وبفضله، بُدّلت العشرة إلى الواحد، ونقلته إلى مستوى جديد مختلف. وبعشرة رموز فقط، نستطيع أن نحدّد كلّ الأرقام ونؤلّفها ونفكّكها: أرقام النجوم في السماء، وقطرات المياه في البحار. نعم الصفر مفتاح نظام الأرقام. و»زيفيروم» هي ترجمة الكلمة العربيّة ، ومنها اشتقّت كلمة «زيرو» التي تطوّرت إلى «شيفر» (رقم). ثمّ أفضى ذلك إلى اكتشاف الأرقام السالبة فالجسد الحيّ جسد الحياة.
ناقد تونسي
منصف الوهايبي