إن السلم الحقيقي لا يتم إلا بتحديد الأفكار والأخلاق ونظم التعايش التي أساسها قيمي، وهو ما سعى إلى تسويته الفلاسفة العلماء والعلماء الفلاسفة والعلماء الأدباء والأدباء العلماء في البيئة الثقافية العربية الإسلامية قديمــــا منذ القرون الهجرية الأولى، وتحديدا مع بداية التئام أركان الثقافة العربية الاسلامية وتكون النظريات واتساق سنن التقليد العلمي النظرية والعملية.
وقد تنامى حينئذ وعي معرفي بوظائف القواعد العلمية، وأدوات التفكير في مزاولة الفعل العلمي في البيئة الثقافية العربية الإسلامية، منذ القرن الهجري الثالث على الأقل، أدرك في سياقه الحكماء العرب والمسلمون شرف الفلسفة وعظموا أمرها ورفعوها إلى مرتبة «الملة» أو تفوق، وأعجبوا أيما إعجاب بحكمة الإغــــريق، وهو أمر جعلهم يقبلون على تعلمها وتعليمها، وحاولوا تقديم الإضافة في ميدانها، لغة ومنهجا وإشكالا فلسفيا، وعلى هذا النحو كانت غاية الفيلسوف المسلم من حيث المبدأ هو حب الحكمة وإيثار الحق والبحث عن الحقيقة، واستخلاص المعنى، والرغبة في تحصيل معرفة وتشريع القيمة حبا في العلم وطلبا للعمل به، في تحرير العقول وتهذيب النفوس، في جو حضاري كان قد خطى خطوات مهمة في تثبيت أركان الدولة ـ الأمة فكرا وعقيدة وحالا معيشيا واجتماعا إنسانيا.
ورغم تعلقهم الشديد بالفكر الوافد من جهة مركزية ثقافية موروثة عن ثقافات وحضارات مختلفة، فإن الفلاسفة المسلمين ظلوا دائما أوفياء من حيث التزام أصول المسائل التي خاضوا فيها، للمعطى الذي جاء به النص الديني من داخل معارف المركزية الثقافية العربية الإسلامية الأصلية، وإن تعاملهم مع الفكر اليوناني لم يكن تعامل التبعية، وإنما انحكم «بالمنهج الانتقائي» والائتلافي والتحويري، ثم بعد ذلك وظف المنهج التوفيقي فلا يمكن بحال من الأحوال أن نسلم بالرأي القائل بأن جهود فلاسفة الإسلام إنما اقتصرت على فهم الفلسفة اليونانية والتعبير عن مشكلاتها باللغة العربية فقد كان العقل العربي الإسلامي منفتحا لكل ألوان الثقافات العالمية، وكان للعرب فضل عظيم جدا في تكوين التراث اليوناني الصحيح منه والمنحول، وفي تحقيق النصوص الصحيحة الباقية لنا من هذا التراث باللغة اليونانية، وفي استرداد شيء مما فقد من هذا التراث، إضافة إلى العناية بالتراث الفارسي والتراث الهندي، وتراث حضارات قديمة كبيرة وعظيمة الشأن، ليستتبع ذلك توسيع مفهوم العلم وتنوع تنظيم المعارف من داخل آفاق الذهنية العربية الإسلامية التي تجمع بين الجانب النظري والجانب العملي، جمعها بين العلم النظري والعلم العملي، من جهة أن حال العلوم قد أنتجتها حوائج الإنسان الضرورية في معاشه وتسلسلت بحسبها، وحصول الحاجات بها إنما هو من صميم منافعها.
وهو ضرب من وعي أفضى إلى ذاك التفتح الواسع – الذي لا يحده شيء – ولا يقف في سبيله أي تزمت أو تعصب ولا ضيق نظر من شأنه أن يقف أمام تفاعل النظام المعرفي الديني الإسلامي وأنظمة المعرفة الموروثة – وهو العامل الأكبر في ازدهار الحضارة العربية الإسلامية، ذاك الازدهار الشامل الرائع الذي أضاء العالم في العصر الوسيط، دفعا لمسيرة العلم والمعرفة ولأجواء الارتقاء بالإنسان فكرا وثقافة وكيانا أنطولوجيا.
لقد قطع المسلمون مرحلة مهمة في سبيل العلم والأدب والفنون، على أنه من الضروري أيضا اعتبار أن المدنية ترتكز على جملة حقائق تكونت من المكتسبات العقلية التي تعاقب البشر على توفيرها وتنميتها وتوارثتها الأمم جيلا بعد جيل، وطورتها طبقا لدرجات التمدن وازدهار العمران البشري وارتقاء الاجتماع الإنساني، وإننا لا نفاخر بماضي العرب والمسلمين ونتغافل عن الحاضر الذي ليس لأمتنا فيه أي اسهام علمي أو تقني يشهد له، ولكن محاولة بناء الاستئناف الحضاري تقتضي منا التذكير بما به صنع العرب أمجادهم وقدروا على الفعل الثقافي والسياسي، وعلى إنتاج المعرفة في كافة المجالات، ونحن وإن تكلمنا عن حضارة العرب والمسلمين فمــا ذلك إلا للغاية التي سبق ذكرها، وقد لا يفوتنا أيضا إيضاح نكران الغرب جميل الشرق عليه وما يبديه كتابه ضده من المحاباة والتحامل عليه، رافضين الاعتراف باسهامات الحضارة العربية الاسلامية في الفكر الإنساني، وما كان لها من دور في الدفع بهم نحو استشعار حال التخلف والانحطاط الذي كانوا عليه تحت مظلة الكنيسة وتعاليمها الظلامية المتشددة.
٭ باحث في الحضارة من تونس
لطفي العبيدي