لاقت مقولة «لن نرضى بأن نكون أهل ذمّة» رواجاً قبطياً في السنوات الأخيرة، بعد أن كانت تبدو خطاباً مارونياً في سني الحرب الأهلية المارونية. رفعت بوجه حكم الإخوان، ثم رفعت بوجه ما اعتبرته أوساط قبطية «ذمية» القيادة الكنسية في التعاطي مع الأحداث والحوادث، ورفعت بالطبع في مواجهة الهجمات الإرهابية على الكنائس والمصلّين.
فارق أوّل بين الحالتين: عندما رفع بشير الجميّل، شعاراً من هذا القبيل، كان ذلك في سياق حرب أهلية ضروس، تلت عقوداً طويلة من الغلبة المارونية في لبنان، وفي مواجهة مشاريع تغلّب مضادة، في حين لا ينازع الأقباط المسلمين في مصر على الغلبة. تتراوح الطموحات القبطية بين عيش الخصوصية بأمان وسلامة، وبين المساواة القانونية والمشاركة المؤسساتية.
فارق ثاني: للشعار، البشيريّ، تتمته. «لن نرضى بأن نكون أهل ذمّة.. مثل أقباط مصر». هذا مع كون أقباط مصر أكبر جماعة مسيحية في الشرق العربي، عشرة أضعاف الموارنة. واجه الخطاب البشيريّ، بين المارونيّ الحرّ، الذي حفظته الجبال من أحكام أهل الذمّة، وبين من وقع أسير «اللين والشدّة» في ظلّ هذه الأحكام، وأقصى أمنية له تليين «الذمّية» التي يقاسيها، وأقصى تعقّل الصبر على الشدّة حتى تنفرج الحال.
تراجع الفارق الثاني تدريجياً. صارت صورة أقباط مصر وعموم مسيحيي المحيط أكثر ايجابية بالنسبة إلى مسيحيي لبنان اليوم. تنامت نظرة تبجيلية لصمود الأقليات، خصوصاً عندما ظهر أنّ هناك من لم يعد يكتفي بدوامة «اللين والشدّة» تجاهها، بل يطاول وجودها. في مطلع الألفية الثالثة، عادت صورة الأقباط لتحيي في المخيال المسيحي اللبناني والشرقي، المتواتر حول عذابات وتضحيات شهداء المسيحية، في نهايات العصر «الوثني».
توسع في المقابل التراشق في السنوات الأخيرة، ضمن مسيحيي كل بلد في المنطقة، لمعرفة أي المسالك «ذمية» لأجل اجتنابها.
المسيحي الذي حمل السلاح في سوريا إلى جانب قوات النظام، أو إلى جانب الميليشيات الكردية، اعتبر سلاحه دليلاً على «التحرّر من ذمّيته». المسيحي الذي وقف مع ثورة سورية لها طابع سنّي أساسيّ، اعتبر وقفته معها، من حيث هي ثورة تحرّرية ضدّ نظام استبدادي دموي، موقفاً «لاذمّياً» بامتياز. وهناك من اعتبر «اللامبالاة» أفضل موقف «لاذميّ» وهناك من اعتبر العكس. اعتبر موقف ميشال كيلو وجورج صبرا من جبهة النصرة قبل سنوات، نموذجياً، لجهة الإمعان في «الذمّية»، حدّ العطف على فرع لتنظيم القاعدة.
لبنانياً، ساد التراشق بين المسيحي «الحليف للشيعة» والمسيحي «الحليف للسنّة»، لمعرفة من هو أقل ذمّية من الآخر. «الحليف للشيعة» اعتبرهم لا ينافسون المسيحيين على ما لهم من مقاعد وحقائب، و»الحليف للسنّة» اعتبرهم أقرب إلى الصورة الليبرالية عن لبنان ما قبل الحرب. ثمّة من فسّر تحالف ميشال عون مع «حزب الله» على أنّه «تحالف أقليات» وأعتبره تحالفا ذمّيا. لكن مقولة «تحالف الأقليات» متهافتة في حالة عون: اذ سبق له أن حالف صدّام حسين أواخر الثمانينيات. وفي العموم المسيحي، لم تؤثر، طيلة الحرب، اغراءات «تحالف الأقليات» المبثوثة من نظام دمشق، وقد أجاد الصحافي الراحل جوزيف سماحة وصفها، بأنّها «قصة حب علوية للموارنة من طرف واحد».
عندما عاد عون من منفاه عام 2005، خاض الانتخابات على قاعدة التنديد بالتبعية «الذمّية» للمسيحيين على لوائح «التحالف الرباعي»، وهو تحالف سني شيعي درزي في الأساس، واكتسح الدوائر المسيحية. تلاشى «التحالف الرباعي»، وفتحت الطريق أمام تفاهم عون وحزب الله. اعتبر «التفاهم» نقضاً للذمية من جانب أنصار عون، كونه تحالفا نديا، بين طرفين يعترف كل منهما بتمثيلية الثاني في طائفته. أما أخصام عون فرأوه ينساق إلى الذمية المتطرفة: حمل الموارنة على خيارات لا تشبه تاريخهم المنحاز للغرب، وتستتبعهم لإمبراطورية ولاية الفقيه الإيرانية.
في تلك السنوات، ثارت ثائرة المطران بشارة الراعي، لمنع الفيلم الإيراني عن «عيسى المسيح»، وهدّد باللجوء للحرم الكنسي ضدّ من يسعون لخلط العقائد، في مقابل مقارنة العماد عون مصاب الإمام الحسين بعذابات المسيح.
ثم كاد الكائدون للبطريرك بطرس صفير، بتهمة أنّه يدخل الكنيسة في عقد ذمّة مع السنّة، وأنّه المطلوب الحياد في صراعات المسلمين، فكانت العاقبة انضمام خلفه إلى سرب البطاركة والمطارنة من مختلف الطوائف المسيحية في سوريا ولبنان، المؤيدة لبقاء نظام بشّار الأسد.
طالت المنازعة بين العونيين والقواتيين من هو الأقل ذمّية، إلى أن وقعت «المباهلة» على محك مشروع القانون الانتخابي. عاب العونيون على «القواتيين» أن حليفهم السني لا يؤمّن لهم نفس المكانة التي يعطيها «حزب الله» لحليفه المسيحيّ، ووجدوا آية ذلك في قبول «حزب الله» لمشروع «اللقاء الأرثوذكسي»، حيث تنتخب كل طائفة نوابها على حدة. تصدّع التحالف القواتي ـ المستقبلي بالنتيجة، وامتزج هذا التصدّع، من الجانب القواتي، بشعورين، أولهما الضعف المتزايد للحليف السني قياساً على الخصم الشيعي، والثاني، عدم قدرة هذا الحليف على التنازل لهم عن مقاعد. وبتصدّع التحالف ظهر تراشق اضافي بتهمة «الذمّية»، حيث اعتبر القواتيون أن المسيحيين المنضوين في «كتلة المستقبل» النيابية ذمّيون نموذجيون.
مع حملة «حزب الله» في الجرود، والمواقف المسيحية منها، عادت نغمة «من الذمّي» مرة أخرى. المستاؤون من بيان «الرابطة المارونية» الامتداحي لحزب الله اعتبروه ايغالاً في الذمّية. وفي الطرف المقابل، اتهم حتى المسيحيون الذين يرفضون سردية «حزب الله» حول الجرد بأنهم يناصرون «الدواعش». وأكثر ما يستفز «حزب الله» هو المقارنة التي يعملها هؤلاء بينه وبين «النصرة» أو «داعش».
تبرز الحاجة أكثر فأكثر لنقد شهوة «اللاذمية» هذه. الاستنزاف الخطابي حولها يكشف بعضاً من تهافتها. كل خطاب يعتبر أنّ «اللاذمية» تعني «الحرية» يؤدي بالنتيجة لتغييب مقال الحرية. كل خطاب يعتبر أن اللاذمية يمكنها أن تعني، لوحدها، مرفوعة كأقنوم، شيئاً ما، هو خطاب يقوم على الزغل.
لوحدها، لا يمكن أن تعني «اللاذمّية» شيئاً.. إلا بالنسبة للمشعوذة «بات يور» (توفيت عام 2012). فيجيزيل ليتمان، اليهودية القاهرية التي تلقبت بهذا الإسم، ألفّت كتباً حول «الذمية» نصت على اعتبارها صنو «العبودية»، بمثابة نظام الرق المتخيّل الذي خضع له المسيحيون واليهود في العصر الإسلامي، وهذا تخريف، مثلما أن «العصر الذهبي المديد» للتسامح الديني في العصور الإسلامية يستند إلى الكثير من التلفيق أيضاً.
معظم المتراشقين بالذمّية لم يقرأوا «بات يور» لكنها حاضرة في حيرتهم» التطهرية». يتقاطع ذلك مع سردية خرافية تماماً، تستثني الموارنة من التاريخ الذمي لمسيحيي الشرق، في حين أن استثناءهم من داخل التاريخ «الذمّي» وليس من خارجه. هم أدركوا قبل سواهم أن ميزان العلاقة بين أوروبا المسيحية وبين الشرق الإسلامي أخذ يميل تدريجياً لصالح أوروبا منذ عصر النهضة، ولو ظل بطاركتهم ينالون البراءة من السلطان العثماني ويحتجون عندما يسعى متصرّف كاثوليكي على جبل لبنان لربط هذه البراءة بنفسه لا بالسلطان.
تعرّضوا أكثر من سواهم لعملية إعادة تشكيل أشرفت عليها الكنيسة الكاثوليكية الرومانية، والرهبانيات الغربية في زمن الإصلاح المضاد ما بعد المجمع التريدنتيني، لكنهم فهموا قبل سواهم أيضاً، أنّ الغرب الحديث لم يعد مسيحياً تماماً، أو لم يعد مسيحياً فقط. نمّى الموارنة منذ قرون صورة عن الجماعة، تأخذ مسافة من الجماعات المسيحية الشرقية الأخرى، وبرز بين الموارنة من يفكر بمصير سائر مسيحيي الشرق بشكل أكثر محورية ومكاشفة من لدن الطوائف الأخرى. في كل هذا كانوا يبتعدون عن تاريخ المتمركز حول «الذمّية». أما عندما يقعون ضحية «دوامة التراشق التطهري» منها، فيعود مركّبها للاستبداد بهم، أو بسواهم من الجماعات المسيحية. «اللاذميّة» هي الذمّية في شكلها الإحيائي الراهن.
٭ كاتب من لبنان
وسام سعادة