في عيد المرأة التونسيّة 13 آب (أغسطس)، طرح رئيس الجمهوريّة الأستاذ الباجي قائد السبسي، مشروعا إصلاحيّا جريئا محوره: المساواة في الإرث بين المرأة والرجل، وحقّ التونسيّة المسلمة في الزواج من رجل غير مسلم، انسجاما مع الدستور الذي يقرّ مبدأ المساواة، ومع مجلّة الأحوال الشخصيّة، والمميّزات التي منحتها للمرأة مثل حظر تعدّد الزوجات، وحقّ الزوجة في إنهاء الزواج. ودون خوض في اختيار هذا «التوقيت» وفي دلالاته السياسيّة (الانتخابات البلديّة نهاية هذا العام أو النيابيّة والرئاسيّة عام 2019)، فإنّ طرح هذا المشروع يقتضي إحكام التمييز بين ما هو «سياسيّ» وما هو «وطنيّ».
وثمّة في تاريخ العرب الحديث، أكثر من إشارة إلى هذا التمييز، على نحو ما نجد في كتاب جوديث تاكر ومارجريت مريوذر «النساء والنوع في الشرق الأوسط الحديث»، حيث تسوقان رأي بعضهنّ في أنّ ما قامت به الفلسطينيّات في انتفاضة 1936/1937 من تجسّس على تحرّكات القوات البريطانيّة، ومساعدة المقاتلين في إخفاء السلاح أو جلب المياه إليهم؛ لم يكن من قبيل العمل السياسيّ الذي يوسم به الرجل المقاتل. ولكنّهنّ دفعن ثمنا باهظا، فاعتقلن، وقضّين فترات طويلة في السجون. ومثال ذلك أيضا فرقة التمريض السريّة «زهرة الأقحوان» التي كوّنها نساء من يافا عام 1948، وكانت تمدّ المقاتلين بالأسلحة، وكذلك الوحدة النسائيّة الطبيّة» النجمة الحمراء» عام 1920 التي كانت على رأسها السوريّة نازك عابد، أثناء مقاومة الاحتلال الفرنسي لسوريا. وكان الملك فيصل خلع عليها رتبة كابتن فخريّة؛ وما إلى ذلك من أمثلة أخرى تؤكّد كلّها أنّ النضال الوطني كان مدخلا إلى «تحرير المرأة»، وإن ظلّ محافظا أو غير سياسيّ بالمعنى الدقيق للكلمة. وهو ممّا جعل مسألة المرأة تراوح مكانها. وقس على ذلك الجزائريّات المناضلات أثناء حرب التحرير، فقد راعهنّ عودة النظام الاجتماعي التقليدي القائم على التمييز بين الجنسين؛ مباشرة بعد الاستقلال. وهو نظام معقّد قد يكون يضرب بجذوره في الأعراف القبليّة والنظم العشائريّة في البلاد العربيّة عامّة، وما يحفّ بها من عوامل نفسيّة مثل الحبّ ونشدان اللذّة، بل العدوانيّة التي تطبع علاقة الرجل بالمرأة، أو غريزة حفظ الذات أو غريزة حبّ الإنتاج والتناسل والرغبة في تخليد النوع، أو العوامل الاقتصاديّة التي يصعب القول إنّها تحدّ وحدها سلوك البشر، كما يقرّر الماركسيّون الأصوليّون.
وقد تتشابه المجتمعات في أحوالها الاقتصاديّة، ولكن السلوك لا يجري فيها كلّها على هذه الطريقة، ولا هو يفيء إلى هذه السنّة. فهناك المؤثّرات البدنيّة أو الفيزيقيّة والدينيّة وأسرار النفس البشريّة. وهناك الأفكار المتغلّبة على المرأة في علاقتها بالرجل، المتصرّفة بها، بما يدفع إلى أن ننظر إلى المرأة من ناحية نفسها ونوازعها الخاصّة وبواعثها الدّخيلة. وهي لا شكّ في غاية الدّقة والتّعقيد. وفي تراثنا «الذكوري» نكاد لا نملك شيئا يعتدّ به، سوى ما يتعلّق بـ»الشهيرات» أو «فضليات النساء» مثل زوجات النبي وما يحفّ بهنّ من قداسة، وغيرهنّ ممّن حفلت بهنّ كتب الطبقات، و»الملكات المنسيّات في الإسلام»(عنوان كتاب فاطمة المرنيسي)، والدور الذي نهضن به، في تشكيل السلطة السياسيّة؛ وهي الكاتبة التي دعت إلى تجديد الدراسات النسويّة المخصوصة بالتعاليم الإسلاميّة، حتى لا تبقى وقفا على المحافظين المعادين للمرأة، وتحليلاتهم الوقوفيّة «الأبويّة.
فليس لنا سوى أن نقف على حدود هذه الحالات والأوضاع، دون أن نقدر على السّير في مجاهلها. وليس يكفي أن يكون أيّ منّا وصّافا للبيئة دارسا للعصر، أو أن يجمع بين طريقة المؤرّخ وأسلوب عالم الاجتماع، حتى يقع في ظنّه أنّ بميسوره أن يكشف مجاهل شخصيّة المرأة، ويفضّ أغلاقها وينفذ إلى إيقاع جسدها. صحيح أنّ هناك من أخرج لنا من شوارد الأخبار ومتخلّف الآثار، كما هو الشأن في كتاب التونسي العلاّمة حسن حسني عبد الوهّاب «شهيرات التونسيّات»؛ وهو يحتال بها ولها في كثير أو قليل من الدّقة، وكثير أو قليل من حسن التّأتّي، شخصيّات نابضة بالحياة. ولكنّها شخصيّات من صنع الكاتب على ما نرجّح؛ تقوم على وقائع منتخلة من كتب التّراجم وروايات قد لا تكون صادقة كلّها في تفسيرها ولا أمينة في تصويرها.
إنّ مطلب المساواة بين الجنسين، قديم في التاريخ، وبعد ثلاثة عشر عاما يكون قد مضى على رحيل كريستين دي بيزان (1365 ـ1430) ستة قرون؛ هذه المرأة الأديبة الشاعرة التي يمكن القول إنّها رائدة «النسويّة» في كتابيها: «مدينة النساء» و» كتاب الفضائل الثلاث أو خبيئة مدينة النساء»، حيث ضمّنتهما موقفها المدافع عن شرف المرأة وحقّها في أن تكون مساوية للرجل. وكان دفاعا مستميتا، لا يخلو من نبرة انفعال، لا يسوّغها سوى إيمانها العميق بالمسيحيّة؛ ولها قصيدة معروفة في مديح جان دارك. وكريستين من أصل إيطاليّ، ولدت في فينيسيا، وهاجرت مع والدها الطبيب وعالم الفلك، وهي في الرابعة من عمرها، إلى باريس، بدعوة من الملك شارل الخامس. وتزوّجت وهي صبيّة في الخامسة عشرة. وبعد عشر سنوات من زواج سعيد، توفي الزوج، فتحمّلت أعباء الأسرة (أمّها وثلاثة أطفال ورضيعة)، واختارت مهنة الكتابة، وإدارة مخبر للنسّخ. فهذه امرأة حلّلت بعمق ودقّة المجتمع الفرنسي في العصر الوسيط، من منظور نسويّ، وصوّرت ببراعة حالات النساء وأوضاعهنّ بدءا بالشهيرات من الأميرات، ووصولا إلى نساء الفلاّحين من الأغفال، وما يتكبدنه في وسط ذكوريّ معاد لهنّ، وبخاصّة منذ عام 1405؛ وهي السنة التي شكّلت نقلة في حياة هذه الكاتبة، وهي ترى نذر الحرب الأهليّة تتصاعد. وكانت مصنّفاتها مثل «بكاء على ويلات فرنسا» و»كتاب السلام»، تستهدف حماية فرنسا من شرور الشقاق التي كانت تتهدّدها. ثمّ تواصلت هذه الحركة مع ماري ولستونكرافت في مصنّفها «دفاعا عن حقّ المرأة» 1792، وجون ستيورات مل» عبوديّة المرأة» 1869.
ولست بصدد سرد سيرة هؤلاء، وإنّما هي إشارات لابدّ منها، حتى نفهم كيف بدأت الحركة النسويّة في الغرب، مع امرأة وليس مع رجل كما هو الشأن عندنا نحن في القرن الماضي مع المصري قاسم أمين، والتونسي الطاهر الحدّاد، بل مع نشأة دولنا الحديثة، وما يُسمّى «نسويّة الدولة». من ذلك أنّ تركيا مثلا، وهي التي أصبحت دولة ذات سيادة منذ نهاية الحرب العالميّة الأولى؛ أرستْ قانون الأسرة على أُسّ علماني، متّخذة من القانون السويسري أنموذجا؛ ممّا أسفر عن «تحرير» المرأة، فتمّ حظر تعدّد الزوجات، واكتسبت المرأة حقّ طلب الطلاق، وحقّ المساواة في الإرث. ولكن ظلّ للرجل تفوّقه، فهو قانونيّا ربّ الأسرة، ولا يحقّ للزوجة أن تعمل إلاّ بإذن منه، وعليها أن تحمل اسمه، وتقبل بمسكن الزوجيّة الذي يقرّره. وهذا وغيره ممّا يدرجه الباحثون عادة في «نسويّة الدولة» التي بدأت مع أتاتورك وهو الذي جعل من مسألة المرأة «قطعة شطرنج» بتعبير البعض، هدفها تحديث المجتمع، وإرساء مفهوم جديد للمواطنة.
وهذا يشبه إلى حدّ بعيد ما حاوله بورقيبة منذ الاستقلال 1956. ونقدّر أنّ لما فعله، جذورا في المجتمع التونسي، فالبلدان التي أُخضعت للاستعمار الأوروبي الاستيطاني، كما هو شأن الشمال الإفريقي؛ شهدت تحوّلات عميقة في أنظمتها الاجتماعيّة، وكان أثرها بالغا على النساء. وهنّ اللاتي نهضن بأعمال وأدوار شتّى مثل الزراعة والرعي والتجارة والنسج وصنع الأواني الخزفيّة؛ ومهامّ مخصوصة (خاطبة أو قابلة أو خادمة أو بائعة هوى أو مطربة…)، بل منهنّ من اشتغلن بصنع الموادّ الحربيّة، وقد كان بارود المدافع في القرن التاسع عشر من صنع العشائر في منطقة الحدود التونسيّة الجزائريّة. ولكن هذا كلّه كانت سمته الخفاء، لدواع ثقافيّة اجتماعيّة، أو ربّما لأنّ هذه الأعمال كانت أنشطة مكمّلة أو هي موسميّة، يُؤدّى أكثرها في محيط المنزل، وليس في «المجال العامّ» أو «مكان العمل» المعروف؛ بل إنّ موضوع «النساء العاملات» لم يكن قد تبلور بعد.
على أنّ هذه «نسويّة الدولة» اليوم ذات وجهين أو هي «نعمة ونقمة» بتعبير مرفت حاتم، فقد أفادت المرأة من مساندة الدولة لحقوقها، ولكنّ الدولة بالمقابل قوّضت من استقلالها، وجعلت منها «أداة» لتلبية مصالحها.
طرفان لا فكاك منها في كلّ حركة نسويّة تتنزّل في أفق المساواة، هما انسانيّة المرأة وأنوثتها. والمساواة شيء وحماية المرأة اجتماعيا شيء. فالمساواة يمكن أن تشمل، كما يقول الباحث المصري أحمد على بدوي، الإنصاف في الأجور والبيئة السليمة وأوضاع العمل المناسبة، وهل العمل لحاجة اقتصاديّة أم هل هو لإرضاء النفس أو تحقيق الذات؟ بل هل المشروع المطروح في تونس اليوم، جانب في «نسويّة الدولة» أم هل هو «قطعة شطرنج» في بلد يتلمّس طريقه إلى الديمقراطيّة؟
كاتب تونسي
منصف الوهايبي