غزة ـ «القدس العربي»: في الوقت الذي احتفلت فيه دول العالم بعيد العمال الذي صادف مطلع الشهر الجاري، بإعطاء هذه الطبقة قسطا إضافيا من الراحة، وذلك باعتبار هذا اليوم من ضمن رزنامة الإجازات السنوية، جلس عمال غزة غير مكترثين بهذه المناسبة، لأنهم في راحة طويلة عن العمل بـ «شكل قسري» فرضها في الأساس الحصار الإسرائيلي المستمر منذ 11 عاما، والذي دمر كل مقومات الحياة، ورفع من نسب الفقر إلى جانب البطالة.
لم يشعر حمدي طلب، وهو في العقد الخامس من العمر ويقطن مخيم الشاطئ للاجئين غرب مدينة غزة، أن هذا اليوم يخصه، وقد كان ذاهبا في يوم «عيد العمال» لزيارة صديق له يقطن على مقربة من سكنه في المخيم الذي يضم عشرات آلاف اللاجئين.
ويقول انه فقد عمله في حقل البناء منذ فرض الحصار الإسرائيلي على غزة في العام 2007 حيث لم تعد إسرائيل تدخل مواد البناء إلا بقدر محدود للقطاع.
ويقول لـ»القدس العربي» أن كثرة الأيدي العاملة، مع قلة ورش العمل في حقل البناء، رفعت عدد العاطلين عن العمل، وأصبح الحصول على فرصة عمل ليوم أو يومين في الشهر في أحد الورش القائمة حاليا بحكم محدوديتها أمرا صعبا. ويستذكر حمدي أياما مضت، قال أنه كان بحكم كثرة العمل، يضطر وغيره من العمال للعمل في مثل هذا اليوم، ويقول مازحا «وقتها كانت إجازة العمال لغير العمال» ويقصد الموظفين الذين يستفيدون من الإجازة التي تمنحها الحكومة.
غير أن ندرة العمل أيضا، دفعت عمال غزة ممن تتوفر لهم فرصا بسيطة، للعمل في مثل هذا اليوم، لتوفير القليل من المال لأسرهم التي تعاني كثيرا من ويلات الحصار. ووصل شابان يعملان على رافعة ميكانيكية، مثبتة على إحدى البنايات قيد التجهيز وسط مدينة غزة، للعمل صبيحة يوم «عيد العمال» في مهمة عمل قصيرة تستمر ثلاثة أيام، تتمثل في رفع كمية من الطوب والرمال والاسمنت إلى سطح الدور الثالث من تلك البناية.
أحدهم ممن كان يقف في الأسفل يجهز العمل المطلوب، قال أنه ينتظر اليوم الذي تتوفر فيه فرصة عمل دائمة، وكان بذلك يرد على عدم التزامه بإجازة «يوم العمال» ويضيف بلهجته العامية «باقي الأيام أغلبها إجازة».
هذا الشاب في نهاية الثلاثينيات، ويدعى أبو كرم، ويقول انه يعيل أسرة مكونة من خمسة أفراد، وأن ما يوفره من عمله لا يكفي مستلزمات أسرته، التي تتلقى بين الحين والآخر مساعدات غذائية من مؤسسات إغاثية. وتفيد إحصائيات أوردتها في وقت سابق مؤسسات دولية إغاثية تنشط في قطاع غزة، أن 80 في المئة من سكان القطاع البالغ عددهم أكثر من مليوني مواطن، يعتمدون في تدبير حياتهم على مساعدات خارجية.
وتسجل الإحصائيات التي أوردها الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، بهذه المناسبة أن عدد العاطلين عن العمل في قطاع غزة بلغ 218 ألفاً، ما يعني أن نسبة البطالة بلغت 43.9 في المئة، وهي نسبة أكبر بكثير من الصفة الغربية والتي سجلت 17.9في المئة.
وفي هذا السياق فقد طال الحصار الإسرائيلي أيضا القطاعات الصناعية، ما أدى إلى إغلاق الكثير من الورش، بسبب استمرار سلطات الاحتلال، في منع إدخال نحو 400 صنف يستخدم في مجال الصناعة.
ويقول الخبير الاقتصادي الدكتور ماهر الطباع، إن قطاع غزة «يغرق في مستنقعات البطالة والفقر»، وأن البطالة باتت «قنبلة موقوتة تهدد الاستقرار»، لافتا إلى ان الوضع الاقتصادي أصبح أسوأ بكثير مما كان عليه.
وأشار في مقالة نشرها على مدونته الخاصة، إلى ارتفاع نسب «الفقر المدقع» بين الأفراد في قطاع غزة، لتبلغ 33.8 في المئة مطالبا بوضع «برامج إغاثة عاجلة» للعمال، والعمل على فتح أسواق العمل العربية للعمال الفلسطينيين.
ويعكس حجم البطالة المتفشية في قطاع غزة، المأساة الحقيقية للسكان المحاصرين، الذين زادت أوضاعهم الاقتصادية تدهورا بعد عملية التقليص التي طالت رواتب موظفي السلطة، حيث انخفضت القوة الشرائية بشكل كبير، ما أثر على القطاعات التجارية والصناعية.
ويقول النائب جمال الخضري رئيس اللجنة الشعبية لمواجهة الحصار، أن اشتداد الحصار على مختلف القطاعات، يزيد أوضاع الفئات المختلفة وأبرزها العمال، كارثية ومأساوية، وناشد الكل الفلسطيني «العمل لإخراج العمال الكادحين من حال الانقسام، والسعي لإطلاق مشاريع تشغيل، من خلال مؤسسات عربية وإسلامية ودولية».
وناشد اتحادات العمال العالمية لدعم عمال فلسطين، وطالب العالم بالوقوف بشكل واضح ضد الحصار الإسرائيلي، والعمل على فتح المعابر المغلقة، وربط غزة بالضفة الغربية عبر الممر الأمن، والعمل على تشغيل ممر بحري يربط غزة بالعالم الخارجي، تمهيدا لإنشاء الميناء البحري، والعمل على إعادة بناء وتشغيل مطار غزة الدولي.
ويؤكد أن الأوضاع الاقتصادية والإنسانية في غزة «في قمة التدهور، والأزمات تزيد حياة السكان تعقيداً»، لافتا إلى ان الآثار الكارثية تطال جميع سكان القطاع، وبشكل أساسي أكثر من ربع مليون عامل، يضاف لهم قطاع الخريجين.
أشرف الهور