لا يخلو عمران بشري قديما وحديثا من أنظمة تفكير مخصوصة، بل لعلّ الأمر شاهد على أّنّ الإنسان بالفعل كائن مفكّر في التمدّن وأساليب التعايش منذ البدء، وإن كان تفكيره فيه متفاوتا من عصر ثقافي إلى عصر ثقافي آخر، وفق الأحوال المادية والمعنوية المتغيرة في الزمان والمكان، مع اختلاف أحوال الاجتماع الانساني.
واليوم نجد في المعرفة الموضوعية دفعا مهمّا للعقل الإنساني، وهي كثيرا ما تعبّر عن حاجتنا إلى التفكير من جديد في كيفيّة بحثنا في التراث العربي الاسلامي، الذي لا يزال يلحّ علينا من أجل استدامة النظر إليه بعين فاحصة، وذات مدقّقة باحثة في ميراثها الحضاري الذي تنتمي إليه تحصيلا وتكوينا، تأثيرا وتأثرا فهما وإعادة فهم.
وبالنظر إلى طبيعة الدولة في التاريخ الاسلامي يتّضح لنا انتقالها في أطوار مختلفة وحالات متجدّدة، لعلّه يبرّر باختلاف طبائع القائمين عليها وتوجّهاتهم من طور إلى آخر. وضمن محطّات الدولة الاسلامية نوجّه نظرنا إلى فترة بني العبّاس ودولتهم، وهي التي مثّلت حين ظهورها واستيلائها على الدولة الأموية نموذج الدولة المستجدّة، التي تستولي على الدولة المستقرة بالمطاولة لا بالمناجزة، حسب تعبير ابن خلدون. وقد قامت سياسة العباسيين على تجاوز التقليد الأموي، الذي طبع بصفة الحكّام الذين لا يشاركهم في حكمهم أحد من نسب أعجمي، ولهذا استبطن العباسيون تركيبة جديدة اجتماعية وسياسية أوجدت الفرس، فكان منهم الوزراء والمستشارون والقواد والولاة، كما قاموا بتجنيد الترك وغير الترك فأخرجوا السياسة العربية من نطاق الجنس العربي إلى العالمية.
جاءت الدولة العباسية بتغييرات واضحة حاولت من خلالها أن تجد الحلول الجذرية للمشاكل التي ورثها المجتمع من الدولة الأموية، ومنها الحلّ السياسي لتنظيم السلطة تنظيما مختلفا، فابتدأ فيها الحكم تحت شعار الدفاع عن آل علي، وانخرط في صفوف مؤيديها الفرس المسلمون الذين سخطوا على الأمويين لعدم مساواتهم بالعرب في الحقوق السياسية والاجتماعية، مع أنّ مبدأ المساواة مقرّر في القرآن الكريم وفي السنّة النبوية. وبالفعل فإنّ مجيء العباسيين إلى الحكم لم يتّخذ شكل الانزواء التام لشبه الجزيرة العربية، ولا انزواء ممثليها أو ميراثها، فدون التحدّث عن اللغة الرسمية للأمة وهي اللغة العربية التي ستعرف هنا فترة من أجمل فتراتها، ترجمة وعلما وبحثا وإنتاجا معرفيّا، فإنّ الأسرة العربية الحاكمة في بغداد ستتميّز بنوع من الواقعية السياسية، فما يعنيها قبل كل شيء هو وجود الأمة وعملها والحفاظ على التطابق بين الدولة والأمة. فقد بدا مطلوبا من الدولة أن تساير التغيير الحاصل في المجتمع، وأن تتخلّص من الموروث السّابق لها حتى تلقى التأييد ويكتب لها البقاء، بعد أن نجحت في القضاء على الأمويين على أساس برنامج سياسي واجتماعي وعد بالتغيير واستوعب الجدل الذي أصبح مثارا بالنسبة للعرب، وهو استحواذهم على الإسلام وعلى أجهزة الدولة وحصرها في قريش دون بقيّة العرب والمسلمين من غير العرب، الذين تزامن قيام الدولة العباسية مع وصول الجيلين الثاني والثالث منهم إلى مرحلة تمثّل الثقافة العربية والدين الاسلامي، والمساهمة في بناء ثقافة إسلامية يجدون من خلالها موقعا يخرجهم من وضعية الولاء التي كانوا فيها التابعين ثقافيا واجتماعيا للعرب أصحاب الدين والدولة.
وبذلك حدث التغيير الفعلي في الدولة والمجتمع في العصر العباسي من جهة نهجهم سياسة مغايرة للأمويين، وتمثّلهم المشروع الاسلامي في ثوابته وأبعاده الحقيقية، التي يمكن استنباطها من النصوص والمواقف والممارسات في حياة مؤسّسه الأوّل، فهو مشروع عربي إنساني، وهو مشروع ضدّ طائفية القبيلة أو نسب العائلة أو الأسرة أو ما شابه وضدّ عصبية العرق والدم – هو مشروع عربي ثقافي في منطلقه ولكنه إنساني حضاري في كلّيته، يقبل الاختلاف والاختلاط والاندماج، الذي حاول العباسيون تجسيده بإقحام الأجناس المسلمة غير العربية في الحياة السياسية والاجتماعية والإدارية، فكانت تعبيراتها العملية تكوين الجيش النظامي المختلط من وحدات عربية وفارسية، وظهور الموالي، خاصة الفرس في المناصب الرسمية وتصعيد وجودهم إلى قمّة البناء الإداري.
حاول العباسيون إذن أن يفسحوا المجال أمام المشاركة في الحياة العامة، خاصة السياسية منها، وأن تكون علاقاتهم بالمجتمع الذي يحكمونه أقلّ توتّرا، وأن يشركوا الأمة في حكمهم بإعلانهم عن سيرتهم فيها بما أنزل الله وسنّ رسوله، وهي سمة اصطبغت بها فترة المنصور الذي يعتبر مؤسس دولة بني العباس، فإليه يعزى تمكّن العباسيين من الاحتفاظ بالحكم كل تلك المدة الطويلة لرسمه المبادئ العامة التي ساعدت على انشاء هيئات قوية متفانية في سبيل الأسرة الحاكمة الجديدة. ولم تكن فترة المأمون لتحيد هي الأخرى عن هذا التوجه العام، فالاختلاف بما هو طريق للائتلاف كما يرى الجاحظ مثّل التعبير البارز في مشروع المأمون المجتمعي.
نموذجان من فترات حكم دولة بني العباس في طورها الأول تحديدا (ابو جعفر المنصور والمأمون) ومرحلتان من الاستقرار تتبلور خلالهما القيم العسكرية والادارية والثقافية للامبراطورية الجديدة، التي قامت على مزج الأجناس المختلفة وعلى المعايير السياسية والدينية إلى ما لا نهاية. وهو ما يبقي تحديد طبيعة العلاقة التي تحكم الديني والسياسي في هذه الفترة الاسلامية «الأنموذجية» مطلوبا. وهي الفترة التي تطورت فيها المؤسسة السياسية والقوى السياسية والدينية تطورا حمل معه ذاك التأقطب التاريخي بين ما هو ديني وما هو سياسي، وبين مطالب الدولة ومطالب الأمة من جهة انتقال الدولة في أطوار مختلفة وحالات متجددة واكتساب القائمين عليها في كل طور خلقا جديدا «تابعا بالطبع لمزاج الحال الذي هو فيه « وفق فهم خلدوني.
حاول الحكم العباسي إعادة شيء من التوازن الاجتماعي، غير أنّ ذلك التوازن لم يدم طويلا، فقد كان المجتمع يمرّ بمرحلة تحوّل كبرى على جميع المستويات، ولم يكن تنظيم مكوناته والتأليف بينها بالأمر السهل، ولعل تلك الحركيّة التي لم تعرفها الأجيال السابقة جعلت من الخلافة العباسية توحيدية بالفعل، في مرحلة تنظيماتها وتعريبها للادارة والدواوين، الّا أنها تجزيئية في مرحلة عجزها عن استيعاب قوى الاجتماع العربي والاسلامي. ولعلّ مردّ التجزئة في العصر العباسي ينحكم بعدّة عوامل، قد يكون أهمّها اسقاط العرب من الديوان (ديوان الجند خاصة) واللجوء الى المرتزقة (الأتراك والفرس)، اضافة الى ظهور نزعات محلّية وضعف الادارة وارتباك المالية وصراع الورثة وتغلب أمراء الأطراف واشتداد قبضة الاستبداد واستنزاف الضرائب. وحين اتجهت الادارة الى المركزية بعد مجيء العباسيين لم تستطع أن تستمر طويلا، مع بدء ظهــــور كيانات محلــية. وإذا كان الخليفة رمز الوحدة السياسية على هرم الدولة، فإنّ الضعف والتجــــزئة زعزعا المؤسسة الســـياسية، في حين بقي مفـــهوم الأمّــــة قـــويّا، وهو ســـياق ظــــل المجتمـــع الاسلامي يتأرجح فيـــه بين الدولة والدين وربط ولائه للدولة بتحقيق الدولة لأهـــداف الدين. ونتـــج عن ذلك كلّه بروز مفهـــوم الأمة وغلبته على مفهوم الدولة، لارتباط مفهوم الدولة بمفهوم الحكـــم، ولأنّ ابتعاد الدولـــة عن المجتمــع يعـــني ابتعـــاد الدولــة عن الأمة وإجمــــاعها وهو ما وقع فعلا في الفترة العباسية.
وفي الجملة لم يستطع المنصور ولا المأمون بعد وصولهما إلى الحكم إلغاء نظام الولاء، ولم يحدثا الاصلاح المرجو لمجتمع كانت أغلبيته من الموالي، فنازعت الأمّة السلطة في مفهوم الحكم المطلق بحق الهي، واعتبرت الاصطفاء وتوريث الأرض عامّين يشملان الأمّة بأكملها لا أسرة بعينها أو شخصا بعينه يكون ظل الله في الأرض، كما خيّل لأبي جعفر المنصور. وقد حال مفهوم الإرث كما الثأر، وهما اللذان قامت عليهما الدولة العباسية وما تبعها من الاستئثار بالسلطة، بدون تحقيق مطالب الجماهير ورغبتها في حياة عادلة متكافئة.
رغم تعديل العباسيين وجهة المشروع الاسلامي بالقطع مع الاقصاء والتفرّد العربي، إلّا أنّ الحلّ السياسي لتنظيم السلطة تنظيما مختلفا لم يستطع اختراق مفهوم الارث العائلي أو تنظيم العلاقة بين الدولة والمجتمع، على أساس يختلف عن الذي أرسى دعائمه معاوية، واستقرّ مثالا يتّبعه خلفاؤه وأنتج توتّرا في العلاقة، أدّى في نهاية الأمر الى ثورة المجتمع على الدولة، وخروج السلطة من أيدي الأمويين، ولكنّ سوء التوظيف السياسي لا يمكن أن يخفي الجهد الكبير الذي بذله المنصور في بناء الدولة وإرساء دعائمها، ولا الاستعداد الحضاري العظيم للمأمون وهو يرسّخ «دولة الثقافة» نتيجة مشروعه العلمي الذي تقبّل الروافد الثقافية الفارسية واليونانية واستوعب التنوع الفكري والثقافي الديني.
وتلك صفحة نراها مشرقة في تاريخ الحضارة العربية الاسلامية لا يمكن نكران اسهاماتها في تطوير المجتمع الاسلامي والارتقاء به إلى أعلى المراتب في سلّم السيادة والعالمية. وحتّى ذاك التأقطب بين الديني والسياسي أو بين ما هو خلافة وما هو ملك، إنّما هو تعبير من جهة ما عن فترة «أنموذجية» تطوّرت فيها المؤسسات السياسية والدينية تطوّرا رافقه ازدهار الحياة العلمية والثقافية بما لا يمكن حصره ولا يدركه درس ولا بحث.
٭ أستاذ وباحث في الحضارة من تونس
لطفي العبيدي