قرار ترامب بالانسحاب من اتفاقية المناخ مغامرة تضر بأمريكا والعالم

حجم الخط
1

وأخيرا نفذ ترامب أحد وعوده الانتخابية، وهو الانسحاب من اتفاقية التغير المناخي، التي تم التوقيع عليها في باريس في ديسمبر 2015، ودخلت حيز التنفيذ في مؤتمر مراكش في نوفمبر 2016، بعد أن وصل عدد التصديقات إلى 55 دولة مسؤولة عن 55 في المئة من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، من بينها الصين والهند والولايات المتحدة.
لقد اعتبرت تلك الاتفاقية وأجندة أهداف التنمية المستدامة 2030 التي اعتمدت في سبتمبر 2015 ودخلت حيز التنفيذ ابتداء من أول عام 2016 من أعظم إنجازات الأمم المتحدة في نهاية ولاية الأمين العام السابق بان كي مون. وقد نختصر الاتفاقيتين بجملتين متلازمتين: اتفاق باريس حول المناخ ينقذ العالم، وأجندة 2030 تنقذ الأجيال القادمة، من التحديات الخطيرة كالفقر والصحة والتعليم والمعرفة والمساواة وحماية البيئة والتطرف، وغير ذلك من تحديات جمعتها الأجندة في 17 هدفا.
لقد رفع ترامب شعارات ديماغوغية في حملته الانتخابية، تخاطب عواطف الأقل وعيا والأكثر تهميشا مثل «أمريكا أولا» وجعل أمريكا «دولة عظمى» مرة ثانية، وكلا الشعارين تهمة شبه مباشرة لسلفه الرئيس باراك أوباما، الذي في رأيه ساوم على عظمة الدور الأمريكي، وفضّل مصالح الدول الأخرى على مصلحة بلاده.
وما أبعد هاتين الفرضيتين عن الحقيقة جملة وتفصيلا. الحقيقة التي نستطيع أن نقولها الآن، ومعنا الملايين من المواطنين والمثقفين والمعنيين، وعشرات المدن والبلديات والولايات، أن قرار ترامب بالانسحاب من اتفاقية المناخ لا يعرض العالم كله لخطر الاحتباس الحراري والتغيرات المناخية الخطيرة فحسب، بل سيفقد الولايات المتحدة دورها القيادي، ويضع كافة مقاليد القيادة في أيدي الصين، وسيعرض الأمن القومي للبلاد إلى خطر محدق، ويضرب الرخاء الاقتصادي الذي أنجزه أوباما على مدى دورتين بعد سنوات بوش العجاف. هذا قرار خطير يمس حياة كل فرد منا، ويمس مستقبل الأجيال القادمة، ويمس مستقبل كوكب الأرض برمته. وإذا كان هذا الرئيس المتكبر يعتقد أنه سيعيد المجد لأمريكا بتحويلها إلى جزيرة معزولة فهو مخطئ لا محالة، حتى لو نهب كل الأموال السائبة في الخليج، وقد تكون هذه الخطوة سببا آخر في الاستعجال بإدانته وإخراجه من البيت الأبيض.
أهمية اتفاقية المناخ
كي نقيـّم ما قام به هذا الرئيس الذي لا يتمتع باحترام أحد في العالم، إلا القليل، علينا أن نراجع كم عانى المجتمع الدولي للتوصل إلى هذا الاتفاق الأسطوري، منذ توقيع بروتوكول كيوتو عام 1997 الذي أقيم على أساس تمديد العمل بالاتفاقية الإطارية للتغير المناخي لعام 1992، من أجل إعطاء المجتمع الدولي فرصة للتوصل إلى اتفاق نهائي حول كيفية احتواء التغير المناخي الناتج عن الاحتباس الحراري، الذي تسببه الانبعاثات الغازية الدفيئة، التي تلوث الأرض والفضاء الخارجي، والتي تتحمل الدول الصناعية المسؤولية الأكبر عنها مثل، الولايات المتحدة والصين والهند وروسيا.
إذن بعد جهود أكثر من عقدين من الزمان، وضعت الاتفاقية الختامية على صيغة «اتفاقية دولية»، تجمّع ممثلون عن 195 دولة (فلسطين والفاتيكان إضافة إلى 193 دولة أعضاء في الأمم المتحدة) في باريس واعتمدوا الاتفاقية، التي وصفها جون كيري، وزير خارجية الولايات المتحدة السابق بأنها «الأقوى والأكثر طموحا، والتي تم التفاوض عليها تاريخيا». وكي يكون التحول إلى حماية كوكب الأرض من الانبعاثات الغازية الضارة سلسا ولا يسبب أضرارا كبيرة، أثناء فترة التحول إلى صناعة خضراء صديقة للبيئة، وبضغط من إدارة أوباما، ترك أمر تخفيض نسبة الانبعاثات الغازية طوعا للدول المعنية، أي أن الاتفاقية حددت النسب المطلوب تخفيفها، من دون أن تتضمن عملية التنفيذ آلية للإلزام، بل استبدل الإلزام بما أطلق عليه ترتيبات «تعهد ومراجعة»، بحيث تعلن كل دولة المساهمة المنوي تنفيذها على المستوى الوطني، للحد من الانبعاثات الغازية، بل يجوز لدولة أن تشتري حصة دولة أخرى، كي تبقى النسب متوازنة، لأن المهم هو أن تكون نسبة التخفيض في العالم تسير حسب الاتفاق وهي 54% في العقدين المقبلين، لدرء أي خطر على الكوكب، إذا ما استمر الاحتباس الحراري بمستواه الحالي. وبهذه المرونة تتمكن كل دولة من ترتيب تنفيذ التزاماتها بما يتناسب وظروفها المحلية. كما تضم المعاهدة بندا يطالب بإنشاء جهاز رقابة لمراجعة التعهدات التي قطعتها الدول على نفسها مرة كل خمس سنوات. وإذا وجدت دولة غير ملتزمة بما عاهدت المجتمع الدولي عليه، سيتم فقط الإعلان عن أن تلك الدولة في حالة انتهاك لتعهداتها، وهو ما يسمى «التسمية والتشهير».
وفي السنة المنصرمة تقدمت أكبر الدول الملوثة بتعهداتها وهي الصين والهند، وبدأ التفاؤل بالوصول إلى الهدف المنشود. وبدا أن الزخم المطلوب لإنفاذ اتفاقية المناخ قد توفر بالتزام أكبر الدول في العالم تلويثا للبيئة، إلى أن حدث الانسحاب الأمريكي من الاتفاقية يوم الخميس الأول من شهر يونيو، الذي توقع الكثيرون أنه وعد انتخابي سيتبخر مع الأيام مثل، كثير من وعوده الانتخابية. فما معنى هذا الانسحاب؟
آثار الانسحاب الأمريكي
من المؤكد أن انسحاب الولايات المتحدة، الملوث الثاني في العالم بعد الصين، سيؤثر سلبا على الزخم الإيجابي الذي تولد مع مؤتمري باريس ومراكش. فقد شعر المجتمع الدولي أن العالم أخيرا شهد انطلاق قطار حماية البيئة على السكة متجها نحو الهدف الكبير في احتواء الانبعاثات الغازية، وبالتالي إبطاء ثم احتواء الاحتباس الحراري. لأن هذا الانسحاب اللامسؤول قد يشجع دولا أخرى تحاول أن تتملص من التزاماتها أو تتباطأ في تنفيذها وما يعنيه ذلك من أضرار.
كما أن هذا الانسحاب قد يصل بالاحتباس الحراري إلى درجة الخطورة المحتملة عام 2036 وهي 3.6 فهرنهايت. ولهذا الارتفاع في ما لو تم، سيؤدي إلى نتائج كارثية على العالم وعلى أمريكا بالتحديد. تقلبات الطقس ستتخذ أشكالا حادة وخطيرة، وستنتشر موجات حادة من الجفاف والفيضانات تؤدي إلى المجاعات، كما أن مجمدات القطب الشمالي ستتعرض للذوبان، ما يؤدي إلى ارتفاع مستوى المياه في المحيطات، وغرق بعض الجزر وفرار عشرات الملايين من سكان السواحل والجزر المنخفضة. وهناك 26 مدينة أمريكية مهددة بالتعرض لفيضانات قاتلة عندما تضربها عواصف مدمرة من بلتيمور شرقا إلى هونولولو غربا. كما أن نحو 2.5 مليون أمريكي يعيشون على شواطئ فلوريدا بارتفاع أربعة أقدام فقط عن سطح البحر، مهددون بالغرق أو الترحيل. وتقدر وكالة حماية البيئة الأمريكية أن خسائر البلاد من جراء العواصف والفيضانات قد تصل إلى خمسة تريليونات دولار في مجال الاتصالات و180 مليار دولار في مجال نقص المياه بحدود عام 2100، إذا لم يتم التحكم في الاحتباس الحراري. وهذا الانسحاب الفج سيبعثر أي دور قيادي للولايات المتحدة، ويعطي الصين فرصتين ذهبيتين، سياسية وتجارية، ففي غياب أي تأثير للولايات المتحدة على الجهود الدولية لحماية البيئة، ستحمل الصين مشعل القيادة في التحول نحو العمل على حماية البيئة، ومن جهة ثانية ستحتل المركز الأول في الصناعات الخضراء، خاصة في موضوع الطاقة المتجددة مثل، ألواح الطاقة الشمسية، التي ستطرح بأسعار معقولة، ما تلبث أن تسيطر على الأسواق العالمية في غياب الولايات المتحدة.
الشيء المشجع أن أوروبا والصين قد جددتا التزامهما بالاتفاقية. كما أن العديد من الولايات والبلديات في الولايات المتحدة قررت أن تتحدى قرار ترامب الأهوج وتلتزم طوعا بالاتفاقية. فقد أعلن حاكم ولاية كاليفورنيا، جيري براون، أن ولايته ستملأ الفراغ في غياب الحكومة المركزية «وذلك بالعمل مع الولايات والبلديات لفرض معايير الحد الأقصى للانبعاثات الغازية». كما أن من غير المنطق أن يستثمر أصحاب الصناعات المعنية في الولايات المتحدة في تكنولوجيا قذرة في طريقها إلى الزوال تنتظر نهاية دورة ترامب، وربما قبل نهايتها لإلغاء مثل هذه السياسة الحمقاء، التي لا تسهم في جعل «أمريكا أولا» بل تبعثر دورها وتهشم صورتها وتتركها بلا حلفاء. وكان الله في عون الرئيس القادم الذي سيعمل على تصحيح كل هذا الخراب الذي سيخلفه رئيس وصل البيت الأبيض بطرق مشبوهة ما زالت قيد التحقيق.
محاضر في مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة رتغرز بولاية نيوجرسي

قرار ترامب بالانسحاب من اتفاقية المناخ مغامرة تضر بأمريكا والعالم

د.عبد الحميد صيام

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية