غزة ـ «القدس العربي»: كحال الفلسطينيين في المنافي والشتات أو أشد وطأة، يشعر سكان قطاع غزة بمرارة الوعد الظالم «وعد بلفور» الذي أعطته بريطانيا قبل 100 عام لليهود، وأدت تبعاته إلى طرد الفلسطينيين من مدنهم وقراهم في العام 1948، إلى دول الجوار والضفة الغربية وقطاع غزة اللتين احتلتا فيما بعد، خاصة وأن السكان في هذا القطاع الساحلي الضيق يعانون من حصار مشدد مفروض عليهم من قبل إسرائيل منذ 11 عاما، ذاقوا خلاله إلى جانب مرارة الوضع الاقتصادي، مرارة ثلاث حروب مدمرة شنها الاحتلال.
فهناك في قطاع غزة يمكن رؤية تفاصيل الظلم التاريخي الذي أوقعته بريطانيا على الفلسطينيين في يوم الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني من العام 1917، من خلال رسالة وزير خارجيتها آنذاك جيمس آرثر بلفور، إلى اللورد ليونيل وولتر دي روتشيلد، حين وعده بإقامة «وطن لليهود» على أرض فلسطين، في كل الجنبات، سواء في المدن التي تعاني اكتظاظا سكانيا كبيرا، أو في القرى التي اقتلعت أشجارها لتلبية احتياجات التوسع السكاني، كما يمكن أن ترى آثار الظلم بشكل جلي في ثمانية مخيمات للاجئين متفرقة على مناطق القطاع، والتي تحمل وجود قاطنيها ملايين القصص والروايات، خاصة أولئك الذين عايشوا فترة النكبة، وهجمات العصابات الصهيونية التي أجبرتهم وأسلافهم على الرحيل إلى مخيمات اللجوء والمنافي.
وقد جعل الحدث الجلل «وعد بلفور» قطاع غزة مركز حدث رئيس، كون القطاع استقبل بفعل تداعيات تطبيق القرار، جزءا كبيرا من السكان الفلسطينيين الأصليين الذين طردوا من مدنهم وقراهم في العام 48، يقيمون في المخيمات الثمانية، حيث يصل عددهم حاليا إلى أكــثــر من ملــيــون وثلاثــمـــئة ألف نسمة، ويشكلون ما نسبته ثلثي عدد سكان القطاع.
وتتجدد مأساة هؤلاء اللاجئين وغيرهم من سكان غزة سنويا وبشكل أكبر، مع حلول ذكرى «الوعد المشؤوم» كما يطلق عليه السكان، خاصة وأن ظروف الحصار والاحتلال، حولت حياتهم إلى جحيم، مع ارتقاع نسب الفقر والبطالة في صفوفهم إلى مستويات غير مسبوقة، وذلك بعد أن تنكرت إسرائيل أيضا لكل اتفاقيات السلام التي أبرمتها مع منظمة التحرير الفلسطينية.
وبسبب ذلك كله، لم يعد هناك أي أمل لسكان القطاع بوجود انفراجة قريبة، تخفف من معاناتهم، حتى وإن انتهت حقبة الانقسام المرير التي كان الاحتلال الإسرائيلي سببا رئيسيا في وقوعها، وتحققت الوحدة وتجسدت بشكل كامل، بسبب استمرار سياسات الاحتلال التي تتحكم في حياة الفلسطينيين بشكل كامل، وهو أمر أكدته قبل أيام وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا»، والتي أكدت أنها لا تتوقع انخفاض معدلات الاعتماد على خدماتها المقدمة للاجئي غزة، في المرحلة المقبلة، بسبب استمرار القيود والحصار الإسرائيلي.
وفي إطار الرفض الشعبي الغزي لهذا الوعد الظالم، شارك آلاف الفلسطينيين من سكان القطاع في الفعاليات الجماهيرية، التي ركزت على توجيه الانتقاد لبريطانيا، كونها الدولة المسؤولة عما لحق بهم من ظلم واحتلال، إضافة إلى مطالبات لهذه الدولة بالتكفير عن ذنبها، موجهين أيضا انتقادات حادة لها، على خلفية قرارها بتنظيم احتقال بهذه الذكرى المئوية.
وشددت الفعاليات الفلسطينية التي شهدت مشاركة جميع الأعمار، حتى الأطفال الصغار الذين حضروا من «رياض الأطفال» على ضرورة استمرار المواجهة والنضال والمقاومة مع الاحتلال، بالطرق التي تؤسس لقيام الدولة الفلسطينية.
وركز الفلسطينيون في غزة تظاهراتهم هذا العام التي اتشحت باللون الأسود، أمام مقرات الأمم المتحدة، وطالبوا من هناك المجتمع الدولي بضرورة التحرك السريع لرفع الظلم التاريخي الذي لحق بهم، وضرورة وضع حد لأطول احتلال في العالم، والعمل على إقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس، إضافة إلى حل قضية اللاجئين وفق القرارات الدولية التي تشمل إعادتهم لقراهم ومدنهم التي هجروا عنها قسرا.
وفي رسالة تدلل على الوحدة الفلسطينية، انطلقت الفصائل في مسيرة مشتركة جابت شوارع مدينة غزة، قبل أن تحط أمام المقر الرئيس للأمم المتحدة، لتعلن أن الوقت حان لتغيير الواقع الأليم، بما يضمن حياة أفصل للفلسطينيين الذين ذاقوا مرارة الانتداب والاحتلال، وما واكبه من «وعد مشؤوم» على مدار الـ 100 عام الماضية.
وخلال المسيرة المركزية التقت «القدس العربي» مع رجل عجوز تجاوز الثمانين عاما، قدم من إحدى مناطق جنوب القطاع، وقد اتكأ على عصا، حيث بدت ملامح الكبر على وجهه وظهره الذي انحنى من ألم السنين، فقال الرجل الذي واكب حقبة الوجود البريطاني في فلسطين ومن ثم احتلال العصابات الصهيونية لأرض فلسطين عام 1948، حيث طرد وأبناء بلدته آنذاك وهجر قسرا إلى غزة، وما تلاها من حرب «النكسة» عام 67 واحتلال إسرائيل لباقي أرض فلسطين، إن المأساة التي سببتها بريطانيا بإعطاء «وعد بلفور» لليهود، لم تمنعه يوما من حلم العودة إلى أرضه.
واستذكر هذا الكهل الذي أكمل تعليمه بشكل صعب بعد الهجرة عام 48 وعمل موظفا لعشرات السنين، حروب إسرائيل الثلاثة الأخيرة على غزة، وقال إنها تمثل في الأساس «وصمة عار» على جبين بريطانيا، الدولة التي «جلبت اليهود لأرض فلسطين».
و»وعد بلفور» هو ما يطلق على الرسالة التي وجهها جيمس بلفور، وزير خارجية بريطانيا بتاريخ 2 نوفمبر/تشرين الثاني 1917 إلى اللورد ليونيل وولتر دي روتشيلد يشير فيها إلى تأييد الحكومة البريطانية إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، وجاء صدور الوعد قبل شهر من احتلال الجيش البريطاني فلسطين.
ومن أجل ذلك يطلق الفلسطينيون عبارة «وعد من لا يملك لمن لا يستحق» في توصيفهم لهذا «الوعد المشؤوم».
وفي سياق التنديد الرسمي بهذا الوعد، أكد نائب رئيس حركة فتح محمود العالول، أن «وعد بلفور» يمثل «جريمة» خاصة وأنه شكل «أداة للنكبة»، وقال إن بريطانيا «أضافت جريمة أخرى بحق شعبنا باحتفالها بإحياء الذكرى المشؤومة».
وقد رفض عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، رئيس دائرة شؤون اللاجئين زكريا الأغا، إعلان الحكومة البريطانية الاحتفال بالذكرى المئوية لوعد بلفور ودعوتها مسؤولين إسرائيليين لحضور الاحتفال.
وقال «إن إعلان الاحتفال يصب في اتجاه معاداة الشعب الفلسطيني ويضع بريطانيا في المربع المعادي لقيم الحق والعدالة الإنسانية، خاصة أن وعد بلفور منذ صدوره وحتى اللحظة كرّس قانون القوة والجور، ونكران الحقوق للشعوب»، داعيا بريطانيا للاعتذار عن صدور «وعد بلفور» لا الاحتفال به، مؤكدا أن رفض الاعتذار، سيقابله الحراك الفلسطيني الرسمي من خلال مقاضاة بريطانيا، ومتابعة هذا الملف أمام المحاكم الدولية.
من جهتها شددت الحكومة الفلسطينية من رفضها واستنكارها لهذه الجريمة، التي قالت إنها «كانت حجر الأساس في التمهيد لسلسلة من الأحداث التاريخية والسياسية اللاإنسانية التي أدت إلى تجريد الشعب الفلسطيني من حقوقه الوطنية»، وطالب الحكومة البريطانية بتصحيح هذا الخطأ التاريخي الذي ارتكبته بحق الشعب الفلسطيني، من خلال الاعتراف بمسؤوليتها التاريخية والقانونية والأخلاقية عن الأضرار التي لحقت بالفلسطينيين نتيجة للسياسات التي طبقت بسبب إعلان بلفور، وانتقدت الاحتفالات البريطانية بمئوية القرار.
في السياق وصفت حركة حماس «وعد بلفور» بأنه «خطيئة القرن» مشددة على أنه يتطلب اعتذرا وتعويضا وتصحيحا بريطانيا، وتعهدت باستمرار المقاومة حتى النصر.
وقال رئيس المكتب السياسي للحركة إسماعيل هنية «إن وعد بلفور المشؤوم لا يمكن أن يغير حقائق التاريخ والجغرافيا التي تُثبت حقنا في أرضنا»، وأضاف «ستبقى قضية فلسطين القضية المحورية للأمة وعلى رأس أجنداتها رغم كل ما يحيط بالأمة من مخاطر».
كما أكدت حركة الجهاد الإسلامي، على تمسكها لكل شبر من أرض فلسطين، وأعلنت رفضها التنازل أو التفريط، وقالت إن «العودة حق شرعي لن نحيد عنه، وسوى ذلك باطل لن نقبل به مهما بلغت التضحيات»، وجددت مضيها في «خيار الجهاد والمقاومة وصولًا لتحرير فلسطين كاملة»، فيما أدانت الجبهة الشعبية إصرار بريطانيا على «عدم الاعتراف بالجريمة» التي ارتكبتها بحق الشعب العربي الفلسطيني، من خلال إصدارها «وعد بلفور» وتأكيد ذلك بعدم اعتذارها عنه وإلغائه.
وركزت المطالبات الفلسطينية التي خرجت من غزة في هذه الذكرى المشؤومة على ضرورة التدخل الدولي العاجل، حيث دعت الجبهة الشعبية للضغط على الأمم المتحدة والمنظمات والهيئات الدولية والحقوقية والإنسانية، لـ «تحمل مسؤولياتها وواجباتها» إزاء حقوق وآمال الشعب الفلسطيني الوطنية والإنسانية، وملاحقة ومحاسبة الجناة.
أشرف الهور