قشة بوغدانوف

كان يفجيني بريماكوف متخصصاً بالدراسات العربية، وذلك أمر جعله مقرباً من بعض السياسيين في المنطقة، علاوة على ذلك، كانت أخباره مندوباً عن الرئيس غورباتشوف للتواصل مع الرئيس العراقي صدام حسين في فترة حرب الخليج 1990 – 1991 جعلته اسماً معروفاً في الأوساط العربية.
وبالطريقة نفسها يصعد مساعد وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف ليتصدر عناوين الأخبار في الإعلام العربي بصورة جعلته يتواصل مباشرة مع الرئاسة الروسية بوصفه المسؤول الرئيسي عن الملف السوري، وخلافاً للدبلوماسيين الآخرين فإن خبرة بوغدانوف في المنطقة العربية تعود لسنوات طويلة بدأت من اليمن الجنوبي 1974 وتواصلت من خلال لبنان وسوريا و(اسرائيل) ومصر.
الخبر الذي تتداوله الوكالات الإخبارية مؤخراً ويدفع ببوغدانوف لصدارة المشهد حالياً هو اللقاء مع معاذ الخطيب، الرئيس السابق للائتلاف السوري المعارض، على هامش زيارة المسؤول الروسي للدوحة، وهذه الزيارة تحديداً يمكن أن تعتبر الرديف السياسي لتصريحات وزير الدفاع الروسي حول تعاون عسكري وشيك بين بلاده والولايات المتحدة في سوريا، وكل هذه التحركات أو المنعطفات تظهر في الأسابيع الأخيرة قبل الانتخابات الأمريكية المقبلة.
أن تتحرك روسيا ضمن هذه الملابسات وخلال التوقيت الراهن مسألة مفهومة، أما ما يحتاج إلى بعض من التحليل والفهم فيتعلق بالجانب الأمريكي، الذي جرت العادة أن يدفع بالملفات الساخنة للركود قبيل الانتخابات، خاصة تلك التي ستدفع برئيس جديد للبيت الأبيض، حتى لو أتى التحرك الأمريكي فإنه سيكون مشابهاً لتحركات الرئيس بيل كلينتون في مفاوضات كامب ديفيد في يوليو 2000 وقبل الانتخابات الرئاسية بنحو أربعة أشهر في محاولة للخروج بإنجاز سياسي ملموس على المستوى الخارجي، خاصة بعد أن فشلت عملية ثعلب الصحراء نهاية 1998 في إنتاج أي مكتسبات سياسية. الخطوات المشابهة، وإيقاعها ونتائجها، من شأنها أن تفوت على ترامب في حالة وصوله إلى البيت الأبيض فرصة تحقيق إنجاز مبكر بالوصول إلى حل سياسي في سوريا، وبما يعني إنهاء التراجيديا الإنسانية في سوريا، أما في حالة وصول السيدة كلينتون فإن ذلك يعطيها دفعة قوية لتظهر بصورة المرأة الحديدية التي يمكنها أن تعيد الأمور للمربع الأول، وأن تفرض الإرادة الأمريكية في النهاية، وبذلك ستبقى المسألة السورية معلقة لأشهر مقبلة في المراوحة بين الأمل الشحيح واليأس المطبق، وهذه المشاعر اختبرها السوريون ومن يسعون لوضع حد للعنف الذي يدور في سوريا لأكثر من مرة في السنوات الأخيرة.
التدخل الروسي الذي اعتبره بعض المناصرين للرئيس الأسد أتى تحت ذريعة محاربة الإرهاب من جهة، والتوصل لحل سياسي من جهة أخرى، وبينما لم يستطع أحد الوقوف في وجه الإدعاء الروسي الأول، خاصة بعد حادثة الطائرة الروسية في سيناء، فإن موسكو تتقدم وبزخم تجاه الحل السياسي، الذي سيشتمل على مجموعة من المعطيات الجديدة، يتشكل بعضها في طهران وأنقرة، فالروس يبدون مستعدين للتدخل بقوة، ولكن ليس بالشراسة نفسها التي يمكن أن تصبغ التدخلات الإيرانية والتركية في حالة إطلاق حل سياسي لا يعتبر مرضياً للطرفين.
الوضع في سوريا أتى على آخر طاقة التفاؤل لدى المتابعين والمتعاطفين مع قضية الشعب السوري، ممن ليسوا بالضرورة من مناصري النظام أو المتحمسين للثورة السورية، التي بدأت تمضي من تراجع لآخر في ظل التشظي بين أجنحتها المختلفة، وأمام خطوة مهمة ومركزية تستطيع أن تطرح من خلالها المعارضة السورية جميع الآراء والرؤى مع الطرف الروسي الذي يمتلك الكلمة العليا على الأرض في سوريا، فإن رياض نعسان آغا الناطق عن الهيئة العليا للمفاوضات السورية يؤكد عدم نية الهيئة اللقاء مع بوغدانوف.
ما الذي يحمله بوغدانوف من أفكار؟ هذه مسألة سيجري حولها الكثير من التنبؤات والتوقعات، وربما تظهر تسريبات أو تصريحات أقرب لبالونات الاختبار، فالواقع أن الدبلوماسي الروسي الذي يقصد المنطقة هذه المرة يتأبط مجموعة من الملفات، يظهر أنها تتعلق بترتيبات أوسع من المسألة السورية، والتحركات الأخيرة التي وضعت طهران في الصورة أكثر من مرة تظهر أن الحديث لا يتعلق فقط بالحديث عن الحل السياسي في سوريا، ولكن في ترتيبات ما بعد ذلك الحل، وتأثيرها حتى على جيران سوريا.
تتغيب السعودية ومصر تحديداً عن الحراك الذي ينشط في المنطقة، والعاصمتان لا تلتقيان أساساً على أرضية واحدة تجاه الشأن السوري، فمن ناحية تتحول اليمن إلى أولوية سعودية يمكن أن تحد من دور الرياض في التدخل ضمن الترتيبات على المحور السوري، خاصة أن الحوثيين أطلقوا مجلساً سياسياً يتولى شكلياً المسؤولية في صنعاء، وفي مقابل ذلك، فإن المصريين الذين يُعتبر الشأن السوري بالنسبة لهم جزءاً من النظرية الأمنية ذات البعد العاطفي، يجدون في التدخل الصريح والمباشر تكلفة ليسوا مضطرين للتعامل معها في ظل الظروف الاقتصادية التي تضغط على القاهرة.
يمكن القول بأن ما يجري حالياً هو تحضير لصفقة كبيرة ستقدم للبيت الأبيض، مع استعداد الروس لتقبل الخيار الأسوأ برفضها جملة وتفصيلاً في وقت لاحق، وسيتوجه الزخم الروسي لاحقاً للضغط على واشنطن من أجل القبول بالتسوية على الطريقة الروسية.
اللقاء الروسي مع المعارضة السورية يمكن أن يفهم أيضاً من خلال اختيار موقع اللقاء، ففي المرحلة التي بدت فيها الدوحة تفقد المبادرة أمام النبرة العالية للتحركات الدبلوماسية والسياسية حول الشأن السوري، ومختلف شؤون المنطقة، فإن اللقاء في الدوحة يعيد الطرف القطري للمشاركة في المشهد من جديد، خاصة أن قطر تمتلك علاقات متقدمة مع الطرف التركي الذي بدأت مواقفه في إرباك المشهد، فبعد الحديث عن منطقة عازلة داخل الحدود السورية دخلت تركيا في مرحلة القلق من التقدم الذي يحرزه الأكراد، ولاسيما بعد تحريرهم لمنبج بدعم أمريكي، وبما يجعل أنقرة تتوقف لتقييم العلاقة مع الأمريكيين بعد المحاولة الانقلابية الأخيرة.
تركيا اليوم تجد نفسها في منعطف طريق صعب، وعلاقتها مع الأوروبيين ليست في أفضل حالاتها، ووصلت الإشارات المربكة من أنقرة لذروتها مع الحديث عن احتمالية موافقتها على استخدام الطائرات الروسية لقاعدتها الجوية في إنجرليك، وذلك بعد اتفاقه مع ايران أيضاً على استخدام قاعدة همدان الجوية.
ثمة تساؤلات كثيرة حول دور بوغدانوف، فهل سيتسلم الملف التفصيلي المعقد بكل شياطينه بشكل كامل وذلك لتحضير مخرجاته لوزيره القوي لافروف ومن ورائه الرئيس بوتين، أم أن سيواصل متابعة المراحل اللاحقة وبما يجعله في صدارة المشهدين الدبلوماسي والإعلامي؟
التركيز على تصريحات بوغدانوف ومدى ما يبديه من ثقة في نفسه، وحتى لغة الجسد التي يستعملها، بالإضافة إلى ما يحظى به من تغطيات إعلامية في موسكو وطهران ودمشق سيسهم في تحديد المدى المتاح أمامه في عمليته الدبلوماسية التي انطلقت مؤخراً، وأياً يكن من أمر، فإن وصول المأساة الإنسانية السورية لهذه المرحلة يستدعي التعلق بقشة بوغدانوف والشهيق بإصرار للاستعداد لفصل جديد من المفاجآت والتجاذبات.

٭ كاتب أردني

قشة بوغدانوف

سامح المحاريق

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية