قطر وموجبات النجاح الاقتصادي والاستقلال

حجم الخط
0

الحصار الذي تفرضه السعودية، ومعها بعض دول الخليج العربية على قطر، قد تكون له أسبابه، المعلنة أو الخفية، وقد يكون أيضاً، وسيلة للوصول لأهداف لم تستطع السياسة الهادئة تحقيقها، نذكر منها مثلاً، الرغبة بإحكام السيطرة على وسائل الإعلام الخليجية، وقد يكون أيضاً الانتقام من الدولة العربية الوحيدة التي لم تقف ضد الربيع العربي في تونس أو مصر عام 2011.
ولكن التغييرات التي حدثت في السياسة القطرية بعد تراجع الربيع العربي، وتقدم الثورة المُضادة بقوة، كان يجب أن يشفع لهذه الدولة، فالأمير الأب قد أُخرج من المسرح السياسي، وقناة «الجزيرة» الحرة، لم تعد كما كانت، والرأي والرأي الآخر، لم يعد شعاراً يُناسب توجهاتها، وقد أحجمت تماماً عن انتقاد الحرب السعودية في اليمن، وخصوصاً الانتهاكات الفظيعة لحقوق الإنسان خلال تلك الحرب، والتي أشارت إليها تقارير عدة لمجلس حقوق الإنسان، ومنظمات غير حكومية عديدة.
انحازت قطر الحاكم الجديد الابن للسعودية، بالواقع الملموس، فلماذا هذا الهجوم وهذا الحصار، حتى موقفها من إيران، لا يُبرر برأينا ذلك، فقطر شاركت إلى جانب السعودية بالحرب على الحوثيين، حلفاء إيران وذراعها في اليمن، موقف قطر من الإخوان المسلمين وحماس، أصبح متذبذباً، وفقد من صلابته السابقة، كما حصل بالنسبة لتركيا.
ولكن لو ربطنا زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ومئات مليارات الدولارات، التي حصل عليها من دول الخليج، وخصوصاً السعودية، مقابل حماية أنظمتها من ربيع مُحتمل، قد يكون هو السبب الحقيقي. فقد يكون الحكم في قطر، قد رفض الانصياع التام، لدفع الجزية المفروضة، لاعتقاده أن له حصانة شعبية محلية وعربية وعالمية.
موقف ترامب الداعم للسعودية أولاً، بتغريداته المُتعلقة بربط قطر بالإرهاب، قد تسير بهذا الاتجاه، على قطر إذن أن تدفع الكثير كغيرها، لسيد المنطقة، وإلا فلا مستقبل لها.
التهديد المفاجئ وغير المتوقع لقطر، يضع اقتصادها ومستقبلها في مهب الريح، وكل ما بنت وعمرت، ومليارات الدولارات المصروفة، لبناء اقتصاد متنوع، أو المُبذرة (98 مليار) للتحضير للالعاب الأولمبية وغيره.
هل تستطيع حقاً دولة كقطر، أن تبني وتنجح، بشكل دائم ، وهل هناك شروط لم تتحقق بالنموذج القطري لاستمراريته؟ أظن أن التجمعات الاقتصادية العالمية الكبرى، لم توجد عفواً، ولكنها كانت الوسيلة لحماية الدول المشاركة، من خلافاتها الداخلية أولاً، ومن التهديدات الخارجية ثانياً، اقتصاديةً كانت أم عسكرية، لذلك نجح تجمع الاتحاد الأوروبي بتأمين السلم والأمن والتضامن الداخلي، وحماية نفسه من أطماع الدول الكبرى الأخرى.
لماذا لم ينجح مجلس التعاون الخليجي، كما نجحت أوروبا، ولو على مستوى أقل بكثير، ولماذا لم يحم المجلس قطر، وتحول بالعكس، إلى خطر وُجودي لها؟ السبب هو أن التجمع بنفسه لا يكفي، فهو يجب أن يُبنى على أُسس ديمقراطية، تضع مصلحة شعوبه أولاً بالمنظار، هذه البُنية الديمقراطية، توفرت لأوروبا، وانعدامها كان سبب زوال حلف وارسو الشيوعي على عظمته، وهي ليست متوفرة لدول المجلس الخليجي، والتي لم تُقم تجمعها، إلا بهدف حماية الأنظمة المُشكلة لها، وليست حماية هذه الشعوب، من الأخطار الداخلية والخارجية.
لن تستطيع أي دولة عربية حقيقة، أن تبني نفسها بمنأى عن الدول الأخرى، ولن يستطيع أي تجمع عربي، اقتصادي أو سياسي النجاح، إلا إذا بُني على أُسس ديمقراطية.
المثل اللبناني واضح بذلك، فتلك الدولة، التي بناها الرئيس رفيق الحريري، على مدى عشرين عاماً، بعد انتهاء الحرب الأهلية، دمرتها إسرائيل عام 2006 بشهر من الغارات الجوية، وأطاحت بكل نجاحات الحريري والشعب اللبناني الاقتصادية رغم أن الرئيس الحريري، لم يكن معروفاً عنه عداءه الشديد لإسرائيل أو الغرب، بل كان صديقاً لأمريكا وأوربا الحميم.
لن يحمي قطر أو لبنان أو غيرهما، إلا تجمعات عربية ديمقراطية، تستطيع أن تدافع وتحافظ على إنجازاتها، وتمنع الخلافات العقيمة بينها، فمثلاً لا يُتصور أن يعتدي أحد على البرتغال، أو حتى إمارة موناكو أو لوكسمبورغ في أوروبا، مهما كانت هذه الدول صغيرة، ولا أحد يستطيع يوماً، الاعتداء على هونج كونج الصينية، أو أي مدينة في الهند.
التكامل الاقتصادي والسياسي للدول العربية، وبناء أنظمة مبنية على الديمقراطية والخيارات الشعبية ولصلاحها هي الوحيدة ألكفيلة بحماية الإنجازات الاقتصادية وغيرها، وتمنع كائنا من كان من التفكير بالاعتداء عليها، أو على أي عضو فيها.

طبيب عربي فلسطيني مقيم في فرنسا

قطر وموجبات النجاح الاقتصادي والاستقلال

د. نزار بدران

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية