قلادة مبارك المغشوشة وصمت نجيب محفوظ… خطيب الجامع الأموي يستشهد بهتلر… والفرقة الليبية تفشل في عزف النشيد البريطاني

حجم الخط
5

 

تذكّر «قلادة النيل» المغشوشة، الممنوحة لروائي مصر الراحل نجيب محفوظ الحائز على نوبل الآداب 1988، بتلك الصورة المزيفة للرئيس المصري المخلوع حسني مبارك، تلك التي جعلت الأخير في مقدمة زعماء بعض الدول بعد أن كان في الأصل الرئيس الأمريكي أوباما في مقدمة الصورة. هل سمع أحد حينذاك أن مبارك قام بمحاسبة مزوّري الصورة الذين أوقعوا مصر في هذا الحرج؟
ها قد مرت ثلاثون عاماً على ذلك التزوير، حسب ما صرحت ابنة الروائي الراحل في مقابلة تلفزيونية، من دون أن يجرؤ أحد على الإفصاح عن ذلك التزوير، مع العلم أن عائلة محفوظ أدركت التزييف منذ وصول القلادة البيت.
لا يهم إن كان رئيس مصلحة سك العملات آنذاك هو من قام بالغش، أو حرس الرئيس، أو وزارة الثقافة، المهم أن الأمر من السهولة بحيث أنه يتم التجرؤ على أرفع وسام، وأشهر رمز ثقافي للبلاد، بيد رئيس البلاد. هل هناك تزوير أفظع؟
صحيح أنه لا يمكن للمرء إلا أن يعجب بزهد نجيب محفوظ وعائلته بالظهور وبالمال وبالمناصب، وصحيح أيضاً أن «ثلثي الحكمة تغافل»، لكن لا نحسب أن صمت نجيب محفوظ على قلادته المغشوشة يدخل في باب الحكمة أو الزهد بقدر ما يدخل في باب تكريس شخصية مواطن ممتثل «يمشي الحيط الحيط، ويقول يا رب الستر».
ليس زهداً، ما دام الروائي يعرف أن وراء التزييف مؤسسة، وأنه ليس سوى إشارة لتزييف عام، الصحف، المزروعات المروية بمياه وسخة، أرغفة الخبز، المشافي الحكومية، الموت تحت التعذيب،..
ليس بالوسع لوم نجيب محفوظ بعد كل هذا الزمن، فهو ليس أورهان باموق، الروائي التركي الحائز على نوبل للآداب عام 2006، والمنفي من بلاده بسبب مواقف ليس أقلها الاعتراف بمذبحة بلاده بحق الأرمن.
إنها حكمة الاحتفاظ برأسك سليماً، وضع رأسك بين الرؤوس والدعاء لقَطّاع الرؤوس.
إنها فضيحة صمت المثقف بقدر ما هي فضيحة هذه الأنظمة.

نكتة منى الشاذلي

في مقابلتها مع ابنة نجيب محفوظ عرضت المذيعة منى الشاذلي أوراقاً بخط يد الأديب الراحل، من بينها سطور حملت عبارات كتبها محفوظ إثر نجاته من محاولة الاغتيال، بعد أن أجرى عملية جراحية في العنق، حيث كان يحاول عبرها استعادة حركة يده اليمنى.
العبارات كانت كلها مما يخطر أولاً على بال محفوظ، حسب تعبير المذيعة، من قبيل عبارات الحمدلله والشهادتين أو «أنا عبد الله»، وهذا أمر له دلالته بالطبع، من أديب حاول الإرهاب اغتياله بتهمة الردة.
النكتة في أن المذيعة عثرت على عبارتين متجاورتين، واحدة تقول «أحرك يدي»، والثانية «نصلي له». ولا ندري لماذا خطر لها أن تقرأ هكذا «أحركُ بيدي نَصْلي»، لتبدو العبارة وكأنها مقصودة لذاتها، مع أن الكتابة كلها ليست سوى خربشات لا تقاطع بينها.
من حسن الحظ أن تحقيق المخطوطات الأدبية لا يعتمد على هكذا مذيعات.

خطيب الأموي يستشهد بهتلر

خطب إمام الجامع الأموي بدمشق هي أكثر «خبطات» النظام السوري ربحاً هذا الأيام، فمن المعروف أن خطبة الجمعة يجري تعميمها من قبل فروع الأمن، أي أنها خير معبّر عن توجهات النظام، وخير ناطق باسمه. أما لماذا هي الوسيلة الأكثر ربحاً، فلأنها إن أوصلت الرسالة، فحسنٌ، وإن لم تصب فالخطبة والخطيب ممثلان لمذهب بعينه، وبالتالي لن تفرق مع النظام ما الصورة التي سيكون عليها، إن لم نقل إن من شأنه المساهمة الصريحة في شيطنته.
فيديوهات خطيب «الأموي» هي الأكثر تداولاً هذه الأيام بين من يريد التعرف على مواقف النظام الأخيرة، لقد وصلت حداً غير مسبوق من الهزل، فهي لا توارب ولا تنكر رسالة النظام، ومن مآثرها دعوة الخطيب الناس إلى زيارة «معرض دمشق الدولي»، الذي يسميه «المعرض المبارك»، كما يدعو في خطبة أخرى: «من فاته أن يحج في هذا العام، والأعوام التي سبقته، إلى بيت الله الحرام، فليقف على جبل الانتصار والعزة والكبرياء جبل قاسيون».
أما أفظع ما جاء على لسان الخطيب، في سياق الحث على المساهمة بالنهوض والتضامن من أجل اقتصاد أفضل، استشهاده بكلام ينسبه إلى هتلر «قال هتلر إن التقدم والحضارة هما نتيجة جهود العبقرية لا نتيجة ثرثرة الأكثرية».
فهل يقع ذلك في سياق توضيح نظرية «التجانس» القائمة على تدمير مدن وتهجير واعتقال وقتل، تلك النظرية التي جاءت على لسان بشار الأسد في خطابه الأخير حين تحدث عن سوريا أكثر تجانساً بعد كل ما حدث.
كان يمكن النظر إلى الاستشهاد بقول لهتلر على أنه مجرد تصرف من خطيب الأموي، أما وقد أتى الشيخ على «ثرثرة الأكثرية»، ومديح العبقرية، فلا شك أن الخطيب يقصد تماماً ما يقول. لا شك أنه يتبنى بالكامل نظريات هتلر بالاقتصاد والعمران والتضامن، تلك المعروفة نتائجها للجميع.

النشيد البريطاني بأيد ليبية

شاهدنا فيديو للفرقة الموسيقية العسكرية الليبية في بنغازي أثناء استقبال وزير الخارجية البريطاني وهي تعزف، أو تحاول، عزف النشيد الوطني البريطاني. فيديو يثير الشفقة على حال تلك البلاد، أكثر مما يثير الضحك. إذ قدمت الفرقة الليبية محاولات مخجلة للعزف، تناقلتها صحف بريطانية اعتبرته كوميدياً، وهو كذلك بالطبع.
تقول الأخبار إن جونسون زار ليبيا لمحاولة التقريب بين الفصائل المتنازعة في ليبيا والسعي لتشكيل حكومة موحدة قوية، وتعهّد بتقديم مساعدات بقيمة 9 ملايين جنيه استرليني لمكافحة الاتجار بالبشر والإرهاب.
لو أن الوزير البريطاني وضع مبلغاً مماثلاً، وجهداً أكبر من أجل فِرقٍ تعزف موسيقى لائقة، لضمنّا له إرهاباً أقل، لربما اختفى المتاجرون بالبشر وبالحروب.

كاتب فلسطيني

قلادة مبارك المغشوشة وصمت نجيب محفوظ… خطيب الجامع الأموي يستشهد بهتلر… والفرقة الليبية تفشل في عزف النشيد البريطاني

راشد عيسى

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية