قمة سنغافورة: قراءة إسرائيلية سوريالية

حجم الخط
5

سرّبت بعض المواقع الأمريكية والإسرائيلية فقرات من تقرير سرّي وضعته وزارة خارجية دولة الاحتلال، يثير الشكوك حول قمة سنغافورة الأخيرة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون. هنالك طرازان من المخاوف، يقول التقرير، يدور أوّلها حول «الثغرات» الجوهرية في الخطّ الدبلوماسي الأمريكي بعد القمة، بالمقارنة مع اشتراطات واشنطن قبلها (نزع الأسلحة النووية في كوريا الشمالية «على نحو تامّ، لا يقبل التراجع، ويخضع للتدقيق»). طراز المخاوف الثاني هو أن إدارة ترامب، التي رفضت في الماضي المقاربة الصينية القائمة على مبدأ «تجميد مقابل تجميد»، عادت وقبلت ما هو أقلّ من ذلك، أي تجميد المناورات المشتركة الأمريكية ـ الكورية الجنوبية دون أن تكون بيونغ يانغ قد شرعت فعلياً في تجميد برنامجها النووي.
مخاوف الخارجية الإسرائيلية تنصبّ على «ثغرات» اتفاقية سنغافورة التي وقّع عليها ترامب وكيم، لكنّ المضمون الأدقّ للمخاوف يدور حول البرنامج النووي الإيراني في واقع الأمر، وما إذا كان أيّ مستوى من التراخي الأمريكي تجاه بيونغ يانغ يمكن أن يشكّل سابقة لتراخٍ مماثل مع طهران، إذا تبدلت الأحوال وغادر ترامب البيت الأبيض وجاء خَلَفه برؤية معاكسة للاتفاق النووي الغربي مع إيران. من الطريف، إلى هذا، أن تكون دولة الاحتلال هي صاحبة الهواجس؛ في حين أنها الدولة الوحيدة التي تمتلك السلاح النووي في الشرق الأوسط!
مفارقة تعيد الذاكرة إلى تموز (يوليو) 2004 حين قام محمد البرادعي، وكان يومها مدير الوكالة الدولية للطاقة النووية، بزيارة دولة الاحتلال؛ فلم يُسمح له بتفقد المواقع النووية الإسرائيلية إلا من أعالي السماء، على متن حوامة عسكرية، خلافاً لكلّ قواعد التفتيش، بل بدا مفهوم التفتيش على هذا النحو أضحوكة سوريالية. يومذاك لم يتضح عجز البرادعي، ومن ورائه الوكالة العتيدة، عن الكيل بمكيال واحد في معالجة ملفات الحدّ من انتشار السلاح النووي، فحسب؛ بل افتُضح كذلك انحيازه إلى القراءة الأمريكية لروحية التفتيش ذاته، وأنه يجب أن يقترن بتوصيف هذا النظام أو ذاك سياسياً، وبالتالي فإنّ ما يُطبّق على ليبيا وإيران والعراق، لا يجوز أن يُطبّق على دولة الاحتلال! وبالفعل، أعلن البرادعي أنه «يتفهم» المخاوف الإسرائيلية، الأمنية والوجودية؛ وصبّ جام غضبه في المقابل على إيران، وعلى الإرهابيين الذين يمكن أن يمتلكوا الأسلحة النووية ذات يوم قريب؛ دون أن ينسى التشهير بالعالِم الباكستاني عبد القادر خان، الذي هرّب أسرار القنبلة النووية إلى 18 بلداً…
كذلك تعيدنا المفارقة إلى سلسلة الأسئلة التي طرحها، ذات يوم، الصحافي الأمريكي شارلز ريز:
ـ مَنْ هي الدولة التي ترفض التوقيع على الاتفاقيات الدولية لحظر إنتاج الأسلحة النووية، بل وتحظر على المنظمات الدولية القيام بأي تفتيش على منشآتها النووية؟
ـ من هي الدولة التي احتلت عسكرياً أراضي الدول المجاورة، وتواصل ذلك الاحتلال متحدية بذلك جميع قرارات مجلس الأمن الدولي المطالبة بإزالة آثار ذلك العدوان؟
ـ من هي الدولة التي استخدمت جاسوساً يُدعى جوناثان بولارد، لسرقة وثائق سرّية أمريكية، ثم باعتها إلى الاتحاد السوفييتي؟ وهل هي الدولة ذاتها التي أنكرت الواقعة في البدء، ثم اعترفت بها ومنحت الجاسوس الجنسية الفخرية، بل ونظمت حملات ضغط واسعة لإجبار الرئيس الأمريكي على إطلاق سراحه، لأنه في نظرها بطل وطني؟
ـ من هي الدولة التي ترفض تنفيذ عشرات قرارات مجلس الأمن الدولي، بل وتستخفّ بها وبالهيئة الدولية التي أصدرتها؟
وبالطبع، في وسع ريز أن يضيف، اليوم، المزيد من الأسئلة إلى هذه الأحجية؛ بينها عجائب تقرير خارجية الاحتلال، الذي يطعن في أهلية الاتفاقيات التي أبرمها الرجل ذاته… الذي اعترف بمدينة القدس المحتلة عاصمة لدولة الاحتلال!

11RAI

قمة سنغافورة: قراءة إسرائيلية سوريالية

صبحي حديدي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية