بدأت القناة التلفزيونية البريطانية الخامسة بعرض حلقات موسم جديد من برنامج الخيال العلمي ذائع الصيت TheX-Files (الملفات الغامضة).
تبدو فكرة إعادة إحياء المسلسل وتوقيت إطلاقه وكأنها ضرورة وجودية أكثر منها مغامرة غير محسوبة، فالمناخ السياسي العام الذي يطغى على العالم اليوم هو مناخ من إنعدام الثقة بين الشعب والمنظومات الحاكمة في الإدارة الأمريكية والإدارات الأخرى، وذلك بعد ما كشفت خفايا تجسس الحكومات على رعاياها من خلال تسريبات «ويكيليكس»، وأيضاً ما كشف عنه إدوارد سنودين من قيام أجهزة ووكالات متعددة بمراقبة وسائل الإتصال كافة للمواطنين والأجانب على حد سواء.
وقد نُقل عن منتج المسلسل كريس كارتر قوله إن أجواء مرحلة «ويكيليكس» وسنودين كانت دون شك حافزاً أساسياً في إتخاذ القرار بإعادة إحياء الملفات الغامضة فلم يعد موضع نقاش أبداً في ما إذا كانت الحكومة الفيدرالية الأمريكية تتجسس على الرعايا والمواطنين، بل وهي مستمرة في السياسات ذاتها دون أدنى شعور بالذنب من وراء ذلك.
هذا ما قلّص على ما يبدو صفة الخيال العلمي عن المسلسل، الذي تتسابق أحداثه للحاق بالتطورات التي حدثت في العالم في المجالات كلها خلال فترة غيابه – ليبدو أقرب نظرياً إلى الواقع.
فها هما العميلان مولدر وسكلّلي يمزقان الأساطير المؤسسة عن روزويل – المؤامرة المزعومة بشأن هبوط مركبة فضائية جاءت إلى كوكبنا الأزرق – فذلك وفق مولدر – المعاصر ـ مجرد أوهام وخداع.
كارتر متأكد من أن «الملفات الغامضة» تعود الآن في أفضل توقيت ممكن، وليس لديه أي قلق من إمكانية تدني منسوب الرصيد من القصص الغامضة، لأنه يرى كل يوم قصصاً وهو يطلع على الأخبار في جريدته الصباحية فتولد عنده أفكار»ملفات غامضة» جديدة. يقول كارتر عن ذلك في مؤتمر صحافي صاحب إطلاق الموسم الجديد: «لقد عملت طويلاً في هذا المسلسل وصارت عندي المَلَكة لأميّز بسهولة القضايا التي تصلح لأن تكون جزءاً من «الملفات الغامضة» وأنا أقول لكم اليوم معظم أخبارنا يمكن أن تصنف فوراً ضمن ملفات قديمة – جديدة».
وتبدو مسألة وفرة الملفات هذه وراء قرار كارتر وفريقه بالإنتقال من بنية المواسم الطويلة التي تزيد عن 20 حلقة للموسم الواحد – كما كان حال المواسم التسعة الأولى، التي كان آخرها عام 2002 – إلى نظام المسلسلات القصيرة التي تنتهي في ست حلقات وهو الشكل الذي ستأخذه المواسم اللاحقة أيضاً إذا تم التوافق على الإستمرار بحيث يركز الموسم القصير على قصة جديدة متكاملة تنتهي في 6 حلقات مع إستمرار خط السرد الأساسي الرابط للمسلسل كله مستمراً في الخلفية.
علاقة الكائنات الفضائية بالسياسة
فيما يبدو فإن الشركة المنتجة للمسلسل (فوكس) سعيدة بذلك وإذا تمكن مولدر وسكلّلي من تقديم شيء أكثر من كيميائهم الشخصية فستكون هناك مواسم عدة لاحقة.
طُبع هذا المسلسل المهم منذ حلقته الأولى بالشراكة العميقة والكيمياء السحرية للعلاقة بين بطلي العمل الرئيسيين: فوكس مولدر (يلعب دوره النجم ديفيد دشوفني) ودانا سكلّلي (المتألقة دوماً جيليان أندرسن) اللذان يعملان في قسم خاص من المباحث الفيدرالية الأمريكية معني بالتحقيق في ملفات غامضة وهما يواجهان في عملهما مجموعة من الأحداث والظواهر الغريبة التي لا يمكن تفسيرها بشكل تقليدي، لكن الخيط الناظم للسرد في المسلسل هو نظرية المؤامرة، حيث تتواتر الأحداث لتشير إلى أن دوائر نافذة في المؤسسة الحاكمة الأمريكية تبدو عازمة وبشدة على إخفاء حدث ما له علاقة بإتصال مبهم مع كائنات فضائية وتجد عبر تقدم الأحداث في المسلسل أن خيوطا غير مرئية تتلاعب بالأدلة دوماً كي تمنع العميلين مولدر وسكلّلي من كشف الحقيقة – التي يدّعي المسلسل أنها موجودة في مكان ما هناك.
المسلسل في عصره الذهبي بعد منتصف التسعينيات حاز على رضى قطاع عريض من النقاد والمراقبين، وإستطاع إستقطاب مشاهدين شديدي الولاء في كل بيت أمريكي تقريباً، وقد مدحته «نيويورك تايمز» بوصفه المسلسل الذي جعل قصص الخيال العلمي أكثر إستساغاً وأوسع قبولاً من قبل الغالبية من المشاهدين وحصل على جوائز عالمية عدة في مناسبات عدة. وتبدو الانطلاقة الأحدث للمسلسل في صيغته الجديدة قد بثت حماساً بدا شديداً في قلوب ملايين المشاهدين في الولايات المتحدة وبريطانيا وخصوصاً أولئك الذين كانوا يعتقدون أن شراكة الغموض بين مولدر وسكلّلي قد ذهبت إلى الأبد ليعودا ويلتقيان مجدداً بعد أربعة عشر عاماً من التوقف.
لقد نجحت الحلقة الإفتتاحية في الموسم العاشر القصير في استقطاب أكثر من 16 مليون مشاهد في الولايات المتحدة وحدها، وإن كان عدد المشاهدين قد تراجع بشكل ملحوظ في الحلقات اللاحقة ليشاهد الحلقة الثالثة أقل من تسعة ملايين مشاهد أمريكي.
وقد برر موقع النقد التلفزيوني المعروف روتن توماتو ذلك كون الموسم لا يستحق أكثر من علامة 58٪ وذلك لإفتقاده إلى شرارة إبداع جديدة غير سحر الكيمياء الشخصية التي وإن بدت خالدة ومتجددة بين العميلين مولدر وسكلّلي فإنها لن تكون كافيةً لاستقطاب جمهورٍ جلبته «النوستالجيا» والحنين، لكنها لن تضمن بقاءه لست حلقاتٍ متتالية.
مؤامرة إخفاء المركبة الفضائية
وتبدو محاولة مولدر لنقل مستوى المؤامرة وفق السرد القصصي إلى إطار جديد من خلال اعترافه بأنه رغم سنوات البحث والتحقيق الطويلة فإنه لا وجود فعلياً لمؤامرة فضائية ضد حضارة الأرض – في صورتها الأمريكية – وأن الأمر كله لا يعدو أن يكون مؤامرة يمينية داخل المؤسسة الحاكمة لإخفاء تطبيقات تكنولوجية متفوقة عثر عليها بعد تحطم مركبة فضائية وتبين أنها لا تحتاج لطاقة لتشغيلها ومن ثم تم تطويعها للاستخدام في أغراض سرية متعددة.
لقد تحول «الملفات الغامضة» عبر الأيام إلى أداة لمهاجمة إنحرافات السياسات الرسمية الأمريكية بإستخدام مؤامرة فضائية مزعومة وقد ساعدت أجواء الحرب الباردة وسقوط المجموعة الإشتراكية في توسيع نطاق قبول المسلسل شعبياً واستمراريته لعشرات الحلقات.
لقد تصادف إطلاق المسلسل في 1993 مع أجواء شديدة من انعدام للثقة بالأداء الرسمي للمؤسسة الحاكمة الأمريكية وهو ما كانت ذروته في فوز مرشح فرد مستقل من خارج المنظومة السياسية المحكمة وهو الثري روس بيرو بـ 19٪ من أصوات الناخبين في الحملة الرئاسية عام 1992 وهي أعلى نسبة حصل عليها مرشح مستقل في تاريخ الولايات المتحدة منذ قيام الإتحاد وهو ما سبب هلعاً في الأوساط الجمهورية في واشنطن وقتها، لكنه كان بمثابة توقيت مثالي لمسلسل شعبي يتحدث عن مؤامرات السلطة.
إخفاء الحقيقة عن الشعب لسبعين عاماً
الموسم الجديد للمسلسل (المحظوظ) يعود اليوم بدوره عشية إطلاق الحملات الإنتخابية للرئاسة الأمريكية والتي يترشح فيها مستقلان قويان عن جناحي الطيف السياسي الأمريكي (دونالد ترامب عن اليمين وبارني ساندرز عن اليسار) وكلاهما من خارج منظومة الأحزاب الكلاسيكية.
يكاد نص الحوار في الحلقة الأولى من الموسم الجديد والذي يتهم المؤسسة الحاكمة بإخفاء الحقيقة عن الشعب لسبعين عاماً يتطابق حرفياً مع بعض خطابات ساندرز الذي أطاح بهيلاري كلينتون مدللة الحزب الديمقراطي والمؤسسة الحاكمة في الإنتخابات التحضيرية في ولاية نيو هامبشير. وكأني بمولدر ناطقاً بلسان المرشح الآخر الذي أثار كثيراً من الجدل وهو يقول «إن الحكومة تكذب علينا كجزء من سياسـة دائـمة»!
هل هو توقيت بريء إذن لإعادة إطلاق «الملفات الغامضة»؟ يتساءل بعض الخبثاء. ربما في ذلك بعض المبالغة في الأخذ بنظرية المؤامرة لتفسير الأمور، لكن المسلسل الذي توجه دوماً لجمهور يتقبل فكرة المؤامرة كان دوماً يعتمد على نقاط إيحاء وإحداثيات من واقع أداء المؤسسة الحاكمة المشبوه لدعم السرد عبر تقدم القصة في المسلسل: من فضيحة «ووترغيت»، التي تسببت في إستقالة إدارة الرئيس نيكسون بعد إنكشاف أمر التجسس على المعارضة إلى اغتيال الرئيس جون كنيدي، بل إن الحلقة الأولى تبدأ عند نقطة لافتة لإعادة ربط المسلسل بتقدم الأحداث خلال فترة غيابه: مولدر يقول إن «الأمور في البلاد أخذت منحنى شديد الخطورة وفي الإتجاه الخطأ منذ الحادي عشر من سبتمبر/أيلول».
ربما ستكون عودة «الملفات الغامضة» دعماً غير مباشر للمرشحين المستقلين في الإنتخابات الحالية إذن فهل سنرى أحدهما رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية في العام المقبل ويتجرأ على فتح (الملفات الغامضة) على الملأ؟
إعلامية لبنانية تقيم في لندن
ندى حطيط